التحديات السياسية أمام حكومة الزيدي في العراق

التحديات السياسية أمام حكومة الزيدي في العراق

أولًا: إطار عام.

تمثل حكومة السيد علي فالح الزيدي حالة سياسية خاصة في التجربة العراقية بعد 2003؛ فهي جاءت بعد انسداد سياسي طويل نسبيا بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة (11تشرين الثاني 2025)، وبتوافق صعب داخل الإطار التنسيقي الشيعي، وبقبول أمريكي واضح، يقابله حذر إيراني محسوب. نالت الحكومة الثقة في 14 أيار/مايو 2026، لكن البرلمان مرّر 14 وزيرًا فقط من أصل 23، مع بقاء وزارات حساسة محل خلاف مثل الدفاع والداخلية أو وزارات أخرى لم تحسم بالكامل. وهذا يعني أن الحكومة وُلدت ناقصة سياسيًا ومؤسسيًا منذ اللحظة الأولى.

ثانيًا: شخصية رئيس الحكومة.  

علي فالح الزيدي ليس سياسيًا تقليديًا بالمعنى الحزبي القديم، بل يُقدَّم بوصفه رجل أعمال ومصرفيًا ذا خلفية في القطاع المالي، وارتبط اسمه بمصرف الجنوب الإسلامي وبمصالح اقتصادية وتجارية. وهذا يمنحه صورة "الرجل الإداري/الاقتصادي"، لكنه في الوقت نفسه يضعه أمام سؤال كبير: 

هل يستطيع رجل من خارج مؤسسة الحكم التقليدية أدارة سلطة تتضمن شبكة معقدة من القيادات التقليدية المتنافسة، والأحزاب المختلفة، والفصائل المسلحة، وتلبية الاستحقاقات الشعبية في ظل بيئة المحاصصة السياسية، وقواعد عمل الدولة العميقة، والضغوط الخارجية؟

قوة الزيدي الأساسية أنه جاء كمرشح تسوية، لا كزعيم صدامي. أما نقطة ضعفه الأساسية فهي أنه لا يمتلك كتلة سياسية صلبة خاصة به، ما يجعله معتمدًا على القوى التي رشحته ومنحته الثقة.

ثالثا: عناصر الالتقاء بين حكومة السيد الزيدي والحكومات العراقية السابقة.

تلتقي حكومة الزيدي مع الحكومات السابقة في عدة نقاط:

- أنها حكومة توافقية لا حكومة أغلبية سياسية واضحة.

- أنها تعتمد على التوازن السياسي بين الشيعة والسنة والكرد.

- أنها محكومة بمنطق المحاصصة في توزيع المناصب الحكومية.

- أنها تواجه الملفات الأساسية نفسها التي عجزت عن حلها الحكومات السابقة: الفساد، السلاح المنفلت، الخدمات، الكهرباء، البطالة، العلاقة مع واشنطن وطهران.

   - ولدت بكابينة وزارية غير مكتملة كما هو حال حكومات ما بعد 2003. 

   - أنها مضطرة لإرضاء القوى التي جاءت بها قبل إرضاء الشعب.

رابعا: عناصر الافتراق بين حكومة السيد الزيدي والحكومات العراقية السابقة.

تختلف حكومة السيد الزيدي عن الحكومات السابقة لها في نقاط مهمة: هي:

- رئيسها ليس زعيما لحزب سياسي كبير ولا شخصية سياسية تقليدية (تشابه محدود مع حكومة الكاظمي).

- جاءت وسط تصعيد إقليمي كبير مرتبط بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها على العراق.

- تواجه ضغطًا أمريكيًا أعلى من الحكومات السابقة في ملف الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط العراق بدائرة النفوذ الايراني.

- تم تقديمها بخطاب اقتصادي وإداري أكثر من الخطاب السياسي المتعارف عليه.

خامسا: التحديات السياسية الداخلية المباشرة لحكومة السيد الزيدي.

أهم التحديات السياسية الداخلية المباشرة التي تواجه حكومة السيد الزيدي هي:

- إكمال الكابينة الوزارية: بقاء وزارات حساسة من دون حسم سيبقي الحكومة ضعيفة. 

- العلاقة مع الإطار التنسيقي: الزيدي يحتاج إلى دعم الإطار، لكنه في الوقت نفسه يجب ألا يتحول إلى مدير تنفيذي عند قوى الإطار.

- ملف حصر السلاح بيد الدولة ووجود فصائل مسلحة غير رسمية: هذا أخطر ملف؛ لأن أي مواجهة مفتوحة قد تهدد السلم الداخلي، وأي تراجع كامل سيضعف الحكومة أمام واشنطن وعواصم المنطقة الاخرى والشارع العراقي.

- الفساد والدولة العميقة: محاربة الفساد في العراق ليست قرارًا إداريًا فقط، بل صراعا مع شبكات مصالح داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

- الخدمات والكهرباء: لاسيما ان الصيف العراقي قد يتحول بسهولة إلى تحدي سياسي ولا يبقى مجرد ملف خدمي بالتزامن مع أزمة الطاقة وتراجع الإمدادات.

سادسا: التحديات السياسية الداخلية غير المباشرة لحكومة السيد الزيدي.

هناك تحديات سياسية داخلية أعمق لا تظهر مباشرة: تواجه حكومة السيد الزيدي، وتتمثل بـــ: 

- ضعف الثقة الشعبية بالسلطة في العراق= وقوع الحكومة في دائرة الشك وسهولة اثارة الشارع ضدها.

- تضخم القطاع العام واعتماد المواطنين على الوظيفة العامة= ازمة سياسية قادمة ذات دوافع اقتصادية.

- هشاشة مفهوم المواطنة أمام الولاءات الحزبية والطائفية والمناطقية = ازمة هوية وطنية.

- ضعف المعارضة البرلمانية المنظمة = محاسبة برلمانية ضعيفة أو انتقائية.

سابعا: التحديات السياسية الخارجية المباشرة لحكومة السيد الزيدي.

أبرز التحديات السياسية الخارجية المباشرة لحكومة السيد الزيدي هي:

- العلاقة مع الولايات المتحدة.

- العلاقة مع إيران.

- العلاقة مع دول الخليج العربية.

- الحرب الإقليمية وتداعياتها الاقتصادية.

- العلاقة مع تركيا وضرورة حسم ملفي المياه والامن المشترك.

ملاحظة جديرة بالاهتمام:

إدارة هذه الملفات السياسية الخارجية بصورة ترضي جميع الأطراف في الوقت نفسه تبدو مسألة صعبة للغاية وتتطلب سياسة خارجية عراقية فاعلة، ولن تكون السياسة الخارجية للعراق فاعلة بدون بيئة داخلية داعمة (التفاف شعبي حول الحكومة ودعم مواقفها، وحدة في القرار السياسي والأمني، وضع اقتصادي مريح، منظومة أمن ودفاع رادعة).

ثامنا: التحديات السياسية الخارجية غير المباشرة لحكومة السيد الزيدي.

من أبرز التحديات السياسية الخارجية غير المباشرة التي تواجه حكومة السيد الزيدي ما يلي:

- تحوّل العراق إلى ساحة توازن بين واشنطن وطهران.

- ضعف قدرة العراق على انتهاج سياسة خارجية مستقلة تضمن حماية مصالحه العليا.

- حساسية العلاقة بين بغداد والعواصم الخليجية لاسيما بعد الحرب الإقليمية الاخيرة.

- ارتباط الاقتصاد العراقي بالنفط والأسواق العالمية.

 - هشاشة الأمن الإقليمي المحيط بالعراق.

تاسعا: عقبات تعترض طريق حكومة السيد الزيدي في مواجهة التحديات السياسية.

ان العقبات الأساسية التي تعترض طريق الحكومة في مواجهة التحديات السياسية، سواء كانت داخلية ام خارجية، هي:

- عدم امتلاك رئيس الحكومة كتلة سياسية خاصة.

- عدم اكتمال الكابينة الوزارية.

- ضغط الفصائل المسلحة.

- ضغط واشنطن وطهران في اتجاهين متعاكسين.

- قوة شبكات الفساد.

- البيروقراطية وضعف الإدارة العامة.

 - التوقعات والمطالب الشعبية العالية.

- محدودية الوقت فالشارع لن ينتظر طويلا لرؤية إنجازات الحكومة والحكم عليها.

- احتمال تفكك التوافق السياسي بسبب تقاطع المصالح بين أطراف الحكومة.

عاشرا: السبل الممكنة لدى الحكومة السيد الزيدي لمواجهة التحديات وتحقيق النجاح.

لكي تنجح الحكومة في مواجهة العقبات والتحديات التي تعترض طريقها، فهي تحتاج إلى:

 - منهج واقعي لا اعلامي (شعاراتي) في إدارة الدولة.

 - إكمال الكابينة الوزارية بسرعة وفقا لمعيار الكفاءة.

-  فتح حوار منظم مع القوى المسلحة تحت عنوان حصر السلاح التدريجي بعيد عن الصدام والفوضى. 

-  تقديم برنامج خدمات قابل للتطبيق في معالجة أزمات الكهرباء والماء والبنى التحتية الاساسية.

 - اعتماد الشفافية العالية في العقود الحكومية الجديدة ومراجعة العقود السابقة.

 - امتلاك المبادرة في محاربة الفساد والبيروقراطية السيئة.

-  بناء علاقة متوازنة مع واشنطن وطهران بدون انحياز كامل لأي طرف، مع الحرص على تأكيد استقلالية القرار العراقي في السياسة الخارجية وبما يتناسب مع مصالح العراق العليا= سياسة العراق أولا.

-  تطمين دول الخليج بأن العراق لن يكون منصة تهديد لأمنها واستقرارها= عدم تكرار استهدافها من داخل العراق.

-  تحويل العلاقة مع تركيا إلى مسار تفاوضي ناجح حول المياه والأمن والاقتصاد.

-  حماية استقلال القرار الحكومي داخل الإطار التنسيقي وخارجه.

 - إعلان مؤشرات قياس دورية حول إنجازات الحكومة، حتى لا تبقى الوعود السياسية مجرد حبر على ورق.

احد عشر: المشاهد المستقبلية المتوقعة لحكومة السيد الزيدي

أمام حكومة الزيدي ثلاث مشاهد مستقبلية هي:

المشهد الأول: حكومة إدارة أزمة.

أي تكتفي بتجنب الانهيار، وإدارة التوازنات، وتأجيل معالجة الملفات الكبرى، وهذا الخيار آمن مؤقتًا لكنه لن يصنع انجازا حقيقيا.

المشهد الثاني: حكومة الإصلاح التدريجي.

أي تبدأ بالملفات القابلة للحل: الخدمات، الكهرباء، ضبط المنافذ، تقليل الهدر في المال العام، إصلاح العقود الحكومية، تغيير القيادات الحكومية غير الكفوءة ثم تنتقل تدريجيا إلى معالجة الملفات الصعبة، على ان توضع توقيتات ثابتة غير تسويفية في إدارة هذه الملفات، وهذا هو الخيار الأكثر واقعية.

المشهد الثالث: حكومة المواجهة.

أي دخول الحكومة في صدام مباشر وكبير مع قوى الفساد والفصائل المسلحة واجراء التغيير الحكومي الشامل، وهذا الخيار يبدو جذابًا، لكنه عالي المخاطر وقد يؤدي إلى الفوضى السياسية والامنية. 

اثنا عشر: توصيات موجهة لحكومة السيد الزيدي.

يمكن في نهاية هذا العرض للتحديات السياسية التي تواجه حكومة السيد الزيدي وضع عدد من التوصيات المهمة للحكومة لتكون أفضل من الحكومات العراقية السابقة، وكما يلي: 

- تشكيل مجلس سياسي مصغر لإدارة الخلافات بين القوى المشاركة في تشكيل الحكومة بجميع اطيافها ومكوناتها.

- تشكيل فريق اقتصادي محترف مستقل نسبيًا عن الأحزاب، فالاقتصاد قد يكون القشة التي تقصم ظهر الحكومة في الأشهر والسنوات القادمة، ومن الضروري اتخاذ القرارات المناسبة للحد من الازمة الاقتصادية.

- وضع خطة زمنية محددة لمعالجة مشكلة الخدمات، لاسيما ملف الطاقة الكهربائية ووفقا لمنهج واقعي وقابل للتنفيذ واحداث الفرق في حياة الناس. 

- معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة من خلال منهج صحيح قائم على الدمج، والضبط، والتنظيم، ثم الحصر.

- عدم استخدام شعار محاربة الفساد بصورة انتقائية حتى لا تكون نتائجه عكسية على الحكومة.

- تقليل التعيينات العشوائية والانتقال إلى فرص عمل إنتاجية، فالمزيد من التعيينات الرسمية تعني المزيد من الترهل الحكومي وافراغ خزينة الدولة على وظائف حكومية غير منتجة.

- تطوير العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم لتجفيف مصادر الاحتقان الشعبي واتساع الفجوة بين الحكومة والشعب، فمعظم الاحتجاجات تبدأ غالبًا من الفشل المحلي وتصل الى حد المطالبة بإسقاط الحكومة.

- إبعاد العراق عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية، وهذا يتطلب وحدة في القرار السياسي والأمني، واحتكار الدولة لقرار السلام والحرب، فضلا عن وجود سياسة خارجية نشطة وفعالة.

- بناء خطاب وطني واضح: لا ضد إيران، ولا تابع لأمريكا، بل مع دولة عراقية ذات سيادة (سياسة العراق أولا).

- تقديم إنجازات صغيرة وسريعة تعيد الثقة تدريجيًا بالحكومة من قبل الشعب، فبدون استعادة هذه الثقة لن تقوى الحكومة على مجابهة التحديات والتهديدات والمخاطر التي تعترض سبيلها.

نصيحة أخيرة مهمة: على السيد الزيدي التحول من مجرد مرشح تسوية الى صاحب قرار حقيقي والا سوف تتكرر تجارب الإخفاق الحكومي السابقة وتكون النتيجة سلبية على بناء الدولة والمجتمع في العراق.

أ. د. خالد عليوي العرداوي

العراق-كربلاء المقدسة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!