يشكل الاتفاق بين الحكومة السورية الحالية برئاسة الجولاني، وقوات سوريا الديمقراطية »قسد« محورًا رئيسًا للسياسات الإقليمية والدولية في هذه المرحلة من الصراع السوري. جاء هذا الاتفاق على خلفية تغييرات ميدانية وسياسية كبيرة، بعد سنوات طويلة من النزاع الداخلي، ويُعد منعطفًا مهمًا في العلاقة بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، التي تدير مناطق شمال وشرق سوريا بحكم ذاتي منذ عام 2012. إذ يُعد الاتفاق الذي تم الإعلان عنه في 30 يناير/ كانون الثاني الماضي، بين الحكومة المركزية و"قسد"، خطوة هامة نحو تحقيق تحَّول ملموس في المشهد السياسي والعسكري في شمال شرقي سوريا. ولاسيّما أنَّ الاتفاق يسهم في تجنب الصراعات ويحدد ترتيبات الحوكمة بشكل واضح في تلك المنطقة؛ مما يمهد الطريق لوقف شامل لإطلاق النار. فضلًا عن ذلك، يُسهم الاتفاق في تقليل التوترات المكلفة لكل الأطراف ويحد من الآثار السلبية على المدنيين. كما يهدف إلى تبني منهج عملي ومتوازن لدمج القوات المسلحة المتبقية والمناطق الخاضعة لسيطرة "قسد" ضمن إطار مؤسسات الدولة السورية. فهل يُشَّكل الاتفاق حلًا نهائيًا للوضع في شمال شرقي سوريا، ولاسيّما أنه يقدم تسوية لدمج كيان فصائلي »مسلح« تحت سلطة الدولة، كيان له من الامكانات المادية والمعنوية (العسكرية والسياسية والاقتصادية... فضلًا عن الخبرة الميدانية) الكافية في تقويض سلطة الحكومة المركزية؟ وما هي تحديات ومستقبل الاتفاق في ظل التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط والبيئة السورية في الوقت الراهن؟
بالعودة إلى الخلفية السياسية للاتفاق الاخير، نرى بأن الاتفاق الذي تم التوصل له في أواخر شهر كانون الثاني/يناير الماضي، يختلف عن الاتفاقات السابقة الموقعة بين الطرفين، ولاسيما اتفاق يوم 18 من ذات الشهر. إذ يتضمن الاتفاق الاخير، وقف إطلاق النار بشكل شامل، واندماج قوات قسد ضمن الجيش السوري ومسؤوليات للدولة في شمال شرق البلاد، مع إبقاء بعض الضمانات الثقافية والمدنية للأكراد. كما دخلت القوات الحكومية السورية إلى مدن مهمة مثل القامشلي والحسكة، في إطار تنفيذ الاتفاق الدولي الذي دعمته الولايات المتحدة وامتدت ضغوطها السياسية على الجانبين. قبل ذلك كانت هناك تفاهمات ومفاوضات مطوّلة منذ مارس 2025، تهدف إلى دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في هيكل الدولة السورية، مع اختلافات في التفاصيل وآليات التنفيذ.
على الرغم من شمولية الاتفاق، الذي يهدف إلى تحقيق وحدة الأراضي السورية، وإنفاذ القانون، وتحقيق عملية الدمج الكامل لما تبقى من منطقة الجزيرة السورية، من خلال تعزيز التعاون بين الأطراف المعنية والتوَّصل إلى ايقاف شامل لإطلاق النار، والتفاهم على عملية دمج تدريجي للقوات العسكرية والإدارية بين الطرفين، وانسحاب القوات العسكرية من جميع نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركز مدينتي الحسكة والقامشلي؛ بغية تعزيز الاستقرار. والبدء بعملية دمج للقوات الأمنية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من "قسد"، إلى جانب تشكيل لواء في بلدة كوباني (عين العرب) ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب. والاتفاق على دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" في مؤسسات الدولة السورية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم. تبقى هناك متغيرات وتطورات وتحديات اساسية، قد تعيق تطبيق هذا الاتفاق، وربما تتَّسبب بأنهياره في الاشهر أو السنوات القادمة.
أولًا: الهوية السياسية وقضية الحكم الذاتي
أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها الاتفاق، يتمثل في وضع "الإدارة الذاتية" التي أنشأتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال وشرق سوريا. على الرغم من وجود بنود في الاتفاق تقضي بدمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن إطار الدولة السورية، فإن من شأن ذلك فعليًا إنهاء الحكم الذاتي الكردي المستقل الذي استمر لأكثر من عقد. هذا الأمر يفتح الباب أمام تساؤلات حول هوية الإقليم سياسيًا ودوره المستقبلي داخل الدولة السورية الموحّدة. ويرى بعض المحللين أن هذا الاتفاق يسهم في نزع الأوراق القوية التي كانت تمتلكها الإدارة الذاتية، مما قد يفقدها المكتسبات المرتبطة بالاستقلال السياسي المحلي التي حققتها خلال فترة الحرب الأهلية السابقة.
ثانيًا: النفوذ الدولي والإقليمي وطبيعة التوازنات
لطالما دعمت الولايات المتحدة الأمريكية، قوات سوريا الديمقراطية »قسد« عسكريًا في صراعها ضد تنظيم الدولة الإسلامية »داعش« على مدار السنوات الماضية. إلا أن التغيرات والتطورات الأخيرة في السياسة الأمريكية، ولاسيّما في ظل توجهات الإدارة الأمريكية الحالية، برئاسة دونالد ترامب، بما في ذلك ميلها نحو الانسحاب، أو إعادة هيكلة تحالفاتها الإقليمية، فتحت المجال أمام تعزيز دور الحكومة السورية في تنفيذ الاتفاق. بموازاة ذلك، تواجه »قسد« ضغوطًا متزايدة من تركيا، التي ترفض بشدة وجود أي تشكيلات كردية مسلحة قرب حدودها، مما يشكل عنصرًا إضافيًا قد يؤثر على مستقبل الاتفاق، ويحدد مدى إمكانية استمراره دون تصعيد التوترات. فضلًا عن ذلك، قد تتغير طبيعة المواقف الأمريكية مستقبلًا، تجاه الحكومة السورية وقسد، مع تغير الإدارة الأمريكية الحالية، او تتبدل التحالفات نتيجة التطورات الحاصلة في المنطقة؛ مما ينعكس على طبيعة الاتفاق. فمن الممكن أن يكون للروس دور أو موقف مختلف عن الموقف الحالي؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيَّرات واختلالات في طبيعة الاتفاق.
ثالثًا: التحديات الأمنية
المرحلة الانتقالية تتضمن جانبًا أمنيًا حساسًا، يتمثل بشكل رئيسي في السيطرة على سجون تنظيم الدولة الإسلامية »داعش« والمراكز الأمنية التي كانت تديرها قوات قسد. وقد برزت توترات بشأن تسليم بعض هذه المواقع، مما يظهر هشاشة الوضع الأمني خلال عملية الدمج. فضلًا عن ذلك، فإن تحقيق عملية اندماج عسكري لقوات قسد ضمن الجيش الوطني السوري، يحتاج إلى وقت طويل وإعادة تنظيم شاملة للمؤسسات العسكرية، بما يضمن فعاليتها وانسجامها بعيدًا عن التأثيرات والولاءات السابقة. ولاسيما أن الجيش السوري الحالي، ليس جيشًا نظاميًا بالمعنى العسكري، خاضع لتراتبية وهيكلية عسكرية واضحة وفعلية، بقدر ما هو عبارة عن جماعات إسلامية متشددة، تتصرف من تلقاء نفسها وبردود فعل شخصية وآنية؛ لهذا فأن أي تلامس أو احتكاك بين الطرفين، قد يتسبب بكوارث ومجازر أمنية للطرفين؛ مما قد يتسبب بتفكيك الاتفاق.
لهذا، قد لا يشكل الاتفاق، حلًا نهائيًا للوضع في شمال شرقي سوريا؛ كونه يقدم تسوية لدمج كيان فصائلي في دولة تريد بسط سيادتها على أراضيها. ويرتبط نجاحه بسلاسة وسرعة التنفيذ، والابتعاد عن منطق الصراع، والاحتكام إلى منطق المشاركة وإدارة التنوع. لكن يمكن لهذا الاتفاق الشامل، أن يشَّكل نقطة تحَّول في سوريا إذا نجح تنفيذه. ويتوقف ذلك بالدرجة الأولى على رغبة وإرادة الطرفين، وقدرتهما على معالجة مختلف التفاصيل الواردة فيه، والفجوات التي يمكن أن تنشأ. ولتحسين فرص نجاح الاتفاق يمكن التركيز على عدة امور من شأنها أن تزيد من متانة الاتفاق بين الطرفين. ويأتي في مقدمتها، النجاح في تثبيت وقف إطلاق النار، وتَّجنب الانزلاق للعنف مجددًا. فعلى الطرفين، أن يتخذا خطوات ملموسة لضمان صمود وقف القتال هذه المرة، وينبغي على الوسطاء، ولاسيّما الأمريكيين، تحذير الطرفين من المبالغة في تقدير أوراقهما. فلا يمكن لقسد أن تبالغ في تقدير نفوذها السياسي والعسكري، وتجَّنب الرهان على سيناريوهات غير واقعية، كالتدَّخل الإسرائيلي، وهو ما ناشدت به قياداتها خلال جولة القتال الاخيرة، على غرار ما حدث للدروز. بموازاة ذلك، على الجانب الأمريكي، أن يكون واضحًا مع الحكومة السورية، بأنها أيضًا ستواجه مخاطر إن تراجعت عن الاتفاق، او فشلت في ضبط قواتها العسكرية في التعامل مع وقف اطلاق النار، أو استفزت عناصر قسد أو ما شابه ذلك. فلا ينبغي للحكومة السورية أن تعوّل أكثر من اللازم على دعم غير مشروط من البيت الأبيض. كذلك يحتل موضوع المركزية، قدرًا كبيرًا في مستقبل الاتفاق، فالخلاف الأكثر حساسية يتمثّل في مدى مركزية الدولة السورية وحجم الاستقلالية التي ينبغي أن تحتفظ بها »قسد« وهو ذات الامر الذي افسد الاتفاق السابقة. فضلًا عن ذلك، يبقى موضوع بناء الثقة، الأمر المهم الذي يعزز من صلابة وأمد الاتفاق، ويسهم في انجاحه، إذ ينبغي على الطرفين التفكير في وسائل مبتكرة لتعزيز الاندماج وبناء الثقة؛ فيمكن للحكومة مثلًا توسيع تجنيد أبناء المناطق الكردية والأقليات في القوات العسكرية والأمنية، وتعديل المناهج التدريبية لتكريس التنوع الثقافي والديني. لهذا، يمكن أن نستقرأ مستقبل الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية »قسد« بثلاث سيناريوهات:
أولاً: تنفيذ تدريجي ناجح
في هذا السيناريو، يتم تنفيذ الاتفاق بناءً على بنوده الرئيسة، مع العمل على تسوية القضايا السياسية والثقافية بشكل تدريجي. وهذا من شأنه، تخفيف المخاوف لدى المكونات الكردية، وتهيئة الأجواء لتعزيز المشاركة المدنية الشاملة في الدولة السورية. وبالنظر إلى الدعم الدولي والإقليمي لهذا الاتفاق، يمكن أن يمثل هذا السيناريو حلًا محتملًا لتجاوز أزمة الانفصال والانقسام.
ثانيًا: توترات في التنفيذ وتراجع الاتفاق
قد تواجه المرحلة التنفيذية عقبات ميدانية وسياسية؛ فمن جهة هناك مقاومة من بعض القوى داخل »قسد« لدمج كامل ضمن الجيش، ومن جهة أخرى، استمرار نزاع المصالح الدولية (الأمريكية والتركية والإيرانية)، مما قد يؤدي إلى تجميد بعض بنود الاتفاق أو تعديلات طويلة الأجل.
ثالثًا: انعكاسات أمنية غير مستقرة
في حال تأخر تنفيذ ملف السجون والمواقع الحدودية، فإن ذلك يمكن أن يفتح الباب أمام تجدد النزاعات الأمنية أو انتشار تنظيم »داعش« في بعض المناطق، وهو ما يصَّعب مسار الانتقال السياسي والاستقرار. ويعطي ذريعة الاقتتال والمواجهة للطرفين.
بالمجمل، يمكن القول: إنَّ الاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية »قسد«، يُعد نقطة تحَّول كبيرة في مسار الحرب السورية، ولاسيّما بعد أكثر من عقد من الزمن، سيطرت خلاله »قسد« بشكل شبه مستقل على المناطق الشمالية والشرقية من البلاد. الاتفاق لا يقتصر على كونه مجرد وقف لإطلاق النار، بل يمثل خطوة نحو استعادة الدولة السورية سيادتها الكاملة على أراضيها، مع التركيز على تحقيق اندماج سياسي وعسكري شامل. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الاتفاق يتطلب تحقيق توازن دقيق بين ضمان حقوق المكونات المحلية وتلبية المصالح الإقليمية، وهو تحدٍ صعب، قد يؤثر على مستقبل الاستقرار في سوريا ما بعد الصراع. ولاسيّما أن الاتفاق خاضع لرغبات ومصالح خارجية (دولية وإقليمية)، الأمر الذي يجعله عرضة للتفكك والانهيار مع تبَّدل وتغَّير تلك الرغبات والتحالفات والمصالح؛ لهذا يجب أن تمَّثل الإرادة الوطنية السورية، حجر الأساس في تثبيت هذا الاتفاق الوصول إلى تسوية شاملة بين الطرفين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!