مع ان المواقف الرسمية الحكومية اللاحقة وموقف وزارة الخارجية العراقية حول رفض تلك الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية والدول العربية، الا انها لا يمكن ان تساهم في ترميم الاوضاع مع الدول العربية المجاورة. فهذه الدول تُدرك جيدا ان العراق يفتقر لوحدة القرار السياسي والامني، كما انه يفتقر للبيئات الداخلية المتراصة والتي يمكن ان تساهم في لجم تلك الهجمات. وهذا احراج آخر للدولة العراقية ويجعلها ضمن تصنيف الدول الغير محايدة والمهددة للامن الاقليمي..
تكون القوى السياسية والاجتماعية والمؤسسات الدينية وسائر النخب مطالبة بالاصطفاف الكامل والصادق خلف هدف حصر السلاح بيد الحكومة، وانهاء ظاهرة السلاح المنفلت، فهذه الظاهرة غير الحضارية باتت تهدد نظام الحكم في العراق، وتحول المؤسسات الدستورية الى مؤسسات مغلوبة على أمرها، وخاضعة للتهديد والابتزاز المستمر، كما تعرقل التنمية الاقتصادية، وتهدد السلم الاجتماعي، وتدفع العراق دولة وشعبا الى البقاء في دائرة التخلف والتأخر التي عانى منها لوقت طويل..
أن القوى السياسية العراقية كعادتها ستحاول أن تستغل دعوة المرجعية الدينية مرة أخرى وتستقطبها لصالحها، وهو ما بانت ملامحه عبر التسابق بين القوى والاحزاب والشخصيات السياسية العراقية إلى تبني بيان المرجعية الدينية وجعلها خارطة طريق لإدارة الحكم والسلطة والدولة بشكل عام..
ان الامر يشكل تحديا لرئيس الحكومة محمد شياع السوداني فهو بين ارادة أطراف" الإطار" وبين حاجة ملحة للتعاون وتعزيز التواصل مع الولايات المتحدة التي تشير بعض الانباء الى تمسكها بتولي معتدلين لإدارة مهام الاجهزة الامنية الرئيسة. ويبدوا ان جهاز المخابرات ومن سيتولى مهامه على رأس البراهين التي تؤكد نجاحه وكسبه واشنطن، او فشله واغضاب واشنطن..
ينطوي مفهوم الامن على معاني عدة بحسب الخلفية التي ينطلق منها وطبيعة المسببات والاسباب التي ادت لتناول الموضوع، وبصوره عامة فأن الامن هو السعي الى التحرر من التهديدات، وتقليديا فقد عرف اتباع المدرسة الواقعية في الفكر السياسي الامن بوصفه " التحرر من أي تهديد عسكري من اجل بقاء وجود الدولة ضمن النظام الدولي الفوضوي " ..
في ظل هذه الهرمية التسلطية والدوغمائية لن تُسترد حقوق الشعب والشهداء مالم يحدث تغيير فعلي، وعلى السلطة الحالية ان تعيد النظر وبجدية في إحقاق العدالة واتخاذ إجراءات حازمة لفرض القانون ضد المجاميع الخارجة عنه التي تنتهك حقوق المجتمع والسيادة، وأخيراً لابد من تفكيك الروابط والقوالب التقليدية في خيالنا وأفكارنا وعلاقاتنا وتقديم الانتماء المركزي للوطن على الانتماء الفرعي لنحيا بكرامة وسلام..
إن واقع تصدع الدولة العراقية بعد عام 2003 ، وفشلها في عملية بناء ذاتها، وادراجها في مقدمة الدول الفاشلة، لصالح الجماعات اللادولتية المدعومة إقليميا ، فرض تحديا هائلا أمام التنمية في العراق ومسار بناء الدولة، و ضيق الخيارات أمام الناس، وما يزال يفرض تحديات كبيرة، تع قد من عملية البناء وتقف حجر عثرة في طرق التنمية البشرية بمختلف مجالاتها..
يبدو أن اتفاق سنجار قد حّرك أو سيحّرك هواجس القوى اللادولتية، التي لم تخشى اتفاق سنجار فحسب، بل أن يقود هذا الاتفاق إلى اتفاقات أخرى مشابهة له، أو أن يكون الخطوة الأولى للدولة في استعادة بعض المناطق التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، على الرغم من أنها قد تكون خطوة محفوفة بالمخاطر، إذا ما ارغمت تلك القوى على الخروج منها..
إن المخاوف العراقية من اجراء غلق السفارة الأمريكية في بغداد، مبنية على فرضية أو فكرة ما سيحصل بعد الاغلاق، وهي سيناريوهات وخيمة جداً، من الممكن أن تطيح بالعملية السياسية والنظام السياسي العراقي، الذي شكلته ودعمته واشنطن بعد عام 2003، ولاسيما أن اغلاق السفارة وانسحاب البعثات الدبلوماسية من بغداد، يعني سحب الشرعية الدولية من النظام السياسي العراقي..
تريد الادارة الاميركية من التهديد بسحب سفارتها من بغداد اختبار الحكومة العراقية - برئاسة الكاظمي التي حظيت بالدعم الاميركي المحدود في الفترة الماضية -والتأكد من قدراتها في التصدي للجماعات المسلحة التي تستهدف مصالحها، وذلك لحسم موقفها من الحكومة العراقية، اما التعامل معها كحليف استراتيجي لها، او التعامل معها على انها ضمن المحور الايراني..
أثار فك ارتباط الفصائل المسلحة التابعة للعتبات الدينية، عن هيئة الحشد الشعبي وارتباطها برئيس الوزراء -القائد العام للقوات المسلحة وفق الدستور العراقي – في نيسان الماضي حراكا متخفيا من قبل بعض القيادات المهمة في الحشد الشعبي مثل هادي العامري رئيس منظمة بدر ورئيس تحالف الفتح في مجلس النواب..
ربما نكون امام سيناريوهات خطيرة جداً، ولاسيما في حال اصرت القوى السياسية الشيعية على مفاهيمها الايديولوجية الضيقة ومواقفها المتشددة اتجاه الدولة بشكل عام، وستبقى علاقة الحكومة مع الحشد الشعبي، علاقة يشوبها الكثير من الغموض والاشكاليات المؤجلة..
حكومة السيد الكاظمي امام احتمالات مفتوحة، اهمها أحدها هو دفع أحزاب السلطة جماهيرها للخروج ضد الحكومة بذريعة الفشل في تجاوز الازمة الاقتصادية، وجائحة المستجد، ثم تحشيد نيابي للاستجابة لمطالب الشارع وسحب الثقة عن الحكومة..