العلوم السياسية في العالم العربي بين موضوعية التحليل وحدود الواقع: العراق نموذجًا

العلوم السياسية في العالم العربي بين موضوعية التحليل وحدود الواقع: العراق نموذجًا

منذ أن يبدأ طالب العلوم السياسية دراسته الجامعية، يتعَّلم مجموعة من القواعد والضوابط، التي تبدو في ظاهرها واضحة وبسيطة، وتعد من ابجديات الدراسة بهذا التخصص، إذ يتعَّلم أن يقرأ الظاهرة السياسية بشكلٍ مستقل، وبعيدًا عن الانفعال والعواطف والانتماءات الفرعية، وكذلك يتعَّلم بأن يميز بين الرأي والحقيقة، ويسعى دائمًا إلى أن يكون موضوعيًا في تحليله للظواهر السياسية، التي تصيب المجتمعات والدول، وألا يسمح لقناعاته أو لانتماءاته الشخصية، بأن تتحول إلى أحكام مسبقة على الأشخاص والأحداث والظواهر السياسية. إلا أن السؤال الذي لا يحضر كثيرًا في قاعات الدرس، وربما يحضر بعض الاحيان، ولاسيّما في العراق: هل يستطيع عالم السياسة، في مجتمعاتنا العربية، أن يكون موضوعيًا بالقدر الذي تعلمه في دراسته الجامعية؟

قد يبدو السؤال بسيطًا وربما مستفزًا، لكنه في حقيقة الأمر، سؤال يتعلق بجوهر ممارسة اختصاص العلوم السياسية في عالمنا العربي، ولاسيّما في العراق؛ فالباحث السياسي أو المتخصص في هذا الحقل المعرفي المهم في بناء الدول والمجتمعات، لا يعيش داخل مختبر أو بيئة معزولة عن المجتمع، وإنما يعيش في بيئة متعددة الانتماءات والاختلافات، بيئة لها دينها ومذهبها وثقافتها وتاريخها وذاكرتها الجمعية، فضلًا عن قناعاته وانتماءاته وتجربته الشخصية. ومن هنا قد تبدأ الإشكالية.

طالب العلوم السياسية، يتعَّلم بأن الظاهرة السياسية، ينبغي أن تُدرس كما هي، وأن تضع لها الحلول كما تتطلب، مهما كان تعقيدها وصعوبتها، لا كما نريدها أن تكون، أو كما يريدها المجتمع، فعلى سبيل المثال، ماذا يحدث عندما تكون الظاهرة التي ندرسها مرتبطة مباشرةً بعقيدة دينية أو هوية مذهبية أو قضية تعد »عرفًا« من ثوابت المجتمع؟ هل يستطيع الباحث أن يقول ما يراه علميًا، دون أن يُتهم بأنه يسيء إلى الدين أو المذهب أو الجماعة أو الوطن؟ وهل يستطيع المتلقي»المجتمع« أن يقرأ التحليل بوصفه تحليلًا علميًا، من دون أن يبحث أولًا عن هوية الباحث وموقفه الشخصي، أو أن يذهب إلى تكفيره أو اتهامه بالزندقة والهرطقة... وغيرها من التهم الجاهزة والسائدة في المجتمعات العربية بشكلٍ عام، والعراق بشكلٍ خاص. 

في هذه الحالة، ربما لا تكمن المشكلة في الدين أو المذهب بحد ذاتهما، فهما جزء من البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمعات بشكلٍ عام، ومن الطبيعي أن يكون لهما حضور في دراسة الظواهر السياسية. إلا أن المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة الدينية أو المذهبية من إطار شخصي للهوية إلى معيار للحكم على صحة التحليل العلمي.

في العراق، تبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا وتعقيدًا، وهي إشكالية مركبة، فالكثير من الموضوعات التي يتعامل معها الباحث في العلوم السياسية، ليست موضوعات محايدة بالنسبة إلى المجتمع، ولاسيّما أن تخصص العلوم السياسية بمختلف فروعها، تبحث في فلسفة الدولة والمجتمع بشكلٍ عام، وهذه الفلسفة بطبيعتها، تمس المجتمع وانتماءاته وديانته واعتقاداته... فالحديث عن الطائفية السياسية – على سبيل المثال – أو العلاقة بين الدين والدولة، أو الحديث عن شكل الدولة والسلطة، أو انتقاد طريقة إدارة الحكم، أو نقد الإسلام السياسي وطريقة إدارته للدولة، أو التطرَّق إلى دور المرجعية الدينية ومكانتها وحدود تدَّخلها، أو طبيعة الدور والنفوذ الإقليمي في تشكيل الحكومات وعلاقته بالأحزاب والقوى السياسية، أو الحديث عن علاقة العراق بإيران والولايات المتحدة وانتقادهما، أو حتى الحديث عن الفساد السياسي والمالي، فضلًا عن التطرق لمفهوم الدولة والمواطنة والهوية الوطنية، يمكن أن ينقل الباحث بسرعة من موقع المحلل إلى موقع «المتهم» بموقف سياسي أو مذهبي معين، وربما يُقتل أو يُسجن أو يُطارد، ولاسيّما في ظل تعدد إدارة القوى في العراق، وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة، وضعف سلطة أنفاذ القانون. 

وهنا قد يواجه المتخصص في العلوم السياسية مفارقة صعبة: فإذا التزم الصمت حفاظًا على حساسيات المجتمع، فقد خسر جزءًا من وظيفته العلمية، وإذا تحدث بحرية كاملة، وفق ما يقتضيه التحليل العلمي، فقد يُصطدم بتابوهات المجتمع. بموازاة ذلك، هل هناك طريقة لإدارة هذه الإشكالية؟ وهل الحل يكمن بأن نتخلى عن الموضوعية في دراسة الظواهر السياسية؟

بالتأكيد لا، فالموضوعية قيمة عليا بالنسبة لكل التخصصات والدراسات، ولاسيّما تخصص العلوم السياسية، فالبديل عن الموضوعية، ربما لا يكمن في الحياد المطلق فقط؛ لكون الإنسان، لا يستطيع أن يتجرد بصورة كاملة من تاريخه وقيمه وتجربته ودينه، ويصبح إنسانًا مجرد بشكل كامل، لكن من الممكن أن يوازن الأمور، وأن يمتلك الباحث في العلوم السياسية والاجتماعية وغيرها من العلوم ذات العلاقة، وعيًا بتحيزاته، وأن يعرف متى يتحدث بصفته صاحب قناعة، ومتى يتحدث بصفته باحثًا.

وهنا يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات، كثيرًا ما تختلط في مجتمعاتنا (ما نؤمن به، وما نؤيده سياسيًا، وما نستطيع إثباته علميًا). قد يكون للباحث موقف ديني أو مذهبي، أو عنصري أو قومي أو موقف سياسي واضح، وهذا أمر لا يلغي صفته العلمية، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يصبح موقفه الشخصي هو الذي يحدد مسبقًا نتائج بحثه، أو عندما يرفض تحليلًا علميًا لمجرد أنه لا ينسجم مع قناعته. وبموازاة ذلك، فإن المجتمع نفسه مطالب بأن يتعَّلم التفريق بين نقد الظاهرة ونقد المقدس، وبين تحليل سلوك جماعة أو حزب أو مؤسسة وبين الإساءة إلى الدين أو المذهب. ليس كل تحليل نقدًا، وليس كل نقد إساءة، فضلًا عن ذلك، أن اختلاف الباحث مع ظاهرة سياسية، لا يعني بالضرورة اختلافه مع العقيدة التي ينتمي إليها أصحاب تلك الظاهرة.

ولعل واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه العلوم السياسية في العراق، هي أننا نريد من الباحث أن يكون موضوعيًا، لكننا في الوقت نفسه نضع أمامه مجموعة من الخطوط، التي لا ينبغي الاقتراب منها. نريده أن يفسَّر، لكننا لا نريد دائمًا أن نسمع تفسيره. نريده أن يحلل، لكننا قد نرفض التحليل إذا مسّ قناعة راسخة لدينا. نريده أن يطرح الأسئلة، لكننا أحيانًا نحدد له مسبقًا الأسئلة التي يجوز أن يطرحها. وهذه ليست مشكلة الباحث وحده، بل مشكلة البيئة التي تنتج المعرفة السياسية.

فالجامعة لا ينبغي أن تكون مكانًا لإعادة إنتاج ما هو موجود فقط، وإنما ينبغي أن تكون مساحة للسؤال والنقاش وإعادة التفكير. وإذا كان طالب العلوم السياسية يتعَّلم أن السياسة تقوم على المصالح والقوة والتوازنات والمؤسسات، فمن الطبيعي أن يسأل عن كيفية عمل هذه المفاهيم داخل مجتمعه، حتى لو كانت الإجابة غير مريحة، أو تختلف مع الثوابت التي نشأ وتربى عليها.

إنَّ الدفاع عن موضوعية العلوم السياسية، لا يعني إلغاء الدين أو المذهب أو الثقافة من المجال السياسي، بل يعني دراسة تأثيرها في السياسة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون. كما أن الموضوعية، لا تعني أن يصبح الباحث بلا هوية، وإنما تعني، ألا تتحول هويته إلى قيد يمنعه من رؤية الظاهرة من زوايا مختلفة.

وفي النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أننا أبناء مجتمعاتنا، وإنما في أننا أحيانًا نعجز عن الفصل بين كوننا أبناءً لهذه المجتمعات وبين كوننا باحثين يدرسونها. وهنا ربما يكون التحدي الحقيقي أمام أستاذ العلوم السياسية العراقي والعربي بشكلٍ عام، أن يحافظ على احترامه لقيم مجتمعه وقناعاته، وفي الوقت نفسه يحافظ على حقه في السؤال والتحليل والنقد؛ لأن العلم الذي يخشى من السؤال، يفقد جزءًا من معناه، والجامعة التي لا تسمح بالاختلاف، تتحول من فضاء لإنتاج المعرفة إلى فضاء لإعادة إنتاج المسلمَّات؛ لذلك فإن مستقبل العلوم السياسية في عالمنا العربي بشكلٍ عام والعراقي بشكلٍ خاص، لا يتوقف فقط على تطوير المناهج والنظريات وأدوات البحث، وإنما يتوقف أيضًا على قدرتنا على بناء ثقافة تتقبل أن يكون التحليل العلمي مختلفًا عن القناعة الشخصية، وأن يكون الاختلاف في تفسير الظاهرة السياسية حقًا من حقوق المعرفة، لا تهديدًا للهوية أو العقيدة أو المجتمع.

م. ميثاق مناحي العيسى

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!