ان التساهل الرسمي او الاجتماعي مع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار داخل الدولة، ووجود فواعل غير حكومية تسلب الحكومة ارادتها وقوة قرارها ليس ظاهرة طبيعية، بل هي ظاهرة شاذة، غالبا ما تجر اسوء العواقب على الدولة والمجتمع، مما يعني ان تحذير رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي في مقاله أعلاه، ينبغي التعامل معه بجدية كبيرة ، وعلى اعلى مستويات صنع القرار في الدولة والمجتمع، لاسيما القوى والفصائل التي تشجع ظاهرة تعدد مراكز صنع القرار السياسي والأمني، وتدعم عمل الفواعل غير الحكومية، فخطر استمرار هذه الظاهرة لن يتوقف عند حد معين، بل سيشمل الجميع بدون استثناء..
أزمة تشكيل الحكومة في العراق ليست مجرد صراع على مناصب، بل اختبار لقدرة الدولة على التوفيق بين التنوع والوحدة، وبين التوافق والحسم. وإذا لم تتبلور نظرية حكم توازن بين هذين البعدين، فإن النظام سيظل يدور في حلقة مفرغة، إذ تتكرر الأزمة مع كل دورة انتخابية، ويتآكل رصيد الثقة بالديمقراطية ذاتها...
ان وجود حكومة متحكم بها من الكتل السياسية لن يكون ذات جدوى في مواجهة هذه التحديات الغير تقليدية والتي تتطلب قرار سياسيا قويا وحاسما باختيار الاتجاه المناسب الداعم للمصالح الوطنية. وهذا ما ينبغي ان تدركه قوى الاطار التنسيقي في اختيارها لرئيس الحكومة القادمة. فمنهج التحكم والسيطرة على رئيس الحكومة ومؤسسات الدولة لن يخدم المصالح العراقية على المستويات السياسية والامنية والاقتصادية..
ان الاعتقاد بدوام الأفكار والقوى المؤمنة بها بصرف النظر عن جاذبيتها وتأثيرها في المجتمع الذي تطبق فيه هو اعتقاد خاطئ بشكل كبير، فالأفكار والقوى المؤمنة بها يمكن ان تتلاشى يوما ما، بل وتواجه اسوء العواقب إذا ما فشلت في تغيير الحياة نحو الأفضل، وأصبح وجودها أكثر ضررا على الناس من غيابها..
إنَّ تحقيق الإصلاح في العراق يحتاج إلى إرادة سياسية من النخبة، ويمكن تعزيز هذه الإرادة عبر تعاون شبكي بين المجتمع المدني والفاعلين الإصلاحيين داخل النظام؛ لخلق ضغط فعّال من أجل التغيير. فمن دون اجراء إصلاح هيكلي، تبقى الانتخابات في العراق مجرد منافسة نخبوية، ولن تحقق مساءلة المواطنين، لذا فالإصلاح هو السبيل لإعادة بناء الثقة والديمقراطية الحقيقية..
لترسيخ النظام أو البناء الديمقراطي في العراق یحتاج إلى تحولات عمیقة، ومن أهمها تثبیت مبدأ المواطنة بكل دلالاتها كحق لأفراد المجتمع؛ مما یمكنهم من المشاركة في العملیة السیاسیة، وبالتالي فإن غیاب هذا المبدأ أو محاولة تغییبه أو تهميشه، سوف ینعكس سلبًا على أي محاولة لبناء نظام دیمقراطي أكثر استقرارًا. فضلًا عن الاغتراب السياسي، الذي يعد من اهم الآثار المترتبة على العزوف الانتخابي، إذ يتولد شعور لدى اغلب المواطنين، ولاسيما عند فئة الشباب، حالة من اليأس وفقدان الأمل من القدرة على احداث تغيير سياسي أو حكومي أو في نتائج الانتخابات..
من الملح للغاية، والعراق يمر بسنة انتخابية استثنائية تجري في ظروف إقليمية ودولية بالغة التعقيد، ان يتحلى المستوى السياسي بمزيد من الضبط والادراك لفهم عواقب كثير من الاقوال والافعال والمواقف التي تصدر من بعض الساسة والقوى على الامن القومي العراقي، وان يتحولوا بسرعة من قاعدة الصراع الى قاعدة التنافس في العمل السياسي؛ لاستدامة الامن والاستقرار الذي يمر به بلدهم اليوم بما يضمن مصالح الوطن والمواطن..
أن القوى السياسية العراقية كعادتها ستحاول أن تستغل دعوة المرجعية الدينية مرة أخرى وتستقطبها لصالحها، وهو ما بانت ملامحه عبر التسابق بين القوى والاحزاب والشخصيات السياسية العراقية إلى تبني بيان المرجعية الدينية وجعلها خارطة طريق لإدارة الحكم والسلطة والدولة بشكل عام..
ان ما نشهده في هذه الأيام من أصوات متعالية تستهدف الحكومة العراقية ورئيسها ترتبط -للأسف – حول إدارة السلطة في بغداد، فتأثير هذه الحقائق هو الذي يحرك عجلة الدعايات والمواقف المضادة للسوداني، ولا علاقة لما نراه بما يسمى بفشل البرنامج الحكومي او ملفات الفساد والتجسس وغيرها من الملفات المحرجة التي ظهرت مؤخرا، فالخوف من خسارة التأثير والنفوذ السياسي او بعضه لصالح السوداني هو الذي يشكل هاجس القيادات والقوى التي تقف خلف هذه الدعايات والمواقف..
أن انجاح عملية بناء الديمقراطية تعتمد بنسبة كبيرة على جملة من المستلزمات، من بينها إصلاح النظام الانتخابي والقيام بالإصلاحات الدستورية والقانونية الآخرى، بما ينسجم ومتطلبات عملية التحول الديمقراطية في العراق..
لا يمكن للأنظمة السياسية الهجينة أن تبني دولًا قوية، ولا يمكنها أيضًا أن تحقق المصالح الوطنية والاندماج الوطني، وأن تكون أنظمة فاعلة على المستويين (الداخلي والخارجي) من دون أن تفك الارتباط بين القيم الديمقراطية الحقيقية والممارسات التسلطية التي تشوه القانون وتقفز على الدستور وتصدع الثقة بين الحاكم والمحكوم، فضلًا عن الثقة بين مكونات المجتمع..
وفق حكم الاحزاب، وليس حكم القانون، نلاحظ ان العراق وشؤونه المختلفة تحول الى ازمة مستمرة حتى بات يوصف النظام الحاكم انه نظام ازمة. كما ان تلك الاتفاقات، ولأنه غير قانونية، يتم تبريرها بتأويلات وتفسيرات مختلفة للنصوص الدستورية. كما انها تتجاوز الارادة الشعبية وانماط التعايش بين المكونات لمصالح حزبية، اذ يمكن القول ان الاتفاق الاخير هو اتفاق تسليم محافظ كركوك لحزب..
ربما تكون الاسباب القانونية أقل تأثيرًا من الاسباب السياسية في طبيعة تأثيرها على مشاركة المواطن العراقي أو عزوفه الانتخابي، لكنها قد تكون الأكثر تأثيرًا في طبيعة أدامة هذا العزوف الانتخابي للمواطن العراقي، وزرع اليأس فيه من عملية التغيير السياسي..
الاشكالية الابرز للنظام السياسي في العراق انه يفتقد لاهم عناصره وهي الاحزاب السياسية الحقيقية. فــ "الاحزاب والقوى السياسية" في العراق ليست تنظيمات حزبية حقيقية، والكثير منها، وبسبب ايديولوجياتها الدينية، تحرم العمل الحزبي. كما انها لا تؤمن بحرية العبير والارادة الشعبية، وبالتالي لا تنظر للانتخابات بمعناها الحقيقي، بل تنظر لها كوسيلة لتعزيز سطوة ارادتها على الارادة العامة، وبمعنى اخر، تُريد ان تعزز شرعيتها في السيطرة على مفاصل وسلطات ومؤسسات الدولة..
يمثل سانت ليغو طوق النجاة بالنسبة لقوى الإطار التنسيقي التي فقدت ثقة بعض جماهيرها، على الرغم من المال السياسي والسلاح والسلطة والإعلام، وغيرها من الادوات التي تمتلكها ومكنتها من ترسيخ نفوذها طيلة العقدين الماضيين؛ لهذا نراها تراجعت كثيراً عن مطالبها السياسية ومرجعيتها الإسلامية، أزاء كل تطور من شأنه يهدد نفوذها السياسي..
ان فرضية المواجهة المسلحة للانقسام الأفقي ستبقى قائمة، ولاسيما في ظل الانجرار المجتمعي لها بشكل ساذج جداً، وتغليفها بغلاف الثيوقراطية السياسية والحزبية الضيقة، كتلك المفاهيم التي يلجأ لها الإسلام السياسي الشيعي على صعيد السلوك السياسي أو تلك المباركات التي تأتي من رجال ومراجع دين من البيئة الشيعية (المحلية والإقليمية) التي عادة ما تزيد الانقسام الأفقي وترسخه بين المختلفين..
على الرغم من التوقعات التي كان يتم الحديث عنها في اروقة الساسة العراقيين عن امكانية الرفض الدولي والاقليمي لمرشح الإطار التنسيقي، الا ان الدعم الذي تلقاه السيد السوداني بعد التكليف كبير جدا مما يضع الكثير من الاسئلة عن دوافع المجتمعين الدولي والاقليمي عن اسباب هذا الدعم..
بما ان المقاربة الحالية بين الأمريكان وقوى الإطار التنسيقي، تحكمها المواقف والمصالح السياسية والحزبية الفئوية الحرجة، وليس المصالح القومية العليا للبلد، ولاسيما تلك المصالح التي تقوم على اساس الرؤية الرسمية وتخطيط الدوائر المعنية، فأن السيد السوداني لا يمكن ان يلعب دورا أكبر في رسم تلك المقاربة بين الأمريكان والإطار التنسيقي على المدى المتوسط والبعيد..
العراق بحاجة الى صانع قرار يعي ما يريد ولديه الحدود واضحة، بمعنى لا يخلط الامور ويحشر السياسة في جميع الملفات بل يعرف ويحترف توزيع الملفات والمهام، إي يعيد الملفات لأصحاب الاختصاص حيث يولي الاقتصاد لخبراء الاقتصاد، والصحة لخبراء الصحة وهكذا لبقية الملف، إذ لا يمكن أن تحصل على نتائج مختلفة باتباع نفس الطريقة كما يقول انشتاين..
العراق بحاجة الى صانع قرار يعي ما يريد ولديه الحدود واضحة، بمعنى لا يخلط الامور ويحشر السياسة في جميع الملفات بل يعرف ويحترف توزيع الملفات والمهام، إي يعيد الملفات لأصحاب الاختصاص حيث يولي الاقتصاد لخبراء الاقتصاد، والصحة لخبراء الصحة وهكذا لبقية الملف، إذ لا يمكن أن تحصل على نتائج مختلفة باتباع نفس الطريقة كما يقول انشتاين..
المطلوب من رؤساء الأحزاب التي شاركت في المجلس النيابي، من الجمعية الوطنية إلى يومنا، الايعاز إلى أوليائهم في دوائر القرار العاجزين عن مباشرة الاصلاح وخدمة النزاهة الاستقالة واستبدالهم بآخرين، وكذلك الذين ترسخت علاقاتهم بالتجار والمستثمرين والمقاولين ومن على شاكلتهم. ونُذكّر الجميع بأن الضعفاء هم الأولى بإمكانات الدولة والنفوذ المعنوي للقادة. وليس من المعقول دفع الوضع المتأزم نحو حافة الهاوية..
السبب الجوهري في فشل النظام السياسي الحالي ليس عبر تسييس قرارات المحكمة الاتحادية لصالح طرف سياسي دون الآخر، أو في عدم وضوح تعريف الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة، أو حتى في صلاحيات مجالس المحافظات وانتخابهم للمحافظ، بل هو بالدرجة الرئيسة بسبب تغوّل سلطة البرلمان – ومن خلاله سلطة الأحزاب السياسية -على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للدولة العراقية..