حذف الاصفار من العملة العراقية في عصر الفوضى الاقتصادية: هل تُمثل حلاً

حذف الاصفار من العملة العراقية في عصر الفوضى الاقتصادية: هل تُمثل حلاً

سياسة حذف الاصفار Redenomination  هي عملية إدارية وتنظيمية تقوم بها البنوك المركزية لإعادة هيكلة العملة الوطنية عن طريق تقليل أو حذف عدد من الاصفار من عملتها، بحيث تستبدل وحدات العملة الوطنية القديمة بوحدات جديدة بقيمة اسمية أقل مع الحفاظ التام على القيمة الشرائية للسلع. 

وعادةً ما تلجأ البنوك المركزية الى هذه الإجراءات التنظيمية لمعالجة حالة عدم الاستقرار النقدي ومواجهة موجات التضخم العالية والتراجع الحاد في القوة الشرائية للعملة. وقد لجأت العديد من دول العالم الى اتباع هذا الاجراء نتيجة للضغوط التضخمية الكبيرة التي كانت تعاني منها، مثل المانيا والبرازيل وتركيا وفنزويلا والارجنتين وكوريا الشمالية ورومانيا وغانا وإيران وغيرها ونجحت في مسعاها لتحقيق الاستقرار النقدي (1).

وفي سياق الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العراق ونتيجة التوترات الجيوسياسية والحرب وتبعات الحرب الصهيو-أمريكية مع إيران واغلاق مضيق هرمز والتوقف الشبه للتام للصادرات النفطية وتراجع الإيرادات المالية للبلد عاد من جديد الحديث عن عملية حذف الاصفار من العملة العراقية.

واتصالا بما سبق، طرح العديد من المختصين ضرورة حذف ثلاث اصفار من العملة المحلية، وهناك من دعى الى حذف صفرين.... الخ، وقد تناثرت الكثير من الأفكار والرؤى وبشكل غير علمي حول هذا الموضوع، بل ذهب البعض الى اقتراح العملة الرقمية، وذهب البعض الآخر الى إنها تؤدي الى معالجة التضخم، وذهب آخرون الى إنها تمثل حلاً لظاهرة الاكتناز وتعيد النقد الموجود لدى الافراد الى الدورة المصرفية.   

وتجدر الإشارة الى فكرة عملية حذف الاصفار طرحها البنك المركزي العراقي لأول مرة في عام 2007، وذلك كجزء من خطة لإصلاح النظام النقدي وإدارة التضخم الجامح الذي ورثه العراق من الحقبة الدكتاتورية السابقة، وقد أعلن البنك المركزي عن إعداد دراسة شاملة لإعادة هيكلة العملة الوطنية وحذف 3 أصفار لتسهيل المعاملات التجارية وتقليل حجم الكتلة النقدية، وكان من المقرر تنفيذها تدريجياً، إلا إن الظروف الأمنية والتحديات الاقتصادية الصعبة التي واجهها العراق أدت الى ارجاء الفكرة مرات عدة للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي. 

ومن الناحية الاقتصادية، وكما تُشير اليه الادبيات الاقتصادية فإن عملية حذف الاصفار لا تعني بأي شكل من الاشكال رفع القيمة الحقيقية للعملة، فإذا حذفت ثلاثة اصفار من عملة معينة مثلاً فإن 1000 دينار تصبح الوحدة النقدية الجديدة دينار واحد فقط، فالموظف الذي يتقاضى مليون دينار سيستلم 100 ألف دينار بالعملة الجديدة، والسعلة التي كان سعرها 10000 دينار يصبح سعرها 10 دنانير، كما إنها لا تؤدي الى زيادة السيولة المتاحة داخل المصارف لأن الأموال المكتنزة يمكن أن تتحول ببساطة الى أوراق نقدية جديدة إذا لم ترافق ذلك إجراءات تنظيمية وبالشكل الذي يؤدي بهذه النقود في الدخول الى المصارف.

أما بالنسبة للحجة القائلة إن حذف الاصفار من شأنه أن يكشف الأموال غير المشروعة، فإذا ما تم الاعلان عن عملة جديدة ومدة استبدال معينة فإن حائزي الكميات الكبيرة من النقد سيكونون أمام ضرورة إدخالها الى النظام المصرفي أو استبدالها وفق إجراءات رسمية، وهنا يجب القول إن حذف الاصفار لا يكشف الأموال غير المشروعة تلقائياً ولا يجعل الأموال المنهوبة عديمة القيمة بمجرد اصدار عملة جديدة، ولكن الامر يعتمد على آليات الاستبدال، الرقابة المصرفية، قواعد معرفة العميل، مكافحة غسيل الأموال وإمكانية التحقق من مصادر الأموال.

وفيما يتعلق بموضوع التضخم، فقد أُشيع وبشكل غير علمي وغير صحيح إن حذف الاصفار يقلل معدل التضخم، في حين إن حذف الاصفار (تكبير قيمة الوحدة الأساسية) هو الاصح ضمن برنامج هدفه السيطرة على التضخم للحفاظ على القوة الشرائية للنقود، وقد درجت الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية الى تسمية هذا البرنامج ضمن نطاقه العريض باصطلاح العملة، ولا يأتي خفض التضخم ضمن هذا البرنامج من حذف الاصفار بالذات، لأن الأسعار لا تتغير بل تُقرأ بوحدات نقدية جديدة(2).

من جانب آخر، في الحالة العراقية لا ينبغي افتراض وجود علاقة مباشرة بين حذف الاصفار والعملة الرقمية فالأخيرة تعني تغيير البنية التكنولوجية وطريقة تداول النقود وليس تغيير قيمتها الاسمية. 

إن حذف الاصفار في جوهره لا تجعل الدينار العراقي أكثر قيمة بل مجرد تغيير للرقم، فهي عملية تنظيمية للوحدة النقدية وهو ليس علاجاً سحرياً لانخفاض القوة الشرائية أو لمعالجة الأوضاع الاقتصادية الحالية للاقتصاد العراقي، فالأصفار ليست سبباً في انخفاض القوة الشرائية، بل هي نتيجة للواقع الاقتصادي وهيكل الاقتصاد العراقي.

بالمقابل، يمكن أن يؤدي حذف الاصفار من العملة العراقية الى تبسيط الحسابات العامة وتقريب القيم النقدية من الوحدات المستخدمة، وتسهيل عمليات التبادل التجاري.

والسؤال الذي يواجهنا؟ هل هذا هو الوقت المناسب لقيام بعملية حذف الاصفار من العملة العراقية في ظل الظروف التي يعيشها الاقتصاد العراقي؟

كما هو معلوم، العالم يعيش على وقع مجموعة من التحديات لعل أبرزها واهمها التوترات الجيوسياسية والحرب الصهيو- أمريكية والتي أدت الى اغلاق مضيق هرمز (الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة حول العالم بشكل عام والعراق بشكل خاص) والتي افضت الى توقف وانقطاع شبه تام لصادرات النفط العراقية الذي يمثل المصدر الوحيد للإيرادات الحكومية العراقية.

وينبغي الإشارة هنا الى أن المقصود بالفوضى الاقتصادية في عنوان المقال لا تعني انهيار الاقتصاد العراقي إطلاقاً، فالاقتصاد العراقي يمتلك موارد نفطية كبيرة وإمكانات مالية قادرة على النهوض بالاقتصاد، وانما تُشير الى مجموعة من الاختلالات المتداخلة منها ارتفاع حجم التعاملات النقدية وضعف الثقة بالجهاز المصرفي، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية مما يجعل الاقتصاد العراقي مرتبطاً بتقلبات سوق النفط، وتشوه هيكل المالية العامة وضعف تنويع مصادر الدخل، والاهم من ذلك الدور الكبير للشائعات في التأثير على سلوك الافراد.

وهذه الاختلالات المذكورة آنفاً من شأنها ان تعرقل عميلة تحقيق الأهداف المنشودة من عملية حذف الاصفار، فالبلد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد بينما الوساطة المصرفية بحاجة الى مزيد من التطوير والثقة، كما تلعب الشائعات دوراً خطراً تؤثر في القرار الاقتصادي والتفسيرات المتضاربة التي تؤثر الأوضاع العامة، فبمجرد انتشار الاخبار عن تغيير العملة قد يدفع البعض الى تحويل مدخراتهم الى الدولار وقد يدفع آخرين الى الإسراع في شراء العقارات أو الذهب أو غيرها من الأصول، لذلك فإن إدارة التوقعات والثقة ستكون حاضرة في هذه العملية. 

وعليه، إن المشكلة الاعمق في العراق ليست بحجم الأرقام التي تظهر على الأوراق النقدية، وانما بطبيعة ووضع الاقتصاد العراقي القائم على مورد واحد فقط، وأيضاً بطبيعة العلاقة بين المواطن والنظام المصرفي والدينار في بيئة يسودها القلق وعدم الاستقرار، وإذا ما جرى التعامل معها بوصفها علاجاً مستقلاً لمشكلات الاقتصاد العراقي فستكون النتيجة بأفضل الأحوال تغييراً في شكل الأرقام دون تغيير في جوهر الاقتصاد.

ختاماً: ان نجاح هذه العملية لا يعتمد على صحة الفكرة وحدها بل على الظروف التي تنفذ بها، فالعراق لا يحتاج الى الخوف من حذف الاصفار ولكنه يحتاج الى الحذر من تحويل عملية حذف الاصفار الى وهم اقتصادي، فاذا كان الهدف قوة الدينار بحذف الاصفار أو خفض الأسعار فذلك سيكون فهماً خاطئ لطبيعة العملية، أما إذا كان الهدف هو تبسيط الحسابات وتحديث النظام النقدي وتقليل كلفة التعامل بالأرقام الكبيرة وتنظيم عملية استبدال النقد وتعزيز دور المصارف فإن المشروع يمكن أن يكون خطوة مفيدة ضمن اصلاح أوسع. 

ويبقى السؤال الأهم؟ هل نقوم بعملية تنظيم البيئة الاقتصادية العراقية التي تعمل فيها هذه العملة أم تنظيم شكل العملة التي تعمل في هذه البيئة المضطربة؟


مصادر تم الاعتماد عليها

1- حيدر نعمة بخيت، استبدال العملة عبر حذف الاصفار: هل يمكن الوصول الى الأموال المكتنزة في الوقت الراهن، مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، 2026، ص10-11.

2- احمد ابريهي العلي، إعادة توصيف العملة في النظرية والممارسة، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 2026، ص27.


أ.م.د سلطان جاسم النصراوي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!