بعد مرور ما يقارب من اربعة أشهر على الانتخابات البرلمانية الاخيرة في العراق في 11/11/2025، والى الان – وحتى قبل الحرب الايرانية مع الولايات المتحدة واسرائيل - لم تبرز صورة واضحة لإدارة السلطات في العراق، سوى هيئة رئاسة مجلس النواب التي واجهت رفضا اميركيا على النائب الاول لرئاسة المجلس، واتفاقا على ترشيح نوري المالكي لتشكيل الحكومة ، والذي واجه رفضا اميركيا قاطعا وتهديدا بالعقوبات عبر اكثر من رسالة مباشرة وتصريح وبيان من الجانب الاميركي.
السلطة السياسية في الحكومات الستة الماضية بعد الاحتلال، والتي تشكلت عبر توافقات محلية معيارها الاساس تقاسم المغانم، ومعادلة خارجية (ايرانية – اميركية) معيارها تقسيم النفوذ، لم تعد كافية لرسم ملامح السطلة وتشكيلها وفق اطار السلطات والمؤسسات، لا بل الانكى من ذلك، ان التوافقات المحلية (تقاسم المغانم) لم تعد تلعب الدور الحاسم في تشكيل الحكومات، بل اصبح للإرادة الدولية الدور الحاسم في تشكيل وهيكلة السلطة السياسية في العراق.
ما اوصل العراق الى هذه الحالة، هو بقاءه متأرجحاً بين حالة الدولة واللادولة، النظام واللانظام، المصالح الوطنية والمصالح الاقليمية، بين المواطنة والانتماءات الفرعية الطائفية والعرقية والحزبية، والحكومات تتقاذفها ارادات الكتل السياسية المتحكمة بالمشهد السياسي وفقا لمصالحها وتبعيتها الى الخارج. ولهذا لم ينضج مشروع للدولة حقيقي واضح المعالم والرؤية السياسية والرؤية الاقتصادية ومن ثم تتبعها الرؤية الاجتماعية والثقافية .. الخ.
بعد عدة انتخابات تشريعية - من الطبيعي ان يصل الحال بالدولة العراقية الى هذه الحالة الفوضوية الخالية من السلطة انتظاراً لما ستؤول أليه الحالة الاقليمية وجيوسياسية المنطقة.
بعض المراقبين وعناصر الكتل "الشيعية" في الاطار التنسيقي وباقي الكتل السياسية وخارجها- وبسطحية واضحة – تفكر بأن ما سينتج عن الحالة التصارعية في المنطقة سيمثل حالة انفراج لتشكيل السلطة في العراق ويمكن ان ينضج عملية تشكيل الحكومة وباقي الاستحقاقات الدستورية في العراق.
عمليا، الاطراف المتصارعة نفسها لا تتحدث عن انتصار او ما شابه، بقدر ما تتكلم وتعلن عن اهداف لتحقيقها من دخولها الى الحالة التصارعية، وليس بلورة السلطة السياسية في العراق من ضمن اهداف الاطراف المتحاربة ، بل تنظر للعراق كورقة جيوسياسية (سياسيا واقتصاديا) يمكن العمل على ربحها في المستقبل النظور بعد الحرب!
الكتل السياسية العراقية يجب ان تدرك ان الارادة الاميركية ومن خلفها بعض الارادة الدولية والاقليمية، لم تعد تستقبل حالة الاستقواء الايرانية في المنطقة وبالتالي تباعا، تنظر لحالة اللادولة في العراق ولبنان انها مكنت ايران من مد نفوذها وتوظيف البلدين جيوسياسيا وجيواقتصاديا للالتفاف على العقوبات الدولية وبيع النفط خارج منظومة الدولار، وبالتالي خارج المنظومة الاقليمية في تمويل اذرعها في المنطقة، الامر الذي جعل تلك الاذرع اقرب الى التعامل معها بعيدا عن القنوات الدبلوماسية.
المرحلة الحالية بتعقيداتها وتداخل عواملها وتصارع اراداتها الاقليمية والدولية عصية الفهم بالنسبة للقوى المتحكمة بالمشهد العراقية سياسيا وامنيا واقتصاديا، فهي في صدمة من عدم وجود توافقات محلية ومعادلة خارجية ضامنة لتقاسم السلطة وهياكلها من جديد وكما في السابق، وترى ان استدامة المكاسب في خطر مُحدق ووجودي بالنسبة لها، فعدم استدامة المكاسب له تداعياته على الوضع الانتخابي لها، وعلى تمويل تفرعاتها الاعلامية (الدعائية) والمسلحة.
الارادة الاميركية مشخصة الوضع بالعراق بدقة متناهية وترى في حالة اللادولة في العراق انها عامل مساعد بقوة على تعزيز قدرة ايران على اداء دور اقليمي وعالمي التفافا على العقوبات الاقتصادية المتصاعدة. وهذا يتعارض من ارادة اميركية بإعادة هندسة النظام العالمي من جديد.
يحتل ملف إيران موقعًا مركزيًا في نقاشات النظام العالمي الجديد. فمنذ نحو خمسة عشر عامًا، تقوم إيران ببيع جزء مهم من نفطها عبر آليات خارج الدولار. ومن المعروف أن التجارة مع الصين، على وجه الخصوص، تشمل استخدام الذهب والعملات المحلية. وهذا الوضع لا يمثل مجرد خيار اقتصادي، بل يُنظر إليه أيضًا على أنه تحدٍ استراتيجي موجه الى نظام الطاقة العالمي القائم على الدولار. والعراق بات مساهم، وفقا لتقرير دولية وصحفية، في اخراج النفط الايراني وتصديره على انه نفط عراقية واصبح الامر مكشوفا لدوائر الاستخبارات الدولية وبالخصوص الاميركية وفقا لما فصلته صحيفة جورنل وول ستريت.
ان الحرب مع إيران، والمخاطر الأمنية الإقليمية، وانتقال تنافس القوى الكبرى إلى المنطقة، كلها عوامل تُنشئ معادلة جديدة. ولهذا السبب لم يعد ملف إيران اليوم مجرد نقاش أمني أو جدل حول البرنامج النووي كما كان ولايزال يُشاع؛ بل أصبح أيضًا إحدى العقد الأساسية في بنية الطاقة والتمويل والجيوسياسة للنظام العالمي الجديد.
ولهذا، لن يكون العراق (ظرفية اللادولة) بمعزل عن ما سيجري في المنطقة وسيواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية شديدة لحرفه عن حالة اللادولة دعما للترتيبات الدولية والاقليمية الجديدة الداعمة للنظام العالمي الجديد، وليكون مساهم جيد في البنية الطاقوية والتمويلية للنظام العالمي المراد ترتيبه في المستقبل المنظور.
ولهذا، فأن التصحيح السياسي الذي اصبح متعذر اجراءه من قبل "القوى السياسية" المتحكمة في العراق، سيتم العمل عليه بإرادة دولية واميركية، ولا يمكن ترك البلاد لعرابي الفساد ومتسيدي حالة اللادولة واللانظام وتمييع الدولار بالظل بعيدا عن منظومة الدولار العالمية، تلك المنظومة التي تسعى الولايات المتحدة الى بقاءها متفردة ومسيطرة على النظام الاقتصادي العالمي. وهذا ما جرى في فنزويلا ، وما سيجري في دول اخرى في اميركا اللاتينية مثل كوبا وكولمبيا وغيرها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!