يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرآة الحقيقة: فإما الانخراط في هندسة أمنية ذاتية تنبع من صميم مصالح شعوبه، وإما البقاء ساحة مستباحة لصراعات 'القوى الذكية التي لا ترحم الضعفاء. وبين حلم السيادة ومرارة التبعية، يبقى الدرس الأبلغ أن الحصانة لا تستورد عبر المظلات الدولية، بل تبنى من تماسك الجبهات الداخلية؛ فالدول التي لا تملك زمام قرارها في وقت السلم، لن تجد لها مكاناً يليق بها على طاولة رسم خرائط ما بعد الحرب..
بالنسبة للعراق ضرورة العمل على بناء وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول المجاورة وفتح منافذ تصديرية عبرها وكذلك مع الدول المتقدمة للاستفادة منها في كافة المجالات وبما يعيد بناء الاقتصاد وتحسين ادائه. هذه المنافذ ستجعل للعراق دور كبير في هذه الدول من ناحية وزيادة حجم الصادرات النفطية من ناحية ثانية وتجنب أي تعثر يحصل لبعض المنافذ كما حصل في الوقت الراهن مع إيران واقليم كردستان العراق من ناحية ثالثة..
تبقى لحظات الانتقال القيادي لحظات حساسة وهشّة بطبيعتها، ولحظة مفترق طرق، تتقاطع فيها الحسابات العقلانية مع الانفعالات والضغوط الداخلية، ولاسيّما فيما يتعلق باغتيال شخصية مهمة بحجم المرشد الإيراني؛ ما يجعل مسار المواجهة مفتوحًا على أكثر من احتمال، بين نار التصعيد، وفرصة إعادة التموضع الاستراتيجي..
أعلن البيت الأبيض، في 4 كانون الاول 2025، عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي حددت المبادئ والأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وطرق تنفيذها من خلال الوسائل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وأدوات القوة الناعمة، وحددت بعد ذلك توجهاتها في مناطق العالم وكان ترتيب ورودها في الاستراتيجية: الأميركيتان، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا..
الاطارية الشيعية، والتي تصورت ان المواقف الاميركية ستقف عند حدود رفض المالكي، في صدمة كبيرة بفعل سطحية تفكيرها ومحدودية فهمها للمعادلة الجديدة في المنطقة والتي تصر واشنطن على فرضها وهي معادلة الشرق الاوسط الجديد ومحوره السلام والاستقرار والشراكات الاقتصادية، لهذا تصاعدت المطالب الاميركية الى تهيئة بيئة سياسية وامنية وقضائية في العراق مناسبة لعملية السلام في المنطقة..
تُفضّل دول الخليج إيران ضعيفة ذات سياسات أكثر اعتدالاً، لا سيما من خلال تقليص برامجها النووية والصاروخية وأنشطتها الإقليمية السلبية. في السنوات الأخيرة، اتخذت دول الخليج خطوات جادة لتحسين العلاقات مع إيران في إطار سياسة الانفراج الدولي، التي أثبتت فعاليتها في رأيها. من وجهة نظرهم، يُعدّ "الشر الذي يعرفونه" أفضل من عدم الاستقرار الذي قد يمتدّ إلى الخليج..
ان ارتفاع حرارة المناخ وذوبان الجليد القطبي قد أدى الى ارتفاع حرارة التنافس والأزمات الجيوسياسية حول المنطقة التي تعكس سلسلة من التحولات في ميزان القوى العالمية بصعود قوى جديدة مثل الصين، وفي بوصلة الاهتمامات الاستراتيجية بانعطافها صوب هذه المنطقة النائية، بل وفي اليات الصراع وغاياته الرامية الى استخراج ما في باطن القطب من معادن نادرة للصناعات المتقدمة، فلم تعد هذه المنطقة بقعة بيضاء هامشية على الخريطة، بل هي المركز الجديد للجاذبية الجيوسياسية..
ما نتج بعد هذا التوتر وانتهاء الاحتجاجات هو ليس انتصارا لإيران، بقدر ما هو وضع لطهران على جادة الازمة المركبة والعمل على تكريس اسباب الاحتجاج والرفض للنظام الحاكم على مستوى الداخل. فالانقسامات السياسية واختلاف الرؤى فيما يخص السياسة الخارجية وادارة شؤون البلاد الاقتصادية والصعوبات المعيشية للمواطنين، والتحديات الدولية والعقوبات الدولية، وضعت النظام الحاكم امام تحديات خطيرة غير ظاهره الا انها تمكنت من التوغل الى داخل النظام، وستزيد من هشاشته، وهذا الامر أخطر كثيرا من الحرب او الضربات العسكرية..
يبدو أنَّ رؤية العالم بالنسبة لترامب، ليست جديدة، فهي تستند إلى تفسيرات النظريات الواقعية بمختلف مسميَّاتها ومدارسها، وتتشبث بحالة الطبيعة البشرية الأولى، التي نظَّر لها فلاسفة ومفكري العقد الاجتماعي، ومن قبلهم المؤرخ اليوناني (ثوسيديدس). ولعل جواب نائب رئيس موظفي البيت الأبيض (ستيفن ميلر) عن سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة تُدير فنزويلا... يلَّخص ذلك، كما يلَّخص فلسفة ترامب في الحكم خير تلخيص..
أن التوجه الأمريكي نحو فنزويلا، وخطف الرئيس وزوجته، يمثل مرحلة تحضيرية او استباقية، لتأمين مصادر الطاقة البديلة، وربما هو بمثابة تدرج استراتيجي، الهدف منها، الحد من قدرات إيران على التصعيد العسكري، دون خوض حرب شاملة مباشرة، تتمثل في تأمين مصادر الطاقة الحيوية خارج منطقة الخليج، وإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، وتحجيم قدرته على تهديد الملاحة البحرية، واضعاف قدرة انصارها..
من دون اتخاذ خطوات عراقية واضحة تعيد تنظيم العلاقة مع الطرفين – واشنطن وطهران – ضمن إطار مصلحة وطنية لا يخضع لردود الأفعال أو الحسابات الضيقة، سيظل العراق معرضاً لمزيد من الضغوط التي قد تتوسع خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً إذا اشتد التوتر الإيراني–الأمريكي في ساحات أخرى، أو إذا تعرضت منشآت الطاقة مجدداً لهجمات تغير طريقة تعامل الشركات الدولية مع العراق، مما قد يخلق سلسلة من الأزمات المتتابعة تبدأ من تراجع الاستثمار ولا تنتهي عند اضطرابات سوق العملة أو تراجع الإنتاج النفطي..
في اول مؤتمر صحفي بعد اقتياد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة "لن تنسى عقيدة مونرو بعد الآن"، في إشارة مباشرة إلى العقيدة التاريخية التي تقوم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً خاصاً بالولايات المتحدة الاميركية. وأضاف أن العملية تتماشى الى حد كبير مع "عقيدة مونرو"، المسمّاة باسم الرئيس الخامس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، والتي أعاد ترامب تسميتها بـ "عقيدة دونرو"...
تبدو الحاجة ملحّة أمام دول المنطقة، ولا سيما العراق وإيران، إلى قراءة مجريات الاحداث الإقليمية والدولية بوعي استراتيجي نقدي، وإعادة النظر في خطابها السياسي الخارجي الذي سمح بتحويلها إلى خطر إقليمي ودولي مزعزع للأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي لا يُبنى عبر تغذية المخاوف، بل عبر انتهاج خطاب خارجي عقلاني، وسياسات متوازنة، وشراكات إقليمية تعزز الثقة بين الدول والشعوب، وتفتح ابوابها للتعاون المتبادل في مختلف المجالات..
في الاقتصاد العالمي الجديد الذي سيظهر على المدى الأبعد، ستفقد أمريكا هيمنتها. هذا هو ما نتجه إليه ونحن ندخل عامنا الثاني من العيش تحت رحمة نزوات رئيسٍ مُختلّ. لقد بدأ التحول بالفعل، ورغم أن النمو العالمي سيعاني، إلا أن الألم قد يكون أقل مما يخشاه الكثيرون. في أوروبا، على سبيل المثال، ستوفر الاستثمارات في إعادة التسلح - وهي نتيجة ثانوية أخرى لسياسات ترامب المُدمّرة للذات - دفعةً قوية..
اشتدّت التوترات النووية بين إيران والغرب بشكل ملحوظ مع إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة السابقة لعام 2015 على طهران في أيلول 2025. وجاء هذا التطور نتيجةً لقيام الدول الأوروبية الثلاث - فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة - بتفعيل آلية العودة السريعة للعقوبات snapback (آلية قانونية لاستعادة العقوبات المتفق عليها مسبقًا في الأمم المتحدة) التابعة لخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) قبل شهر..
إن الرهان الجيواستراتيجي على جزر المحيط الهادي لم يعد مجرد مسألة سيطرة عسكرية، بل اصبح صراعا متعدد الابعاد الاقتصادية، والدبلوماسية والثقافية وحتى البيئية بين اكبر القوى العالمية . وتحولت هذه الجزر الصغيرة مع اطلالة القرن الجديد من رقعة نائية خامدة في وسط المحيط الهادئ الى معترك استراتيجي وساحة اختبار حقيقية لتوزيع القوى في النظام الدولي الجديد، فغدى الرهان الجيواستراتيجي عليها، رهان على المستقبل.. على طرق التجارة، والموارد، بل وحتى النفوذ العالمي..
يتصور الكثير في العراق، من اعلاميين ومحللين وساسة ومؤثرين، ان الادارة الاميركية برئاسة ترامب في مرحلة رئاسته الثانية ان العراق يشكل محور مهم في السياسة الخارجية الاميركية وضمن الاولويات الاميركية، ويسوقون للرأي العام ان البلد ضمن دائرة التوتر والصراع في المنطقة..
لن يكون هناك تأثير واضح للتعريفات الكمركية الجديدة على الاقتصاد العراقي، سوى تأثر اسعار النفط - المصدر الرئيس لإيرادات الموازنة العامة - التي ستشهد انخفاض ملحوظا وسريعا كما شهدنا في نيسان الماضي، وتأثر اسعار الذهب، والتي ستشهد ارتفاع نتيجة ارتفاع الطلب عليه عالميا، وقيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الاميركي الذي من المحتمل ان تتراجع قيمته والموثوقية فيه على المستوى العالمي..
بالنظر الى الخيارات التي تواجهها بغداد، من غير المرجح أن تختار التخلي عن حيادها والاتجاه الى دعم إيران ضد إسرائيل. في حين هددت بعض الميليشيات المرتبطة بإيران، مثل حركة حزب الله والنجباء، بمهاجمة أشخاص ومصالح أمريكية، فإنها تشترط على واشنطن أو حلفائها "التدخل" في شؤون المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وهذه سمة شائعة في الخطابات العلنية للميليشيات، مما يسمح لها بإظهار معارضتها مع تجنّب مخاطرة كبيرة في شن هجمات ضد المصالح الاميركية..
ان الصراع بين إيران من جهة واسرائيل وداعميها في الغرب، يمر بمرحلة هدنة ان صح التعبير، ويمكن ان تعود الهجمات الصاروخية بين الطرفين في اي وقت. ويمكن ان يكون تدخل الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة إذا ما عاد أطراف الصراع الى حالتهما التصارعية..
خلال الأشهر القليلة الماضية، تبلورت خطة مُحكمة لضمان هيمنة الصين على المنافسة الاقتصادية العالمية. إلا أن مهندسي الخطة الرئيسيين ليسوا قادة الصين، بل سياسيون أمريكيون. اذ ان تحديد إدارة ترامب للوكالات الفيدرالية تقوض قدرة الولايات المتحدة على الابتكار، وهو المحرك الرئيس لنموها الاقتصادي..
فيما يخص العراق، فقد يتأثر كثيرا بهذا الاتفاق، يتأثر العراق بهذه المفاوضات إذا ما نجحت أو إذا ما فشلت، حاله حال منطقة الشرق الأوسط كلها، نجاح هذه المفاوضات معناها انبعاث الحياة في العراق وهذه الهدنة الضمنية الموجودة في العراق لدى فصائل المقاومة، من الممكن أن تنتهي في هذا الموضوع إذا ما حدث فشل في هذه المفاوضات..
إن آثار تخلي الإدارة الأمريكية عن قوتها الناعمة متوقعة للغاية. إن إكراه حلفاء ديمقراطيين مثل الدنمارك أو كندا يُضعف الثقة في تحالفاتنا. إن تهديد بنما يُجدد المخاوف من الإمبريالية في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية. إن شل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) - التي أنشأها الرئيس جون كينيدي عام ١٩٦١ - يُضعف سمعتنا كمؤسسة خيرية..