إن أزمة الفكر السياسي العربي والإسلامي لا تكمن في نقص المفاهيم، بل في إدراك اتجاهها ومرتكزاتها. فبينما يتقدم هذا الفكر في إنتاج أدوات تبرير السلطة، يتراجع في بناء نظرية سياسية تُعلي من شأن الإنسان وتضعه في مركز العملية السياسية. ومن دون إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مصدرًا للشرعية وغاية للنظام السياسي ومعيارا لنجاح مؤسسات الحكم، سيبقى هذا الفكر عاجزًا عن إنتاج نموذج حديث للحكم يواكب تحولات العصر، ويحقق التوازن بين الدين والديمقراطية في آن واحد..
ان العالم الرقمي ليس مجرد تطور تكنلوجي، بل هو اختبار حقيقي لهيبة الحكومات، فإما توظفه في تعزيز سيادة القانون، واما تتركه ليتحول الى أداة لتفكيك الدولة من الداخل، وكلما طال زمن الفشل الحكومي في توظيف العالم الرقمي في فرض سيادة القانون، كلما تأخرت الدولة عن التعافي، واقتربت أكثر من السقوط في دوامة الفوضى..
ان التساهل الرسمي او الاجتماعي مع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة، ووجود فواعل غير حكومية تسلب الحكومة ارادتها وقوة قرارها ليس ظاهرة طبيعية، بل هي ظاهرة شاذة، غالبا ما تجر اسوء العواقب على الدولة والمجتمع، مما يعني ان تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في مقاله أعلاه، ينبغي التعامل معه بجدية كبيرة ، وعلى اعلى مستويات صنع القرار في الدولة والمجتمع، لاسيما القوى والفصائل التي تشجع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار السياسي والأمني، وتدعم عمل الفواعل غير الحكومية، فخطر استمرار هذه الظاهرة لن يتوقف عند حد معين، بل سيشمل الجميع بدون استثناء..
ما يجب فهمه وادراكه هو ان استعادة ثقة الانسان بنفسه وغيره، ليست مهمة رجل الأمن وحده، كما يتصورها البعض، بل هي مهمة تشاركية تتحملها الاسرة، والنخب الفكرية، والمؤسسات الدستورية (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، والمؤسسات التربوية والتعليمية، والمنظمات المدنية، والقيادات السياسية والدينية والاجتماعية. وبدون قيام كل هذه الجهات بدورها الفاعل في تصحيح أخطاء الماضي، وتحمل المسؤولية الأخلاقية لإصلاح الحاضر، ومعالجة المشكلات الأساسية التي تواجه الفرد والمجتمع، ستبقى المخاطر محدقة بأمننا الوطني، وستبقى معالجتها من قبل رجل الامن مهمة صعبة، ان لم تكن مستحيلة..
ان قرار بناء جيش وطني فاعل هو قرار سياسي قبل ان يكون قرارا عسكريا، وما لم تُستخلص دروس الماضي، وتُتخذ خطوات جادة لتصحيح المسار في الوقت الحاضر، فان مستقبل الامن الوطني العراقي سيبقى عرضة لمخاطر جسيمة في محيط إقليمي ودولي بالغ التعقيد..
أثبتت تجربة القرن الماضي أن الاستقرار القسري والصراع السياسي الصفري العنيف كلاهما طريقان مسدودان، وأن استمرار غياب مشروع الدولة يعني بقاء العراق في دائرة التراجع وعدم الاستقرار. كما اثبتت أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب وعيًا جديدًا من النخب المثقفة والقوى السياسية والاجتماعية الحاكمة بأهمية العمل الجاد على صياغة مشروع دولة وطني جامع، يرتكز على إيجاد هوية عراقية مشتركة، ومؤسسات دستورية فاعلة، وتغليب صارم لمصالح العراق العليا على المصالح الفئوية والولاءات الضيقة..
تبدو الحاجة ملحّة أمام دول المنطقة، ولا سيما العراق وإيران، إلى قراءة مجريات الاحداث الإقليمية والدولية بوعي استراتيجي نقدي، وإعادة النظر في خطابها السياسي الخارجي الذي سمح بتحويلها إلى خطر إقليمي ودولي مزعزع للأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي لا يُبنى عبر تغذية المخاوف، بل عبر انتهاج خطاب خارجي عقلاني، وسياسات متوازنة، وشراكات إقليمية تعزز الثقة بين الدول والشعوب، وتفتح ابوابها للتعاون المتبادل في مختلف المجالات..
أن الدولة الحديثة لا يمكن إخضاعها للفهم الفقهي الذي نشأ في سياق الدولة السلطانية التي سادت في القرون الوسطى، بل يستدعي تكييفًا جديدًا لجميع قواعد واحكام الدين، ومنها قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما ينسجم مع مقاصد الشريعة الاصلاحية، ومتطلبات الحوكمة الرشيدة في وقتنا الحاضر..
ان عوامل تقدم الدول وانحطاطها تولد من داخلها، قبل ان تفرضها عليها قوى خارجية. والدول التي تتعلل بوطئة القوى الخارجية لتبرير عدم تقدمها هي دول ما زالت تفتقر الى القدرة على التحرر من عيوبها الداخلية، وتتنازع السيطرة عليها قيادات سياسية فاشلة..
ان دراسة الثقافة السائدة في أي دولة قادرة على استشراف مستقبلها بدقة عالية، ومعرفة مسار تقدمها او انحطاطها، بل ومعرفة ما يناسبها من انماط الحكم، والقيادة...ولذا قيل قديما كيفما تكونوا يولى عليكم؛ فالثقافة العامة المسيطرة على الناس هي المصنع الذي يلد هذه الانماط، وفي نفس الوقت تتحمل هذه الأنماط مسؤولية استمرار هكذا ثقافة، عندما تكون القيادات قصيرة النظر، وفاشلة في قيادة التحولات الثقافية المطلوبة، والاسوأ يحدث عندما تجد منافعها ببقائها، ولذا قيل كيفما يكن الراعي تكن الرعية..
ان القيادة السياسية السيئة هي رأس كل الشرور في انحطاط الدول التي تحكمها، وقد تكون هذه القيادة نتاج الثقافة العامة السائدة في المجتمع، فكما يقال ان كل مجتمع يحصل على القيادة التي يستحقها، ولكن ذلك لا يعفي القيادة من مسؤولية بقاء الانحدار، واستمرار مسار التخلف والتراجع للدولة، فالقيادات السياسية وجدت لإصلاح ما هو معوج من الأمور، لنقل شعوبها نحو الأفضل، لا من اجل استدامة حالة التردي والانحطاط..
ان الاعتقاد بدوام الأفكار والقوى المؤمنة بها بصرف النظر عن جاذبيتها وتأثيرها في المجتمع الذي تطبق فيه هو اعتقاد خاطئ بشكل كبير، فالأفكار والقوى المؤمنة بها يمكن ان تتلاشى يوما ما، بل وتواجه اسوء العواقب إذا ما فشلت في تغيير الحياة نحو الأفضل، وأصبح وجودها أكثر ضررا على الناس من غيابها..
فضلا على أهمية وسائل الاعلام ودورها الفاعل في كشف الفساد وفضح المتورطين فيه، يحتاج العراق الى جيل جديد من السياسيين الذين لا يكررون أخطاء من سبقهم، ويمتلكون في الوقت نفسه الرؤية الواضحة لبناء بلدهم وفقا لما تقتضيه متطلبات العدالة، والشفافية، والحوكمة، والحكم الرشيد...وبما يضمن منع المجال السياسي من توفير الغطاء والحماية للفاسدين..
ينبغي على القيادات والقوى السياسية النافذة عدم جعل التجربة الديمقراطية العراقية مجرد مريض محتضر ينتظر الموت ولو بعد حين، بل عليها جعلها وليدا واعدا ينمو يوما بعد يوم ليصل الى مرحلة النضج والقوة والاحترام، فنجاح هذه التجربة سيمثل نجاحا لكل العراقيين بصرف النظر عن خلفياتهم الاثنية والعرقية، واختلافاتهم السياسية والفكرية اما فشلها وانهيارها فهو خسارة بالغة سيعاني منها، وسيتحمل وزرها الجميع..
مهما كانت الأسباب التي تحول دون قيام العلماء بدورهم، فالحقيقة التي لا جدال فيها هي ان العلماء هم حراس الوعي والضمير والحق في المجتمع، وعدم قيامهم بما يجب عليهم يكبد المجتمع -افرادا ومؤسسات- اضرارا كارثية تؤثر على حاضره ومستقبله. ومن المفيد ان يدرك العلماء انه في الوقت الذي يُطالب فيه المجتمع باحترام دورهم، عليهم ايضا ان يكافحوا للقيام بما هو متوقع منهم، فهم قوى البناء والتغيير والنهوض داخل المجتمع، ومن غير المقبول ان يكونوا جزء من قوى تهديمه وجموده وانتكاسه الحضاري، فالتاريخ لن يرحمهم، لاسيما في أوقات الانحراف والازمات الكبرى..
ان الجمود الفكري قرين الانحطاط الحضاري للأمم والشعوب، فالعيش بنفس نمط تفكير الماضيين يعني تكرار اخطائهم وصراعاتهم بشكل او آخر، فيما يتطلب النهوض الحضاري نمطا مختلفا من التفكير يرتكز على عقل علمي ناقد، يُحسن التفريق بين ما هو خاطئ وما هو صحيح من القديم البائد والجديد الوافد، ويحتاج ظهور هذا النمط الفكري الى ثورة ثقافية شاملة تعيد تشكيل الوعي الفردي والجمعي تقف خلفها بيئة ثقافية معتدلة داعمة، تحترم حرية النقد والتجديد المعرفي، وسلطة سياسية ديمقراطية متحررة من ارثها الاستبدادي، ومؤسسات معرفية غير مسيسة وغير خاضعة لهيمنة القوى المساندة للجمود الفكري..
اذا كان القضاء في الدول الخارجة من الحكم الشمولي هو المرتكز الاساس لمشروع التحول الديمقراطي، فان هذا يتطلب تأسيس سلطة قضائية قوية، ومستقلة، وفاعلة، ولا يمكن تحقيق ذلك الا بالعناية التامة بأعداد القضاة لاختيار الأصلح والأفضل من افراد المجتمع لتولي مسؤولية القضاء، ممن لا تثنيهم التحديات عن الالتزام بمعايير العدالة التامة، ولا تغريهم الامتيازات بالوقوع في مشكلة التسييس و الانحياز الخاطئ في القرارات، وممن يؤمنون بشكل حاسم بالحكم الديمقراطي القائم على العدل، واحترام ثقة الافراد، وسيادة القانون..
ان طوق نجاة الأمم والشعوب يكمن في تحالف المثقف النزيه مع النخب الصالحة، ذلك التحالف الذي يقوم على أساس احترام القيم الأخلاقية العليا، وخدمة المصالح العامة، وصيانة الكرامة الإنسانية؛ لتتحول الدولة عندها من دولة الحاكم بأمره الى دولة الحق والقانون والمؤسسات الدستورية الفاعلة..
ان الانسان في الوقت الذي يصبو ببصره نحو السماء "القيم"، فهو يضع قدميه على الأرض "المصالح"، ولا يمكنه الفصل بين ما يصبو اليه وما يقف عليه، ولكن يجب على الانسان تحقيق التوازن بين الالهام الأخلاقي للقيم والحكمة العملية للمصالح، لجعل المصالح تسير في ركب القيم لا العكس، وهذا لا يكون الا بالتخلص من: أنانيته وهيمنة قيمه ومعتقداته الخاصة الخاطئة وانفتاحه على ما هو جديد وصالح من القيم، وتفهمه الصحيح لمقاصدها الانسانية، وأهليته لحملها وتجسيدها على ارض الواقع..
ظاهرة اللجوء الى الغيب ليست مجرد تراث شعبي اعتيادي، وانما هي مرض نفسي متأصل، وعوق عقلي خطير؛ لأنها تؤثر على السلوك المجتمعي وتضعف روح المبادرة والمساءلة الذاتية، خاصة حين تُستخدم لتبرير الفساد، أو التقصير الإداري، أو الفشل السياسي. ان التصدي لهذه الظاهرة لا يعني بالضرورة محاربة الموروث الديني أو الثقافي، بل العمل على إعادة تشكيل الوعي الجمعي عبر التعليم الصحيح، والنقد الثقافي البناء، وتعزيز التفكير العلمي، فالمجتمع الذي يربط بين الفعل ونتيجته هو مجتمع قادر على التغيير، بينما المجتمع الغارق في الغيبيات، يبقى حبيس ماضٍ يرفض مواجهة حاضره..
تكون القوى السياسية والاجتماعية والمؤسسات الدينية وسائر النخب مطالبة بالاصطفاف الكامل والصادق خلف هدف حصر السلاح بيد الحكومة، وانهاء ظاهرة السلاح المنفلت، فهذه الظاهرة غير الحضارية باتت تهدد نظام الحكم في العراق، وتحول المؤسسات الدستورية الى مؤسسات مغلوبة على أمرها، وخاضعة للتهديد والابتزاز المستمر، كما تعرقل التنمية الاقتصادية، وتهدد السلم الاجتماعي، وتدفع العراق دولة وشعبا الى البقاء في دائرة التخلف والتأخر التي عانى منها لوقت طويل..
معظم الأسباب والظروف التي دفعت الحسين عليه السلام للقيام بما قام به سنة 61 هجرية لا زالت قائمة وبدرجات مختلفة في سنة 1447 هجرية، حيث تسود الأنظمة الحاكمة الفاسدة، وينتشر الظلم، واختلال العدالة، والتحلل الاجتماعي، واعوجاج الاحكام والقيم الأخلاقية، والاستئثار بالسلطات والثروات وغيرها من المظاهر الخاطئة التي تلف انظمتنا وقيمنا وعلاقاتنا وتفضيلاتنا ...الخ كل ذلك يستدعي النهضة الحسينية كقيادة وثورة وبوصلة هادية للمصلحين والثوار والناس الراغبين في وضع الأمور في نصابها الصحيح في مجتمعاتنا المعاصرة، ومن يخطأ في فهم هذه النهضة لن يكتب له النجاح في الوصول الى غاياته وأهدافه الإصلاحية المعلنة..