الدولة العراقية: مسار الاستمرارية مرتبط بتغيير النفوذ وإدراك المعادلة الاقليمية

الدولة العراقية: مسار الاستمرارية مرتبط بتغيير النفوذ وإدراك المعادلة الاقليمية
الاطارية الشيعية، والتي تصورت ان المواقف الاميركية ستقف عند حدود رفض المالكي، في صدمة كبيرة بفعل سطحية تفكيرها ومحدودية فهمها للمعادلة الجديدة في المنطقة والتي تصر واشنطن على فرضها وهي معادلة الشرق الاوسط الجديد ومحوره السلام والاستقرار والشراكات الاقتصادية، لهذا تصاعدت المطالب الاميركية الى تهيئة بيئة سياسية وامنية وقضائية في العراق مناسبة لعملية السلام في المنطقة

من المسلم به ان اية تطورات في أي من دول منطقة الشرق الاوسط لا تقتصر على الدولة ذاتها من حيث العوامل والتداعيات، بل تمتد الى كل دول المنطقة – بل امتدت الى دول خارج المنطقة. وبقدر تعلق الامر بالشرق الاوسط، فلم تعد الدول بمعزل حتى عما يجري في دول اخرى حتى في الشؤون الداخلية لها سياسيا وامنيا واقتصاديا ...الخ.

ما جرى ويجري بعد تشرين الاول 2023، واحداث الحرب الاسرائيلية في غزة، استمرت تداعياتها الى دول المنطقة وتباينت تأثيراتها وتداعياتها من دولة الى اخرى. فبينما بلغت التداعيات اقصى درجاتها حتى وصل الى تغيير النظام الحاكم كما جرى في سوريا، او مستويات حرب مباشرة كما في الحرب الاسرائيلية في جنوب لبنان، والحرب مع إيران، وأدنى مستويات تجسدت في التأثير واعادة توزيع النفوذ كما يجري في العراق. 

من السطحية التمعن فقط بالتهديدات الاميركية باستخدام ادواتها ضد العراق في حال المضي بتشكيل حكومة جديدة كالحكومات السابقة خاضعة للنفوذ الاقليمي الايراني والمصالح الحزبية، فالأمر أعمق من ذلك بكثير. الامر يتعلق بإعادة هندسة النفوذ الاميركي في المنطقة ككل ومنها العراق. 

العشوائية والازدواجية في السلوك السياسي الخارجي للعراق – والذي ترى فيه الحكومات العراقية نوع من الوسطية والحياد، وعدم احتكار الدولة لعنصر القوة، وتنامي الفساد الذي مول الجماعات المسلحة، كل ذلك وضع العراق في وضع ضبابي غير واضح الموقف ازاء التحالف مع الولايات المتحدة على الرغم من اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين البلدين والتي رسمت خطوطا عامة وتفصيلية للعلاقة. 

هذا الواقع العراقي لم يعد مقبولا اميركيا، ففي الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة من العراق ان يعود لدوره الاقليمي المعهود والتأثير في المعادلة الاقليمية، تجده مترنحا بين دفتي النفوذ والتأثير الايراني. وتنظر الادارة الاميركية الجديدة الى ان الخطأ الاميركي هو الذي اوصل العراق الى هذه الحالة بعد ازاحة النظام السابق عام 2003 وتسليمه للنفوذ الايراني. وهذا ما أشكل عليه الرئيس ترامب عدة مرات. ويبدوا ان ادارة الرئيس ترامب مصرة على تصحيح هذا الخطأ ورفض كل ما نتج عنه من معادلة حكم او منظومة حكم خاضعة للنفوذ الاقليمي، وتهيئة بيئة مناسبة للشرق الاوسط الجديد.

متطلبات داخلية،

طوال أكثر من عقدين بعد 2003، لم تتمكن " القوى السياسية " في العراق من بلورة مشروع دولة متكامل بعيد عن التأثير الخارجي رغم توفر الإطار الدستوري والسياسي، حتى بات الامر معروفاً ومعلناً وبتصريحات وبيانات رسمية. وهذا الامر تجلى في التدخل الايراني في تشكيل معادلة الحكم في العراق بعد 2003 وكذلك النفوذ الاميركي. 

الموقف الاميركي في تشكيل الحكومة القادمة، أصبح هذه المرة – ولأول مرة – أكثر وضوحا وتشددا وحزما حتى أُلحِق به تهديدات مباشرة باستخدام الادوات التي تملكها واشنطن ضد العراق ومنها العقوبات الاقتصادية وايقاف المعونات الامنية والعسكرية والعقوبات على شركة تصدير النفط سومو والبنك المركزي العراقي.

الواقع السياسي والاقتصادي ومآلات الفساد لم يعد مقبولا داخليا بسبب معدلات الفقر وفقدان سيطرة الدولة على كامل اقليمها، وصراع المحاصصة والسلاح المنفلت. وهذا جلي واضح من نسب المشاركة السياسية في التصويت، وترى الكثير من الفعاليات الاجتماعية والثقافية ان الثقة بهذه القوى السياسية انعدمت ولم تعد هذه القوى ممثلة للشعب، وبالتالي كيف تسير به الى المواجهة مع الادوات الاميركية العنيفة في حال تطبيقها. 

اشتراطات اميركية،

اجمالا، الحقيقة الثابتة والواضحة للمراقب، ان الولايات المتحدة تريد اعادة هندسة النفوذ الاميركي في المنطقة ومن دون مزاحمة من قبل النفوذ الايراني الواضح، والذي لعب دوار كبيرا عقب التغيير السياسي في العراق بعد 2003. وهذا بائن من سرعة تراجع النفوذ الايراني في لبنان، وانهاءه في سوريا واضعافه والسعي لتراجعه في العراق. والعمل يجري بفرض النفوذ الاميركي في المنطقة، وفيما يرتبط بالحالة العراقية، تدرك الولايات المتحدة ان العراق طالما كان المورد الرئيس للدولار الى طهران ، ويبدوا ان الولايات المتحدة تسير باتجاه اعادة هيكلة النظام السياسي في العراق سياسياً ومؤسساتياً كما يتضح ذلك في الرسالة التي سلمتها الخارجية الاميركية الى سفير العراق في واشنطن والتي تجاوزت حصر السلاح ورفض ترشيح المالكي الى اصلاح القضاء واستقلاله وابعاده عن التأثير السياسي، وان تكون الحكومة مسؤولة امام الشعب، والقضاء على الفساد، ومواجهة غسل الاموال وتصحيح وضع الحشد الشعبي ودمجه ضمن اطار مؤسساتي يقتصر على وزارتي الداخلية والدفاع فقط.

براغماتية بعض القوى السياسية

بعد الرسائل الاميركية المتتالية والتي انتقلت من صيغة التصريحات الاعلامية او التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الرئيس ترامب وبعض مسؤولي الادارة الاميركية، الى صيغة دبلوماسية تمثلت بتسليم رسالة رسمية الى السفارة العراقية في واشنطن والتي بدورها سلمتها الى بغداد. هذا الموقف الاميركي في بداياته كان معارضا لتولي نوري المالكي رئاسة الحكومة، الامر الذي دفع بعض القوى السياسية مثل حركة تقدم وبعض قوى الاطار التنسيقي الى معارضة ترشيح المالكي لتشكيل الحكومة. وهذه القوى ربما أدركت متأخرة خطورة مواجهة النفوذ الاميركي في حال مضيها في ترشيح المالكي. لكن المطالب الاميركية لم تعد تقتصر على رفض المالكي.

اليوم حتى القوى الاطارية الشيعية، والتي تصورت ان المواقف الاميركية ستقف عند حدود رفض المالكي، في صدمة كبيرة بفعل سطحية تفكيرها ومحدودية فهمها للمعادلة الجديدة في المنطقة والتي تصر واشنطن على فرضها وهي معادلة الشرق الاوسط الجديد ومحوره السلام والاستقرار والشراكات الاقتصادية، لهذا تصاعدت المطالب الاميركية الى تهيئة بيئة سياسية وامنية وقضائية في العراق مناسبة لعملية السلام في المنطقة.

لهذا نرى ان القوى الشيعية لابد ان تتحلى بتفكير وفهم بمستوى واقع المعادلة الاقليمية والدولية الجديدة – كون هذه القوى الشيعية هي المعني الاول بالاشتراطات الاميركية الجديدة، ومن ثم تأتي بعدها القوى الكردية والسنية. وان يدركوا ان الاتفاقات الحزبية في تشكيل الحكومات السابقة والقائمة على تقاسم مغانم السلطة من وزارات وهيئات ومديريات هي خلال الارادة الشعبية بالدرجة الاساس، وخلال الارادة الدولية. كذلك إدراك أن القرارات امام الحكومة القادمة هي قرارات استراتيجية تتعلق بمصير الدولة العراقية داخليا واقليميا. وان الواقع الاقليمي يتطلب حكومة صاحبة قرار وقوية في قرارها بدءا بإنهاء النفوذ الايراني ومواجهة السلاح خارج الدولة، ومرورا بمواجهة الفساد وغسيل الاموال وتمويل الارهاب، وتهريب النفط، واصلاح سياسي واقتصادي ومالي شامل يجعل من الحكومة مسؤولة امام الشعب وليس امام الاحزاب المتحكمة بالمشهد السياسي والامني

أ. د. حسين أحمد السرحان

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!