ان العالم الرقمي ليس مجرد تطور تكنلوجي، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الحكومات، فإما توظفه في تعزيز سيادة القانون، واما تتركه ليتحول الى أداة لتفكيك الدولة من الداخل، وكلما طال زمن الفشل الحكومي في توظيف العالم الرقمي في فرض سيادة القانون، كلما تأخرت الدولة عن التعافي، واقتربت أكثر من السقوط في دوامة الفوضى..
ان التساهل الرسمي او الاجتماعي مع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة، ووجود فواعل غير حكومية تسلب الحكومة ارادتها وقوة قرارها ليس ظاهرة طبيعية، بل هي ظاهرة شاذة، غالبا ما تجر اسوء العواقب على الدولة والمجتمع، مما يعني ان تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في مقاله أعلاه، ينبغي التعامل معه بجدية كبيرة ، وعلى اعلى مستويات صنع القرار في الدولة والمجتمع، لاسيما القوى والفصائل التي تشجع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار السياسي والأمني، وتدعم عمل الفواعل غير الحكومية، فخطر استمرار هذه الظاهرة لن يتوقف عند حد معين، بل سيشمل الجميع بدون استثناء..
مع ان المواقف الرسمية الحكومية اللاحقة وموقف وزارة الخارجية العراقية حول رفض تلك الاعتداءات على البعثات الدبلوماسية والدول العربية، الا انها لا يمكن ان تساهم في ترميم الاوضاع مع الدول العربية المجاورة. فهذه الدول تُدرك جيدا ان العراق يفتقر لوحدة القرار السياسي والامني، كما انه يفتقر للبيئات الداخلية المتراصة والتي يمكن ان تساهم في لجم تلك الهجمات. وهذا احراج آخر للدولة العراقية ويجعلها ضمن تصنيف الدول الغير محايدة والمهددة للامن الاقليمي..
أن التصحيح السياسي الذي اصبح متعذر اجراءه من قبل "القوى السياسية" المتحكمة في العراق، سيتم العمل عليه بإرادة دولية واميركية، ولا يمكن ترك البلاد لعرابي الفساد ومتسيدي حالة اللادولة واللانظام وتمييع الدولار بالظل بعيدا عن منظومة الدولار العالمية، تلك المنظومة التي تسعى الولايات المتحدة الى بقاءها متفردة ومسيطرة على النظام الاقتصادي العالمي. وهذا ما جرى في فنزويلا ، وما سيجري في دول اخرى في اميركا اللاتينية مثل كوبا وكولمبيا وغيرها..
ان قرار بناء جيش وطني فاعل هو قرار سياسي قبل ان يكون قرارا عسكريا، وما لم تُستخلص دروس الماضي، وتُتخذ خطوات جادة لتصحيح المسار في الوقت الحاضر، فان مستقبل الامن الوطني العراقي سيبقى عرضة لمخاطر جسيمة في محيط إقليمي ودولي بالغ التعقيد..
أثبتت تجربة القرن الماضي أن الاستقرار القسري والصراع السياسي الصفري العنيف كلاهما طريقان مسدودان، وأن استمرار غياب مشروع الدولة يعني بقاء العراق في دائرة التراجع وعدم الاستقرار. كما اثبتت أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب وعيًا جديدًا من النخب المثقفة والقوى السياسية والاجتماعية الحاكمة بأهمية العمل الجاد على صياغة مشروع دولة وطني جامع، يرتكز على إيجاد هوية عراقية مشتركة، ومؤسسات دستورية فاعلة، وتغليب صارم لمصالح العراق العليا على المصالح الفئوية والولاءات الضيقة..
أن الدولة الحديثة لا يمكن إخضاعها للفهم الفقهي الذي نشأ في سياق الدولة السلطانية التي سادت في القرون الوسطى، بل يستدعي تكييفًا جديدًا لجميع قواعد واحكام الدين، ومنها قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما ينسجم مع مقاصد الشريعة الاصلاحية، ومتطلبات الحوكمة الرشيدة في وقتنا الحاضر..
حلقتنا النقاشية هذه تدور حول موضوع نراه مهما في هذه المرحلة، وهو يتعلق بالأوضاع التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، حيث لا يختلف أحد على أن هذه المنطقة هي من مناطق الأزمات في العالم، وتكاد تكون الأولى على العالم بحيث تأتي بعدها جنوب شرق آسيا والنفوذ الصيني، كلا المنطقتين، تصارع النفوذ سواء كان الدولي أو الإقليمي هو السبب في موضوع وجود بعض التوترات التي قد ترتقي إلى بعض الصراعات..
يُفترض بالدول التي تمر في مرحلة انتقالية كالعراق، أن تسير وفق رؤية واضحة من شأنها تنضيج الديمقراطية وتقوية المؤسسات وحصر المؤسسة العسكرية على تحقيق الوظيفة الاساسية بالتزامن مع التعاون الاقليمي والدولي، وتترك المساحة الأخرى لآلية السوق ليسير الاقتصاد وفقها لضمان نموه وقوته وبما يسهم في تطلبة حاجة المجتمع باسعار معقولة ونوعية جيدة..
هناك علاقة وثيقة بين دور الدولة واداء الاقتصاد، فعندما يكون دور الدولة في الاقتصاد مناسب سينعكس بشكل ايجابي على اداء الاقتصاد، بينما اذا لم يكُن كذلك سينعكس بشكل سلبي على اداء الاقتصاد، بمعنى اخر، ان اداء الاقتصاد يتأثر سلباً وايجاباً بدور الدولة في الاقتصاد وحسب النظام السياسي والبنيان الاقتصادي والعامل الثقافي السائد في البلد..
العراق بعد عقدين من التغيير ما يزال من بين الدول الأكثر فساداً على مستوى العالم، ويعتمد بنسبة كبيرة على الاقتصاد الريعي "النفطي" ويواجه الكثير من التحديات على المستوى الأمني والسياسي وهوية الدولة والنظام السياسي وتعزيز الديمقراطية والإيمان بها، فضلاً عن تحديات التدخلات الدولية والإقليمية، التي زادت من مشاكل العراق السياسية والأمنية والاقتصادية والمجتمعية..
ان دور دولة في الاقتصاد العراقي مرّ بمراحل مختلفة من التنموي قبل 1958 مروراً الإنتاجي ما بين 1958-2003، وأصبح غير واضح المعالم(ضبابي) ما بعد 2003 والآن الدور المطلوب هو الدور التنموي لانطلاق القطاع الخاص وتقوية اداء الاقتصاد العراقي..
منذ بداية تشكيل الدولة بعد عام 2003، وحتى الآن، نرى بأن الدولة قطعت اشواطاً في هذه النماذج وتسير بشكل تصاعدي نحو الدولة المنهارة، ولاسيما في ظل حالة الانسداد السياسي وتفاقم الأزمات وتراكمها بشكل قد يؤدي إلى انفجارها؛ الامر الذي يقودنا إلى انهيار الدولة ومؤسساتها، أو ما يضعنها أمام مشهد وسيناريو النموذج الاخير (الدولة المنهارة)..
ان الدولة في العراق لا زالت تترنح وهي مفتوحة على الكثير من الاحتمالات، ولا يمكنها النجاة من المخاطر المحدقة بها ما لم توقف عجلة تدهورها وانحدارها، فالدولة التي ينجح مجرم واحد من هزيمتها امام انظارها تكون الخشية من انهزامها امام أعداء أشد قسوة وضراوة متوقعة في أي وقت، وما حدث في سنة 2014 لا زال درسا بليغا عالقا في الاذهان بحاجة الى تأمل عميق قبل تكرار الكارثة..
ينطوي مفهوم الامن على معاني عدة بحسب الخلفية التي ينطلق منها وطبيعة المسببات والاسباب التي ادت لتناول الموضوع، وبصوره عامة فأن الامن هو السعي الى التحرر من التهديدات، وتقليديا فقد عرف اتباع المدرسة الواقعية في الفكر السياسي الامن بوصفه " التحرر من أي تهديد عسكري من اجل بقاء وجود الدولة ضمن النظام الدولي الفوضوي " ..
فأن إشكالية بناء الدولة لدى العديد من الدول الفاشلة أو الضعيفة تكمن في ضعف الحكم والإدارة والتنظيم وقصور المؤسسات على مستوى الأمة الدولة. فبناء الدولة بحاجة إلى بناء المجتمع أولاً، ورأب التصَّدع الحاصل بين السلطة والمجتمع من خلال التنمية البشرية والسياسية الصحيحة وتقوية المؤسسات القائمة وبناء مؤسسات جديدة فاعلة وقادرة على البقاء والاكتفاء الذاتي..
لا يتوقع أن يتمكن العراق في المدى القصير والمتوسط الخروج من دائرة الهشاشة والفشل بسبب الصراعات السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية وحالة الانقسام الحاد في الطبقة السياسية الحاكمة وتهديدات الإرهاب والتفكك وضعف المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتردي الأوضاع الاقتصادية، الامر الذي يتطلب تنبي استراتيجيات طويلة الاجل لبناء دولة متينة وقوية ومتماسكة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً..
في ظل هذه الهرمية التسلطية والدوغمائية لن تُسترد حقوق الشعب والشهداء مالم يحدث تغيير فعلي، وعلى السلطة الحالية ان تعيد النظر وبجدية في إحقاق العدالة واتخاذ إجراءات حازمة لفرض القانون ضد المجاميع الخارجة عنه التي تنتهك حقوق المجتمع والسيادة، وأخيراً لابد من تفكيك الروابط والقوالب التقليدية في خيالنا وأفكارنا وعلاقاتنا وتقديم الانتماء المركزي للوطن على الانتماء الفرعي لنحيا بكرامة وسلام..
أن أزمة السيادة في العراق، هي أزمة متراكمة منذ عقود وقد تجلت بشكل مخجل للغاية بعد عام 2003، وأن طبيعة النظام السياسي الحالي وإدارة الدولة والحكم، وسيادة ايديولوجية الأحزاب والمذاهب والقوميات والمصالح الضيقة وسوء الفهم الناتج عنها، خلق من تلك الأزمة، إشكالية مركبة في الفهم والتطبيق..
الاقتصاد العراقي يعاني من الضعف ما لم يعمل على ترسيخ الحرية الاقتصادية والسماح للقطاع الخاص بممارسة النشاط الاقتصادي بيسر وسهولة من خلال العمل على محاربة ومنع الفساد وتهيئة بيئة الأعمال الجاذبة والمشجعة للقطاع الخاص على الاستثمار..
أن لدى العراق عوامل ضعف مزمنة، كما أن لديه عوامل قوة حقيقية كامنة، ولا يمكن لسكانه –أيا كانوا- استعادة دورهم الحضاري، وبناء دولتهم المقتدرة الا بتحييد عوامل الضعف وإيجاد العلاجات المناسبة للخلاص منها، واستنهاض عوامل القوة واستثمارها بحدها الأقصى لتحقيق مصالحهم، وحصول ذلك سيكون المقدمة التي لابد منها لنهضة العراق الحقيقية، وهذا –قطعا- سيتطلب درجة عالية من النضج لدى الحكام والمحكومين، كما سيتطلب استعدادا تاما لتحمل الضريبة المادية والبشرية المترتبة عليه، اما ما عدا ذلك، فسيبقى مجرد ثرثرة حمقاء، وتكرارا بائسا لمسار الفشل والاخفاق..