بعد أكثر من شهر على الاحتجاجات الشعبية الكبيرة في إيران وما رافقها من تطورات سياسية على المستوى الداخلي والموقف الاميركي منها، والتهديدات الاميركية للنظام الإيراني في حال استخدام العنف والقتل ضد المتظاهرين بعد المجازر التي قامت بها الاجهزة الامينة الإيرانية، كما تزعم الادارة الاميركية خلال يومي 7 و 8 كانون الثاني 2026 ضد المتظاهرين، ووصول التهديدات الاميركية الى مرحلة التنفيذ الفعلي، الا ان التدخل الخليجي كان له دور في اقناع الادارة الاميركية في التراجع عن توجيه ضربة عسكرية ضد إيران. هذا الموقف اثار الاستغراب في وقت يتصور الكثير ان دول الخليج العربية من مصلحتها انهيار النظام الحاكم في إيران.
وبعد ذلك، تطورت التهديدات حتى وصلت في الايام الاخيرة الى التصريح الواضح من قبل الرئيس الاميركي دونالد ترامب حول إيران: بأن كل الخيارات مطروحة حيث تشهد المنطقة تحركات عسكرية أميركية واسعة مع وصول حاملات طائرات، ومدمرات، ومنظومات دفاع جوي متقدمة، في سياق تصعيد استراتيجي مع إيران، والانتشار البحري والجوي يعكس استعداداً لكل السيناريوهات، من الردع العسكري الى الضربات المباشرة، وسط غياب أي مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة. ومع كل ذلك نلاحظ موقف خليجي غير واضح وغير صريح تجاه التطورات الامينة في المنطقة.
ولتوضيح هذه الاشكالية، لابد من الاجابة على تساؤل مفاده، ما الذي يثير مخاوف الدول الخليجية من الحرب على إيران؟ وماذا تريد دول الخليج العربية من ان تؤول اليه الاوضاع في المنطقة؟ وما هي الدولة الإيرانية التي تريدها دول الخليج العربية من بعد الحرب على إيران اذا ما نشبت؟
منذ المواجهة التي جمعت إسرائيل والولايات المتحدة وإيران في حزيران 2025، تستعد دول الخليج لجولة أخرى من الحرب، مع تسريع جهودها لتعزيز قدراتها الدفاعية. وقد خرجت من المواجهة بنجاح نسبي: إذ لحقت أضرار ببرامج إيران النووية والصاروخية، بينما لم تتعرض دول الخليج نفسها لأي هجوم، باستثناء ضربة إيرانية رمزية على قاعدة العديد في قطر. علاوة على ذلك، لم تتأثر صادرات الطاقة من دول الخليج، مصدر دخلها الرئيس.
الشاغل الرئيسي لدول الخليج على المدى القريب في رد إيراني محتمل يستهدف البنية التحتية الاستراتيجية على أراضيها، بما في ذلك منشآت إنتاج النفط والغاز، ورموز الحكم، ومحطات تحلية المياه، والقواعد العسكرية، لا سيما تلك التي تستضيف القوات الأمريكية. ومن المخاوف الرئيسية الأخرى أي تحرك إيراني لتعطيل خطوط الملاحة قرب مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب ربع حركة النفط والغاز العالمية.
زيادة على ذلك، فإن أي ضرر يلحق بإيران سيؤثر أيضاً على اقتصادات دول الخليج التي تربطها بها علاقات تجارية، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، الشريك التجاري الرئيس لإيران في الشرق الأوسط. وكان الهجوم الإيراني على قطر في حزيران 2025 بمثابة تذكير بهشاشة البنية التحتية في الخليج، على الرغم من أن إيران، بحسب التقارير، قدمت إنذاراً مسبقاً. بل أشارت التقارير إلى أن إيران وجهت رسائل إلى جيرانها في الخليج تحثهم فيها على إقناع الولايات المتحدة بالامتناع عن مهاجمة إيران، محذرةً من أن مثل هذا الهجوم سيؤدي الى رد فعل انتقامي ضد القواعد العسكرية على أراضيهم. علاوة على ذلك، قد تُفعّل إيران وكلاءها الإقليميين، بالضغط على الحوثيين ليس فقط لاستهداف إسرائيل، بل أيضاً لتجديد تعطيل حرية الملاحة في البحر الأحمر، وربما حتى شنّ ضربات ضد دول الخليج نفسها.
كما يُشكّل أي هجوم إيراني على أهداف في دول الخليج تهديداً حقيقياً، تخشى دول الخليج أيضاً من أن تُعجّل حملة أمريكية في إيران بانهيار سريع للنظام في طهران. فهي لا ترى في السقوط السريع للجمهورية الإسلامية نتيجةً مرغوبة، إذ قد يُؤدي إلى زعزعة استقرار واسعة النطاق، تشمل صراعات على السلطة داخل إيران، وتفكك مؤسسات الحكم، وتمكين الجماعات المتطرفة، وموجات محتملة من اللاجئين، وقبل كل شيء، فقدان جهة فاعلة واضحة لإدارة الأزمات.
وبناءً على ذلك، تُفضّل دول الخليج إيران ضعيفة ذات سياسات أكثر اعتدالاً، لا سيما من خلال تقليص برامجها النووية والصاروخية وأنشطتها الإقليمية السلبية. في السنوات الأخيرة، اتخذت دول الخليج خطوات جادة لتحسين العلاقات مع إيران في إطار سياسة الانفراج الدولي، التي أثبتت فعاليتها في رأيها. من وجهة نظرهم، يُعدّ "الشر الذي يعرفونه" أفضل من عدم الاستقرار الذي قد يمتدّ إلى الخليج، مُولّدًا موجات من اللاجئين، ومُعطّلاً التجارة. وقد يُشكّل الربيع العربي أيضًا نقطة مرجعية، تُبيّن أن انهيار الأنظمة لا يُؤدّي بالضرورة إلى الوضوح والاستقرار، بل إلى عدم استقرار مُطوّل.
إيران فاعل معروف؛ فخطوطها الحمراء، وقيودها الداخلية، وأنماط سلوكها الإقليمية مألوفة. في المقابل، قد تكون إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية - لا سيما تلك الناشئة من حركة احتجاجية غير متجانسة - أقل قابلية للتنبؤ. علاوة على ذلك، تخشى الأنظمة الملكية في دول الخليج من "تأثير العدوى"، أي احتمال أن يحفز انهيار النظام الإيراني وظهور نظام سياسي ديمقراطي مكانه موجات من الاحتجاجات في المنطقة (كما كان يحدث عقب احتجاجات الربيع العربي). أخيرًا، قد يُؤدّي سقوط النظام الإيراني أيضًا إلى تحوّل جذري في ميزان القوى الإقليمي وتعزيز كبير لإسرائيل. إن العداء الإيراني تجاه إسرائيل، حتى على المستوى الخطاب، يُسهم في الحفاظ على توازن مألوف.
يُغيّر التقدم الإيراني المتواصل في مجال الصواريخ ميزان القوى الاستراتيجي لغير صالح دول الخليج، مُشكلاً تهديداً ملموساً لحقول النفط والموانئ ومحطات تحلية المياه والمدن الساحلية. وفي الوقت نفسه، يُعد هذا التهديد تحديداً السبب الرئيس وراء حذر دول الخليج العربية.
تعارض دول الخليج توجيه ضربة أمريكية لإيران ليس لاعتقادها بأن مثل هذه الخطوة غير مبررة من حيث المبدأ، بل لأنها مقتنعة بأنها ستتحمل التكلفة المباشرة. وقد يعكس هذا الرفض أيضًا مخاوفها من أن خطط الهجوم لن تحقق النتائج المرجوة، في رأيها. وعليه، قادت السعودية، بالتعاون مع عُمان وقطر، جهودًا هادئة لإقناع واشنطن بتجنب التدخل العسكري، محذرةً من أن انهيار النظام أو التصعيد العسكري سيزعزع أسواق النفط ويهدد استقرارها. وتشير التقارير إلى أن الرياض ومسقط والدوحة ركزت على منع استخدام الخطاب التصعيدي والخطوات العسكرية التي قد تؤدي إلى سوء تقدير وتصعيد. وتُعدّ الضربات ضد دول الخليج باستخدام الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو التخريب البحري أو الوكلاء الإقليميين خيارات متاحة ومألوفة لإيران.
بالنسبة لدول الخليج، يُمثل الصدام الأمريكي الإيراني تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الداخلي والاقتصادي والأمني. لذا، تُعدّ الوساطة أداة دفاعية من وجهة نظرها، ومحاولة لإبعاد ساحة المعركة عن أراضيها، حتى وإن لم يُعالج ذلك الأسباب الجذرية للخلاف. ومن المحتمل أيضًا أن تكون التقارير حول الجهود المبذولة لمنع ضربة أمريكية تهدف الى إتاحة الوقت لتحسين الاستعداد الدفاعي بمساعدة أمريكية، لا سيما في مواجهة الصواريخ. على أي حال، فأن صورة دول الخليج المعارضة للضربة ضد إيران والساعية لمنعها تخدم مصالحها في تخفيف حدة التوتر بينها وبين إيران.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!