أزمة الرواتب وعلاقة الدولة بالمواطن: قراءة فكرية – قانونية في ضوء نظريات العقد الاجتماعي لشرعية الدولة

أزمة الرواتب وعلاقة الدولة بالمواطن: قراءة فكرية – قانونية في ضوء نظريات العقد الاجتماعي لشرعية الدولة

لم تعد مشكلة الرواتب في العراق، مجرد أزمة مالية مرتبطة بتقلبات أسعار النفط، أو بالموازنة العامة للدولة، بل هي قضية سياسية وقانونية تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، ترتبط بالسياسة العامة للدولة والنظام السياسي وشرعيتهما. فالدولة والنظام، اللذان يعجزان عن ضمان انتظام صرف رواتب موظفيهما، لا يواجهان أزمة سيولة فحسب، وإنما يواجهان تحديات تتعلق بمدى قدرتهما على الوفاء بالتزاماتهما الأساسية، التي تُشكل مصدر شرعيتهما وثقة المجتمع بهما. فمنذ نشأة الدولة، وتبلورت نظرياتها السياسة – والقانونية، وصاغ مفكري العقد الاجتماعي تصوراتهم حول نشأتها، ارتبط وجود الدولة بقدرتها على حماية مصالح الأفراد، أو المجتمع؛ فوجود الدولة والنظام السياسي، مقرونتان بحفظ مصالح المجتمع. وإلا ما فائدتهما، إن لم يحفظان مصالح شعوبهما الداخلية والخارجية ويصونان كرامتهم؟ وما هي الغاية من تنظيم العقود الاجتماعية والقانونية بين الحاكم والمحكوم، إن لم تكن الدولة قادرة عن أداء وظائفها الأساسية؟ لذا سنحاول في هذا المقال، تقديم قراءة فكرية قانونية لأزمة الرواتب في العراق، وأزمة الدولة بشكلٍ عام، انطلاقًا من نظريات العقد الاجتماعي، وطبيعة انعكاسها على شرعية الدولة وعلاقتها بالمجتمع. 

بموجب العقد الاجتماعي الذي رسمه لنا »توماس هوبز« يتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم لصالح سلطة قوية توفر لهم الأمن والاستقرار. أما »جون لوك« فقد قَرن شرعية السلطة بحماية الحقوق الطبيعية والوضعية للمواطنين، بموجب شروط العقد الاجتماعي بين الطرفين، وفي مقدمتها حق الملكية وما يرتبط به من نتاج العمل والكسب المشروع. في حين اعتبر »جان جاك روسو« أن السلطة لا تستمد مشروعيتها إلا من الإرادة العامة وخدمة الصالح العام، وأن أي إخلال بهذا الالتزام يضعف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويصبح العقد فاقد للشرعية... وهذا قد يعيدنا إلى حالة الفوضى والطبيعة الاولى التي كان عليها المجتمع قبل نشأة العقد؛ لأن الاخير وجد لضرورة قصوى، وكان الغرض منه تجاوز حالة الفوضى وطبيعة الغاب التي تحكم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. 

وفي ضوء هذا السياق الذي رسمه لنا فلاسفة العقد الاجتماعي، فإن الراتب الذي يتقاضاه موظفي الدولة، لا يمثل منحة حكومية، أو مكرمة من السلطة التنفيذية، بل هو حق قانوني ودستوري، مقابل خدمة يؤديها الموظف للمجتمع عبر مؤسسات الدولة. ومن ثم فإن الالتزام بهذا الحق، ودفع الرواتب بشكل منتظم، يعد أحد المؤشرات العملية على احترام الدولة للعقد الاجتماعي الذي يربطها بمواطنيها، ولعله أهم شروط وجودها. وبموازاة هذا الوصف النظري للدولة، وطبيعة التزامها تجاه أفراده، هناك وصف عملي – قانوني بحكم القواعد القانونية والدستورية القائمة، التي تنظم العلاقة بين الطرفين. إذ يؤكد الدستور العراقي النافذ لسنة 2005، في أكثر من موضع: إنَّ الدولة تلتزم بتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان العيش الكريم للمواطن، وصيانة حقوقه الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل حماية الحقوق الوظيفية جزءًا من الالتزامات الدستورية، لا مجرد خيار إداري يخضع للظروف السياسية أو المالية. ومن هذا المنطلق، فإن أي اضطراب متكرر في صرف الرواتب، يثير تساؤلات تتعلق بكفاءة الإدارة العامة والحكم، أكثر مما يعكس مشكلة مالية عابرة.

فمنذ عام 2014 تقريبًا، أصبحت قضية الرواتب محور دائم للنقاش السياسي والإعلامي والحكومي. فمع كل أزمة مالية أو خلاف سياسي، يعود الحديث عن قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها، فتتزايد المخاوف وتتراجع الثقة بالمؤسسات العامة. وأن كل حكومة تأتي تؤكد على فرضية الحكومة التي سبقتها "بأنَّ الرواتب مؤَمنَّة بالكامل”، والمشكلة لا تكمن في النقاش بحد ذاته، بل أنَّ نجاح الحكومة صار مقرونًا بتأمين الرواتب، وأصبح الموظف يعيش حالة انتظار شهرية، وكأن حصوله على راتبه بات احتمالًا يخضع للتجاذبات السياسية أكثر من كونه حقًا ثابتًا. فمن منظور الاقتصاد السياسي، إنَّ الراتب الحكومي، لا يمثل دخلًا فرديًا فحسب، بل يُعد محركًا رئيسًا للنشاط الاقتصادي في العراق، إذ يعتمد جانب كبير من حركة الأسواق على الإنفاق الناجم عن دخول الموظفين. لذا، فإن أي مشكلة تضرب الدولة بهذا الجانب، سواء كان تأخير أو اضطراب في صرف الرواتب، ينعكس مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين، ويؤثر في الأسواق المحلية، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر، ويرفع معدلات الديون والاستهلاك المؤجل، لتتحول الأزمة المالية إلى أزمة مركبة، أزمة اجتماعية واقتصادية وأمنية واسعة، تزيد من حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها العراق كدولة ومجتمع منذ عام 2003، ويهدد حالة الثقة "المتصَّدعة" بين السلطة والمجتمع، ويؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات العامة؛ لأن الثقة بالأخير ليست شعارًا سياسيًا أو انتخابيًا، وإنما هي رصيد يتراكم لدى المجتمع من خلال قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها (المادية والمعنوية) بصورة منتظمة. وهذا ما أشار إليه المفكر وعالم الاجتماع الأمريكي »فرانسيس فوكوياما« في حديثه عن الثقة بأنها تمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار المجتمعات وفاعلية المؤسسات، وأن ضعفها ينعكس سلبًا على الأداء السياسي والاقتصادي معًا. فضلًا عن ذلك، فأن عالم الاجتماع »ماكس فيبر« ربط بين وجود الدولة الحديثة وشرعيتها، بوجود نظام وإدارة بيروقراطية، تتميَّز أو تتسم بالكفاءة والانضباط وسيادة القانون واحترام الحقوق... وعليه، فأن انتظام دفع الرواتب ليس مجرد إجراء مالي فقط، بل هو دليل على كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء وظائفها بعيدًا عن الارتجال والضغوط السياسية.

إنَّ جوهر المشكلة في العراق، لا تكمن في أزمة الرواتب أو بالسيولة المالية أو حتى بالجوانب المالية بشكلٍ عام، وربما هي ليس مشكلة تتعلق بالدولة والنظام السياسي، كما يعتقد البعض، بقدر ما هي مشكلة تتعلق بطبيعة إدارة الحكم في الدولة، ومخرجات النظام الحاكم الذي تتولى مسؤوليته القوى والأحزاب السياسية القائمة عليه. فمعظم دول العالم تعرضت لأزمات مالية بدرجات متفاوتة، إلا أنها لم تطال العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، أو لم تصل إلى حقوق المواطنين المالية والمعنوية، كما يحصل في العراق منذ قرابة العقدين. ففي العراق، هناك غياب للآليات المؤسسية التي تمنع انتقال آثار تلك الأزمات إلى الحقوق الأساسية للمواطنين، على العكس من دول المنطقة ودول العالم بشكلٍ عام. فالدول التي تمتلك صناديق سيادية، وسياسات مالية مستقرة، وتنوعًا في مصادر الإيرادات، تكون أكثر قدرة على حماية مواطنيها من آثار التقلبات الاقتصادية، بينما يؤدي الاعتماد شبه الكامل على مورد واحد إلى جعل المجتمع والدولة رهينة لتقلبات ذلك المورد. لذا، فإن إصلاح ملف الرواتب، لا ينبغي أن يُختزل في إيجاد حلول وقتية أو ترحيليَّة، أو إصدار تطمينات إعلامية، وإنما يتطلب إصلاحًا هيكليًا يبدأ بتنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، وترشيد الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وتطوير الإدارة المالية وفق معايير الحوكمة والشفافية. فالإدارة الرشيدة لا تُقاس بقدرتها على تجاوز الأزمة الحالية فقط، وإنما بقدرتها على منع تكرارها مستقبلًا.

بالمجمل، إنَّ أزمة دفع الرواتب، هي نتيجة طبيعية للأزمات المتنامية في جسد الدولة العراقية منذ أكثر من عقدين، ولاسيّما الأزمة التي تتعلق بطبيعة إدارة الحكم، والفشل الذي منيت به القوى السياسية بهذا الجانب؛ لذا، فإن هذه الأزمات تعد بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الدولة على صيانة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه شرعيتها. وكلما استطاعت الدولة أن تجعل الحقوق الاقتصادية للمواطن بمنأى عن الصراعات السياسية والظروف الطارئة، عززت ثقة المجتمع بها ورسخت استقرارها. أما إذا بقيت هذه الحقوق رهينة للأزمات والتجاذبات، فإن الخسارة لن تكون مالية فقط، بل ستطال الدولة والنظام السياسي معًا.  

م. ميثاق مناحي العيسى

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!