ان أهمية الحوار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن في هذه الظروف، وما قد يسفر عنه من نتائج ربما تنعكس على مصالح العراق لوقت طويل في المستقبل، يدفع جميع المؤسسات البحثية ومراكز صنع القرار في العالم، ومنها مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، الى الاهتمام به؛ لتحليله بكل أبعاده ووضع التوصيات المناسبة امام متخذ القرار، لاسيما العراقي للاستفادة منها في رسم مسار المحادثات بين الجانبين..
المائة عام الأخيرة من عمر الشرق الأوسط تحكي قصة فشل كبيرة لجميع بلدان المنطقة في التطور الديمقراطي، محكومة بأسوء اشكال الحكم، من حيث تقييد الحريات، والاستئثار بالسلطة، واحتكار الثروة والنفوذ، فيما بقيت شعوبها مجرد رعايا لنظام الحكم لا مواطنين تربطهم رابطة المواطنة الواحدة المتساوية..
العراق والمنطقة مقبلة على احداث مهمة، وتحولات سريعة وخطيرة، ومن لم يعد العدة لها لن يُرحم، ففي حلبات المصارعة، كما في رقعة الشطرنج لن يتحقق النصر بالتهور، وسرعة الاندفاع، بل بفهم قواعد اللعب، وتوظيفها بذكاء ضد نقاط ضعف الخصم لإلحاق الهزيمة به في الوقت المناسب..
شكلت الاحداث الاخيرة في العراق على صعيد المتغيرات جميعها، ولاسيما متغير الدور الايراني، وتنامي الاعمال الارهابية، والاوضاع الاقتصادية والسياسية خطرا وجوديا على الدور الاميركي في العراق. وقد دفعت تلك المتغيرات الى اظهار الحرص الاميركي على التعاون مع العراق في مجالات الامن والاقتصاد والدعم الدولي..
انتشار انتاج النفط في العالم على مدى واسع من التكاليف هو علة الريع النفطي لدول الشرق الأوسط، كما تبين، لأن السعر التعادلي في نهاية المطاف هو الكلفة الكلية للبرميل في البئر الحدي. وتضييق دائرة الإنتاج نحو النفوط واطئة التكاليف يعني خفض الريع الذي يقوم عليه اقتصاد هذه الدول..
ومع دخول عام 2020 يبدو ان العراق سيستمر بمفاجئة الجميع بمجرياته احداثه، لذا تبرز تساؤلات ملحة عديدة حول ما يحمله العام الجديد له من توقعات، لاسيما ان محيطه الإقليمي يغلي على صفيح ساخن، مدعوما بتقاطع مصالح وسياسات واضح بين القوى الكبرى الرئيسة المؤثرة في الشرق الأوسط..
ما لم تعيد طهران حساباتها في سياساتها المحلية والدولية، وتلتفت بعناية أكبر الى ميدان حربها الحقيقي، لاستعادة ثقة الناس بها، وانجذابهم الى انموذجها، فان الثورة الخفية لن تلبث طويلا حتى تتحول الى ثورة علنية حقيقية تطيح بكل ما يمثله النظام هناك وفي الشرق الأوسط..
خرجت واشنطن وطهران منتصرتين من التصعيد الأخير بينهما؛ لكونهما ادارى اللعبة بمنطق الدولة، ووحدة القرار السياسي والعسكري، وخرج العراق مهزوما مأزوما وأكثر انقساما؛ لكونه أدارها بمنطق السلطة والانقسام والفوضى، وستبقى بغداد تحصد الهزائم والمآسي طالما ان مشروع الدولة خارج سياق تفكير نخبها السياسية والعسكرية والدينية والمدنية..
لقد برز التأثير السيء الناتج عن كل ما تقدم من خلال النقمة الشعبية المستمرة، التي اظهرتها معظم الاطياف الاجتماعية العراقية – بين فينة وأخرى-وتجسدت، أخيرا، في شكل انتفاضة شعبية، واسعة وناقمة، في مناطق الوسط والجنوب، منذ الأول من تشرين الأول-أكتوبر 2019 والى الوقت الحاضر، قادت الى اسقاط حكومة السيد عادل عبد المهدي، وتهدد بتغيير موازين القوى بشكل قد يغير كامل المعادلة لما سمي بالعملية السياسية التي جاءت عقب الاحتلال الأمريكي..
العامل المشترك بين ايران وتركيا هو استخدام الجماعات المعارضة والمتمردة والصراعات الداخلية بدول المنطقة من أجل إحكام سيطرتهما على مقاليد الحكم بتلك الدول، وايضا ضمان استمرار حالة الصراع بالمنطقة بما يضمن هيمنتهما على مقاليد الأمور..
الحشد الشعبي هو قوة ردع عراقية حاسمة وفاعلة لا يمكن التفريط بها أو إهمالها، ولكن إذا لم تلتفت قياداته إلى المخاطر الإستراتيجية المحدقة بها، وتتعامل معها بحكمة وذكاء لمنع توريط نفسها في مواقف فردية غير محسوبة العواقب، فلا يوجد ما يمنع تحوله إلى قنبلة موقوتة سيقود انفجارها إلى زعزعة وحدة واستقرار العراق لوقت طويل..
أن تطبيق حظر استيراد النفط الإيراني يدفع إيران الى غلق مضيق هرمز، لمنع كل من (العراق، الكويت، الامارات، قطر، البحرين، عمان، السعودية) من تصدير نفطها ايضاً، وبذلك ستوفر هذه الخطوة ضغط اضافي على الاقتصاد العالمي سيؤدي الى محاولة ايجاد حلول سريعة للأزمة..
تسعى الولايات المتحدة لفرض المزيد من العقوبات بهدف دفع ايران على التنازل والرضوخ لشروط جديدة حتى تتمكن من عقد اتفاق جديد بشروط قاسية ، وهي تدرك جيداً صعوبة اقناع المفاوض الايراني بالطرق الاعتيادية فالضغط قد يجبرها اخيراً على التفاوض المشروط ،وحتى مع فشل الوساطة اليابانية الا ان خيار الحرب قد جرى استبعاده من طرفي الازمة ويبقى الامر متروك للظروف الدولية والرغبة المتبادلة والنية الحقيقية لانهاء الازمة ودور الوسطاء في دفع الطرفين للذهاب نحو طاولة التفاوض..
على القوى المحلية ان تساند الجهد الوطني الرامي لتعزيز استقرار العراق واعادته الى دوره الريادي عربيا واقليميا ودوليا والدفاع عن مصالح العراق لا مصالح هذه الدولة او تلك تحت شعارات طائفية ايديولوجية اقصائية واهية..