إنَّ 30 أيلول الجاري، لم يعد موعدًا عاديًا في العراق، وهو لا يرتبط بانتهاء مهمة التحالف الدولي والوجود العسكري الأمريكي فقط، بل هو موعدًا مفصليًا لقرار الدولة والحكومة، وترتبط فيه الكثير من الأسئلة التي تتعلق بمستقبل الحكومة والدولة والمجتمع بشكلٍ عام، فضلًا عن ذلك، فهو موعدًا يتقاطع مع سؤال عراقي قديم ومعقَّد، سؤال رافق تأسيس النظام السياسي الحالي والتجربة الديمقراطية القائمة، وشكل وطبيعة الدولة بشكلٍ عام بعد عام 2003، وكثيرًا ما ادخل الدولة والقوى السياسية في حرج أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، إلا وهو: من يملك قرار السلاح، ومن يملك قرار الحرب والسلم، وهل تستطيع الدولة أن تجعل من احتكارها للقوة قاعدة سياسية وأمنية فعلية لا مجرد نص دستوري أو شعار يتكرر في البيانات والتصريحات الحكومية؟
بحسب المؤشرات والمعطيات الراهنة والحالية، إنَّ القوات الأمريكية وقوات التحالف، تمضي نحو استكمال انسحابها من العراق في نهاية أيلول الجاري؛ وذلك في إطار الاتفاق الذي أُبرم بين بغداد وواشنطن في ظل حكومة الزيدي، وما بُني عليه من اتفاقات وتفاهمات تتعلق بقدرة الدولة والحكومة العراقية على حصر السلاح بيد الدولة ونزعه من الجماعات المسلحة، في وقت ما زال فيه هذا الملف – ملف السلاح خارج سيطرة الدولة – موضع حوار بين الحكومة العراقية برئاسة السيد الزيدي، وعدد من الفصائل المسلحة، ولاسيّما الجماعات التي لها ارتباطات أيديولوجية وعسكرية مع دول إقليمية. بموازاة ذلك، فأن الحكومة العراقية، ما زالت تؤكد على حصر ونزع السلاح بموعده المحدد، وأن المفاوضات مستمرة، لكن من دون الإعلان عن الآلية النهائية المتفق عليها حتى الآن، في الوقت الذي ما يزال العراق يدفع فيه تكاليف الصراع الإقليمي بين طهران وواشنطن على الصعيدين الداخلي والخارجي، سواء على المستوى السياسي، أو على المستوى الاقتصادي، الذي انعكس على رواتب الموظفين وحياة المواطن العراقي بشكلٍ عام، فضلًا عن التداعيات الأمنية والانقسامات المجتمعية، التي انعكست سلبًا على الهوية الوطنية العراقية.
إنَّ وجود القوات الأمريكية، أو قوات التحالف الدولي ضد داعش، أصبح – بالنسبة إلى بعض الفصائل – جزءًا من مبررات استمرار السلاح خارج الإطار التقليدي للدولة، وقد ربطت وجود السلاح بوجود تلك القوات وخروجها من العراق، وقد ذهبت أكثر من ذلك، عندما ربطت وجود سلاحها بحل قوات البيشمركة الكردية وحزب العمال الكردستاني... وغيرها من الشروط التي وضعتها في بياناتها المتكررة. ولا نعرف ما الذي توصلت له الحكومة بخصوص هذا الأمر، ولاسيّما أن هناك الكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى توضيح، ماذا لو انتهى الوجود العسكري للتحالف الدولي في الموعد المقرر 30 أيلول؟ هل ستتغير المعادلة؟ وما المبرر لاستمرار تعدد مراكز القوة المسلحة؟ ومن يقرر متى يستخدم السلاح؟ ومن يحدد العدو؟ ومن يقرر الدخول في مواجهة أو عدم الدخول فيها؟ هذه ليست أسئلة موجهة إلى طرف بعينه، وإنما هي أسئلة تتعلق بجوهر النظام والعملية السياسية، ووجود الدولة الحديثة ومستقبلها؟
بموازاة ذلك، لا يمكن اختزال الفصائل المسلحة في بعدها العسكري فقط، فبعضها يرتبط ببنية سياسية واجتماعية موجودة داخل النظام السياسي نفسه، وبعضها يرتبط بالحشد الشعبي، الذي أصبح جزءًا من المنظومة الأمنية الرسمية؛ لهذا فإن معالجة ملف سلاح المليشيات والفصائل، ليست عملية أمنية بسيطة، يمكن إنجازها بأمر إداري فقط، بل هي عملية سياسية تتطلب إعادة تعريف العلاقة بين (القوة المسلحة، والدولة، والقوى السياسية) فضلًا عن الإرادة الخارجية، التي تعد اللاعب الأبرز والفاعل الرئيس في إدارة هذا الملف. وهنا تظهر صعوبة مهمَّة الحكومة العراقية. فالحكومة مطالبة من جهة بتأكيد مبدأ احتكار الدولة للسلاح، لكنها من جهة أخرى مطالبة بالحفاظ على الاستقرار ومنع تحوَّل الخلاف إلى صدام داخلي. ولهذا يبدو الحوار، في المرحلة الراهنة، هو المسار الذي تحاول بغداد من خلاله الوصول إلى صيغة انتقالية. وقد ظهرت بالفعل مقترحات تتحدث عن وضع قرار استخدام السلاح تحت سلطة الدولة، أو تنظيم الترسانات وتجميدها، فيما لا تزال بعض الفصائل ترفض فكرة التسليم الكامل. وهنا قد يكون موعد الثلاثون من أيلول، نهاية مرحلة، لكنه ليس بالضرورة نهاية ملف السلاح. فمن الممكن الحديث عن حصر السلاح بشكل جدي، قد يبدأ بعد هذا التاريخ، ولاسيّما أن الحديث الرسمي الأخير، يشير إلى أن ملف حصر السلاح قد يتحرك بصورة أسرع بعد انتهاء مهمة التحالف، باعتبار أن أحد أهم المبررات التي تستخدمها الفصائل للإبقاء على سلاحها سيكون قد انتهى. لكن الحكومة لم تعلن حتى الآن عن آلية نهائية تجعل هذا الانتقال محسومًا، وما هو مصير النقاط أو الشروط التي وضعتها بعض الفصائل في عملية نزع السلاح، ولاسيّما وأن خروج قوات التحالف الدولي، لا يعني خروج الولايات المتحدة من العراق، وأن العلاقة الأمريكية – العراقية، ستنتقل من التحالف إلى علاقة أمنية ثنائية، أي بمعنى أن واشنطن وبغداد قد تدخلان مرحلة مختلفة، تقوم على التعاون بدل الانتشار العسكري للتحالف. وهذا قد يقودنا إلى السؤال الأهم، ماذا يريد العراق من هذه المرحلة؟
بالتأكيد العراق بحاجة إلى علاقة متوازنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك يحتاج إلى علاقة متوازنة مع إيران، لكنه قبل ذلك، يحتاج إلى قرار وطني بعيدًا عن واشنطن وطهران، قرار يمثل مصالحه العليا وإرادته الوطنية، إذ لا يمكن بناء دولة مستقرة، في حال بقى العراق ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، ولا يمكن أيضًا بناء سياسة خارجية مستقلة من دون مؤسسات قادرة على احتكار القرار الأمني والعسكري؛ لذلك فإن الاختبار الحقيقي لما بعد 30 أيلول لن يكون في عدد الجنود الأمريكيين الذين غادروا العراق، ولا في عدد الأسلحة التي جرى تسليمها، وإنما في سؤال أعمق وأكثر أهمية: هل يستطيع النظام السياسي العراقي أن ينتقل من إدارة التوازنات بين القوى إلى إدارة الدولة؟
إذا حدث ذلك تدريجيًا، فقد تتحول مرحلة الانسحاب الأمريكي إلى فرصة لإعادة بناء مفهوم السيادة على أساس المؤسسات، لا على أساس الشعارات، أما إذا بقيت العلاقة بين الحكومة والفصائل قائمة على التأجيل والتفاوض المفتوح من دون آلية واضحة، فقد يتحول موعد 30 أيلول من نقطة حسم إلى مجرد محطة جديدة في مسار طويل من إدارة الأزمة. فالعراق اليوم أمام لحظة تاريخية ومفصلية من أجل استكمال بناء الدولة وفرض السيادة، واختزال القرار السياسي والعسكري. وهذه هي القضية الحقيقية التي ينبغي أن يبدأ العراق بمناقشتها بعد 30 أيلول، ليس من انتصر ومن خسر، ولا من اقترب من واشنطن أو طهران، وإنما كيف يصبح القرار العراقي قرارًا للدولة، وكيف تصبح الدولة قادرة على استيعاب اختلاف القوى من دون أن تتحول الاختلافات السياسية إلى مراكز قوة عسكرية متوازية، وهي بالأخير ليست معركة بين الحكومة والفصائل بقدر ما هي اختبار لفكرة الدولة نفسها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!