يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرآة الحقيقة: فإما الانخراط في هندسة أمنية ذاتية تنبع من صميم مصالح شعوبه، وإما البقاء ساحة مستباحة لصراعات 'القوى الذكية التي لا ترحم الضعفاء. وبين حلم السيادة ومرارة التبعية، يبقى الدرس الأبلغ أن الحصانة لا تستورد عبر المظلات الدولية، بل تبنى من تماسك الجبهات الداخلية؛ فالدول التي لا تملك زمام قرارها في وقت السلم، لن تجد لها مكاناً يليق بها على طاولة رسم خرائط ما بعد الحرب..
إذا كانت الجيوسياسية تدرس تأثير الجغرافيا على السياسة باستخدام القوة العسكرية في الغالب، فإن الجيواقتصادية هي الجانب الاقتصادي لتلك السياسة. ومسالة غلق المضيق من قبل ايران ومنح استثناءات لبعض الدول خير دليل على توظيف الجانب الاقتصادي في الحرب عبر ادخال ورقتها الاهم في الصراع..
إن الحرب القائمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى هي ليست ازمة جيوسياسية فقط بل شكلت ازمة وصدمة في أسواق الطاقة العالمية قد تعيد رسم خارطة أسواق الطاقة العالمية في المستقبل القريب. فقد أدى اغلاق مضيق هرمز الى قفزات غير مسبوقة في الأسعار لا سيما للنفط والغاز، ويبقى استقرار الاقتصاد العالمي واسعاره الطاقة فيه مرهوناً بمدى نجاح الدبلوماسية في خفض التوتر ووقف النزاع والعودة الى طاولة المفاوضات..
بالنسبة للعراق ضرورة العمل على بناء وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول المجاورة وفتح منافذ تصديرية عبرها وكذلك مع الدول المتقدمة للاستفادة منها في كافة المجالات وبما يعيد بناء الاقتصاد وتحسين ادائه. هذه المنافذ ستجعل للعراق دور كبير في هذه الدول من ناحية وزيادة حجم الصادرات النفطية من ناحية ثانية وتجنب أي تعثر يحصل لبعض المنافذ كما حصل في الوقت الراهن مع إيران واقليم كردستان العراق من ناحية ثالثة..
تبدو المواجهة بين إيران وإسرائيل، مثالًا واضحًا على كيفية توظيف الدين في الخطاب السياسي المعاصر. فالدين هنا ليس مجرد عقيدة روحية، بل يتحول إلى عنصر من عناصر القوة الرمزية في الصراع الدولي. وبينما تبقى المصالح الاستراتيجية، هي المحرك الأساسي للسياسات، يظل الخطاب الديني، عاملًا مؤثرًا في تشكيل صورة الصراع وإطاره الأخلاقي؛ الأمر الذي يجعل فهم هذا البعد ضروريًا لأي قراءة عميقة لمستقبل المنطقة لدى الجمهور الداخلي والمجتمع الدولي، فضلًا عن الرأي العام العالمي..
أن التصحيح السياسي الذي اصبح متعذر اجراءه من قبل "القوى السياسية" المتحكمة في العراق، سيتم العمل عليه بإرادة دولية واميركية، ولا يمكن ترك البلاد لعرابي الفساد ومتسيدي حالة اللادولة واللانظام وتمييع الدولار بالظل بعيدا عن منظومة الدولار العالمية، تلك المنظومة التي تسعى الولايات المتحدة الى بقاءها متفردة ومسيطرة على النظام الاقتصادي العالمي. وهذا ما جرى في فنزويلا ، وما سيجري في دول اخرى في اميركا اللاتينية مثل كوبا وكولمبيا وغيرها..
أعلن البيت الأبيض، في 4 كانون الاول 2025، عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، والتي حددت المبادئ والأهداف التي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقها، وطرق تنفيذها من خلال الوسائل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية وأدوات القوة الناعمة، وحددت بعد ذلك توجهاتها في مناطق العالم وكان ترتيب ورودها في الاستراتيجية: الأميركيتان، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا..
الاطارية الشيعية، والتي تصورت ان المواقف الاميركية ستقف عند حدود رفض المالكي، في صدمة كبيرة بفعل سطحية تفكيرها ومحدودية فهمها للمعادلة الجديدة في المنطقة والتي تصر واشنطن على فرضها وهي معادلة الشرق الاوسط الجديد ومحوره السلام والاستقرار والشراكات الاقتصادية، لهذا تصاعدت المطالب الاميركية الى تهيئة بيئة سياسية وامنية وقضائية في العراق مناسبة لعملية السلام في المنطقة..
الاتفاق لا يقتصر على كونه مجرد وقف لإطلاق النار، بل يمثل خطوة نحو استعادة الدولة السورية سيادتها الكاملة على أراضيها، مع التركيز على تحقيق اندماج سياسي وعسكري شامل. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الاتفاق يتطلب تحقيق توازن دقيق بين ضمان حقوق المكونات المحلية وتلبية المصالح الإقليمية، وهو تحدٍ صعب، قد يؤثر على مستقبل الاستقرار في سوريا ما بعد الصراع..
تبدو الحاجة ملحّة أمام دول المنطقة، ولا سيما العراق وإيران، إلى قراءة مجريات الاحداث الإقليمية والدولية بوعي استراتيجي نقدي، وإعادة النظر في خطابها السياسي الخارجي الذي سمح بتحويلها إلى خطر إقليمي ودولي مزعزع للأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي لا يُبنى عبر تغذية المخاوف، بل عبر انتهاج خطاب خارجي عقلاني، وسياسات متوازنة، وشراكات إقليمية تعزز الثقة بين الدول والشعوب، وتفتح ابوابها للتعاون المتبادل في مختلف المجالات..
يُمثّل انضمام سوريا الى التحالف فرصةً لتعاون أعمق مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين. ومع ذلك، فان التحديات التي تُشكّلها الميليشيات الطائفية والمقاتلون الأجانب المُتغلغلون داخل الدولة تُؤكّد مدى هشاشة هذه الشراكة وشروطها. عليه، لن يعتمد نجاح عضوية سوريا في التحالف على الرمزية فحسب، بل على قدرة دمشق على إظهار التزام ثابت وموثوق بمحاربة داعش، مع العمل في الوقت نفسه على استقرار مؤسساتها السياسية والأمنية المتصدعة..
يتصور الكثير في العراق، من اعلاميين ومحللين وساسة ومؤثرين، ان الادارة الاميركية برئاسة ترامب في مرحلة رئاسته الثانية ان العراق يشكل محور مهم في السياسة الخارجية الاميركية وضمن الاولويات الاميركية، ويسوقون للرأي العام ان البلد ضمن دائرة التوتر والصراع في المنطقة..
حلقتنا النقاشية هذه تدور حول موضوع نراه مهما في هذه المرحلة، وهو يتعلق بالأوضاع التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، حيث لا يختلف أحد على أن هذه المنطقة هي من مناطق الأزمات في العالم، وتكاد تكون الأولى على العالم بحيث تأتي بعدها جنوب شرق آسيا والنفوذ الصيني، كلا المنطقتين، تصارع النفوذ سواء كان الدولي أو الإقليمي هو السبب في موضوع وجود بعض التوترات التي قد ترتقي إلى بعض الصراعات..
لم يكن بإمكان حلفاء روسيا في المنطقة الاعتماد على موسكو، ولا ينبغي للصين الاعتماد عليها أيضًا لاحظ القادة والمجتمعات في الشرق الأوسط تقاعس روسيا وعدم اكتراثها في المنطقة. وكان رد الفعل داخل إيران واضحًا بشكل خاص. لطالما كان خامنئي مخلصًا لموسكو، ولكن مع ضعف موقفه الآن، تتزايد حدة الانتقادات الموجهة لتقربه من روسيا..
المؤكد، بغض النظر عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، هو أن النظام الإقليمي في حالة تقلب. لم يعد التمسك بالوضع الراهن مجديًا. وستكون الاستشراف الاستراتيجي، والقدرة على التكيف، وإعادة تعريف دور العراق في المنطقة أمورًا أساسية إذا ما أراد تجاوز العاصفة المقبلة..
المصالح المشتركة بين العراق وسوريا ليست وليدة اللحظة، ولن تنتهي مستقبلا، فتلك المصالح فرضتها عوامل الجغرافية والسياسية والامن والاقتصاد، وهي مصالح امن وطني للبلدين. وبالتالي هذه المقاربة السياسية الجديدة يجب ان تؤخذ بنظر الاهتمام تللك المصالح والتفكير بديمومتها وتعزيزها مستقبلا..
أثارت التحركات الإسرائيلية الاخيرة في سوريا، الكثير من الأسئلة، التي ربما كانت الأخطر منذ تولى أحمد الشرع الرئاسة في سوريا، العديد من التساؤلات عمَّا إذا كانت هناك أهداف تتخطى هدف إسرائيل المعلن "حماية الأقلية الدرزية"، أم أن الاهداف أبعد من ذلك، وتأتي ضمن سياق أهداف إسرائيل الكبرى ومشروعها السياسي في منطقة الشرق الاوسط، الذي بدأته في غزة، مرورًا بلبنان وإيران حتى سوريا، وهو بالتأكيد لم ينتهِ عند هذا الحد..
أن ما حصل في سوريا مؤخرًا، قبل وبعد سقوط نظام بشار الأسد، قد أبرز بشكل كبير الدور التركي في المنطقة، وأعطى مؤشرات كبيرة على دور أنقرة المتوقع، ودلالات إعادة تشكيل خارطة النفوذ في الشرق الاوسط الجديد..
يبدو بأن مفاتيح نجاح المحادثات بيد الطرف الامريكي أكثر مما لدى الجانب الإيراني، فاذا سعى ترامب لتفكيك البرنامج النووي الإيراني على غرار ليبيا، وإغلاق برنامج الصواريخ الإيراني، وتقليص علاقات طهران مع شركائها الإقليميين، "فمن المرجح أن تكون الدبلوماسية ميتة عند وصولها..
إن الولايات المتحدة لديها الآن فرصة لإبقاء إيران وحلفائها خارج التوازن. ولأن الحل الحقيقي الوحيد لمشكلة الجمهورية الإسلامية هو زوالها، فإن الولايات المتحدة وحلفائها لابد وأن يشنوا حملة ضغط نيابة عن الشعب الإيراني ـ الذي يتمنى نهاية النظام بحماسة أكبر من أي أجنبي. ولابد وأن تشمل هذه الجهود فضح القمع الذي يمارسه النظام وانتهاكاته لحقوق الإنسان، وشن حرب سياسية على النظام..
مما تقدم يبدو ان القاهرة وعمان ستتعرضان لضغط امريكي هائل ومستمر لإجبارهما على تنفيذ مبادرة ترامب بشأن غزة، لاسيما وان رفضهما للمبادرة رد عليه آدم بولر مبعوث ترامب لشؤون الاسرى بالقول: " على مصر والأردن تقديم بديل بعد رفضهما استقبال الفلسطينيين"..
تأتي زيارة نتنياهو إلى واشنطن في وقت غاية في الاهمية – بالنسبة لحكومته – ليس فقط على الصعيد الخارجي الإسرائيلي والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط، بل أنه يسعى إلى الاستفادة القصوى من الدعم الذي قد يحصل عليه من الحزب الجمهوري والرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب..
من المتوقع ان هدنة غزة لن تستمر، وان الأوقات الصعبة لحماس والشعب الفلسطيني لم تنته، واذا لم يكن لواشنطن دورا مؤثرا في لجم جماح نتنياهو وأركان حربه، فان شهوتهم للقتال، ورغبتهم في التخلص من مشاكلهم الخارجية والداخلية بواسطتها ستكون لهما الغلبة في النهاية..