مع كل استحقاق انتخابي يشهده العراق، يتكرر مشهد تأخير تشكيل الحكومة، حتى أصبح سيناريو معتادٍ عليه مع كل بداية تشكيل حكومة جديدة؛ ليبرز كظاهرة مقلقة، تشير إلى خلل ما في هيكل الدولة، أو تؤشر على اخطاءٍ سياسية ودستورية، وإشكاليات بنيوية وايديولوجية في النظام السياسي. فليس من الطبيعي، أن يمضي ما يقارب ربع قرن على التجربة الديمقراطية، وما تزال ازمات تشكيل الحكومة والاخطاء السياسية والدستورية، التي رافقت تشكيل أول حكومة ديمقراطية بعد عام 2003، قائمة حتى الآن...! والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، لم يعد يقتصر على: لماذا تتعثر مفاوضات تشكيل الحكومة مع كل عملية تشكيل حكومة جديدة؟ بل امتدّ إلى تساؤل أعمق وصار النظام السياسي محور اسئلته: هل المشكلة تكمن في النظام السياسي القائم نفسه، أم في الأسس الفلسفية والبنيوية، التي يقوم عليها هذا النظام؟ بمعنى آخر، أو بمعنى أدق، هل أصل المشكلة في البنية المؤسسية والقوانين والدستور، أم في الفلسفة السياسية التي تحكم آليات العمل السياسي؟ يسعى هذا المقال، الاجابة على تلك الاسئلة، مع وضع بعض الآليات التي من شأنها أن تُسهم، أو تساعد في حل هذه المعضلة الدائمة.
من الناحية الشكلية، يقوم العراق على نظام برلماني تعددي أُقرّ دستوريًا بعد عام 2003، وفقًا للدستور العراقي النافذ عام 2005. هذا النظام، يفترض أنَّ الانتخابات تفرز أغلبية برلمانية تُشكّل الحكومة، بموازاة، أقلية تمارس دور المعارضة. غير أن التجربة العملية خلال الربع قرن المنصرم من تاريخ التجربة الديمقراطية العراقية، أفرغت هذا التصور من مضمونه. فبدل أن تتبلور أغلبية سياسية واضحة، تتجه القوى والاحزاب السياسية، التي تُدير العملية السياسية إلى بناء تحالفات واسعة قائمة على التوافق والمحاصصة وتقاسم المناصب الحكومية، بحيث تتحول الحكومة إلى ائتلاف شامل يضم معظم، أو كل الكتل والاحزاب السياسية التي افرزتها نتائج الانتخابات. هنا يبدو بأنَّ الأزمة تتجاوز حدود التصَّدع السياسي، أو تتجاوز الفرضيَّة القائلة: بأنَّ الأزمة مجرد صراع أحزاب، لتلامس طبيعة »النظام التوافقي« ذاته، أو تلامس الخلل البنيوي الذي يعانيه هذا النظام، فضلًا عن العادات والاعراف السياسية التي اجهدت النظام السياسي.
وإذا نظرنا إلى المسألة، بوصفها أزمة نظام سياسي، فسنجد أن الإشكال يكمن في آليات توزيع السلطة. فالدستور، الذي أُقرّ في ظل سلطة الائتلاف المؤقتة، حاول إدارة التنوع القومي والطائفي، عبر صيغة تشَّاركية غير مكتوبة، تُعرف بالمحاصصة. هذه الصيغة، وإن لم تُذكر بالدستور، أو منافيه له، فقد أصبحت عرفًا سياسيًا يقضي بتوزيع الرئاسات والوزارات وفق انتماءات مكوّناتية (شيعيَّة، سنيَّة وكُرديَّة) فضلًا عن باقي المكونات، التي تضم الاقليات الدينية والعرقيَّة والأثنيَّة. ونتيجة لذلك، صار تشكيل الحكومة عملية تفاوض معقّدة بين زعماء الكتل، لا بين برامج سياسية متنافسة؛ الأمر الذي أفرغ مجلس النواب من محتواه ودوره الحقيقي (التشريعي والرقابي). في هذا السياق، يبدو التأخر في التشكيل نتيجة طبيعية لبنية مؤسساتية تشجع على الفيتو المتبادل أكثر مما تشجع على الحسم.
وربما يكون حصر تفسير الأزمة في بعدها المؤسساتي تبسيطًا يُخل بفهم أعمق للمشكلة. فحتى الأنظمة الأكثر تعقيدًا، بإمكانها تحقيق حكومات مستقرة إذا توفرت رؤية واضحة للحكم. ومن هنا، يظهر احتمال آخر: أن الأزمة تتجاوز الهياكل المؤسساتية لتصل إلى صلب نظرية الحكم نفسها. فالمنظومة السياسية في العراق، لم تُبنى على رؤية شاملة ومتكاملة لمفهوم الدولة ووظيفتها، بل تأسست على مبدأ تقاسم السلطة كضمانة لمنع تكرار الاستبداد. بمعنى آخر، طغى الانشغال بالخوف من هيمنة طرف معين على حساب السعي لبناء دولة فعّالة. ومن هذا المنظور، فإن الفلسفة التي قام عليها النظام استندت إلى مبدأ "توازن الخوف" بدلاً من "وحدة الهدف". هذا المخاوف وضعت حتى في صياغة الدستور، وفي مسألة تفضيل النظام البرلماني على النظام الرئاسي أو غيره من الانظمة السياسية؛ الأمر الذي وضعنا أمام أزمة مركبة، فنراها تارة أزمة حكم، تمتد إلى الدستور وربما أبعد من ذلك، وتارة أخرى نراها أزمة سياسية، تمتد إلى طبيعة النظام السياسي، والمخاوف وعدم الثقة التي تتبادلها الاحزاب والقوى السياسية العراقية، فضلًا عن الأزمة الذاتية التي تعيشها هذه القوى، ولاسيّما بالجانب الفكر (الايديولوجي). إذ يتجلى الخلل في افتقار النظام إلى مفهوم واضح للأغلبية الحاكمة والمعارضة الفاعلة. فعندما تطرح بعض القوى شعار "حكومة أغلبية وطنية"، تواجه اعتراضات ومخاوف من قوى أخرى ترى في ذلك تهديدًا لمبدأ الشراكة السياسية، او مبدأ تقاسم السلطة. ونتيجة لذلك، يبقى النظام في حالة من التردد بين نهجين متباينين: نهج ديمقراطي تنافسي يقوم على مبدأ تداول السلطة، ونهج توافقي يستند إلى إشراك جميع الأطراف. هذا التردد يعكس أزمة عميقة في مفهوم الحكم لم يتم حسمها بعد: هل العراق يسير نحو نموذج دولة المواطنة السياسية أم سيبقى في إطار دولة المكونات؟
بشكل عام، وكما أشرنا سابقًا، تبدو الأزمة معقدة ومتشابكة ومركبة، يصعب التمييز الواضح بين مستوياتها. إذ يعاني النظام السياسي في العراق من خلل هيكلي يتمثل في غموض مفهوم الكتلة الأكبر، وضعف الانضباط الحزبي للأحزاب الحاكمة، وتشابك الصلاحيات بين السلطات المختلفة. فضلًا عن ذلك، يفتقر النظام السياسي إلى رؤية حاكمة واضحة تحدد الأولويات الوطنية وتدعم بناء تحالفات تتجاوز الهويات الفرعية. وبالتالي، يمكن وصف الأزمة على أنها ذات وجهين: مؤسسات عاجزة عن اتخاذ القرارات الحاسمة، ورؤية غائبة عن تحقيق الوحدة. لهذا فالخروج من هذا المأزق يتطلب مسارين متوازيين. الأول إصلاحي مؤسساتي، عبر تعديل قانون الانتخابات وتوضيح الآليات الدستورية المتعلقة بتكليف رئيس الوزراء، بما يقلل مساحة الجدل. والثاني فكري–سياسي، يقوم على إعادة تعريف معنى الشراكة: هل هي تقاسم دائم للسلطة، أم ضمانة دستورية للحقوق في ظل تنافس سياسي مشروع؟ من دون حسم هذا السؤال، سيبقى كل استحقاق انتخابي مقدمة لأزمة جديدة. فأزمة تشكيل الحكومة في العراق ليست مجرد صراع على مناصب، بل اختبار لقدرة الدولة على التوفيق بين التنوع والوحدة، وبين التوافق والحسم. وإذا لم تتبلور نظرية حكم توازن بين هذين البعدين، فإن النظام سيظل يدور في حلقة مفرغة، إذ تتكرر الأزمة مع كل دورة انتخابية، ويتآكل رصيد الثقة بالديمقراطية ذاتها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!