إنَّ فكرة الدولة القومية الحديثة، التي جاءت بها الادبيات السياسية والقانونية بعد معاهدة وستفاليا، تقوم على مبدأ أساسي، وهو احتكار القوة المشروعة، الذي يمنحها القدرة على تطبيق القانون وحماية المواطنين وصيانة السيادة الوطنية. فالدولة، تعد الكيان الوحيد الذي يحق له احتكار القوة واستخدامها، ومن دون هذا الاحتكار، تتعرض سلطة الدولة للتآكل، وتصبح قدرتها على إدارة الشأن العام، مرهونة بتوازنات القوة خارج المؤسسات الرسمية. والدولة ذات السيادة، لا تكتمل أركانها، إلا بوجود سلطة مركزية تمتلك وحدها حق استخدام القوة المشروعة داخل حدودها، وهو المبدأ الذي تطور لاحقًا في الادبيات السياسية مع طروحات (ماكس فيبر) حول احتكار الدولة للعنف المشروع.
وتأكيدًا لتلك الادبيات، لا بد أن تكون الدولة، هي المالك الوحيد لهذه القوة، وهذا ما يقودنا إلى موضوع حصر السلاح بيد الدولة دون غيرها، إذ لا يمكن الحديث عن سيادة القانون أو استقرار النظام السياسي في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة خارج المؤسسات الرسمية. وفي العراق، اكتسب هذا الملف أهمية كبيرة واستثنائية بعد عام 2003؛ بسبب التغيير السياسي، وما ارتبط به من تحولات سياسية وأمنية التي شهدها البلد، وما رافقه من ظهور تشكيلات مسلحة متعددة الدوافع والانتماءات؛ الأمر الذي جعل قضية نزع السلاح وحصره بيد الدولة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وتأثيرًا في مستقبل الدولة العراقية.
إذ واجه العراق خلال السنوات الماضية، او خلال العقدين الماضيين بالتحديد، تحديات أمنية خطيرة، تمثلت بظهور الإرهاب والعنف الطائفي والصراعات السياسية، وما ارتبط به من تداعيات الانقسام المجتمعي والحرب الاهلية، بموازاة عدم الاستقرار السياسي، وغياب سلطة أنفاذ القانون؛ الأمر الذي أوجد بيئة خصبة، سمحت بانتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية. ومع ظهور تنظيم »داعش« عام 2014 وما شكله من تهديد وجودي على مستقبل العملية السياسية والدولة العراقية بشكل عام، ونتيجة للانتكاسات التي تعرضت لها القوات الأمنية العراقية، ظهرت الحاجة مرة أخرى إلى تشكيل قوى مسلحة إلى جانب القوات الأمنية الرسمية، لدفع خطر تنظيم داعش، وتحرير الأراضي التي احتلها. إلا أنَّ بعد انتهاء الحرب ضد الإرهاب، وتلاشي خطر التنظيمات الإرهابية، ونتيجة لحالة الاستقرار النسبي؛ أعاد إلى الواجهة السؤال الجوهري المتعلق بفرضيات حصر السلاح بيد الدولة، ودوره في مرحلة بناء الدولة واستكمال مؤسساتها.
إنَّ حصر السلاح بيد الدولة، ليس معناه التقليل من التضحيات التي قدمتها القوى السياسية والجماعات المسلحة المرتبطة بها، التي شاركت في الدفاع عن البلد، بقدر ما يمثل خطوة ضرورية للانتقال من منطق التعبئة الأمنية الاستثنائية، إلى منطق بناء الدولة، والامتثال للدستور العراقي، والمساهمة في دعم عملية الاستقرار، وحصر القوة بيده الدولة وفقًا للدستور والقانون. فالدولة في كل الادبيات السياسية، هي الجهة الوحيدة المخولة بفرض الأمن وحماية الحدود وتنفيذ القانون، إلا أنَّ تعدد الجهات المسلحة، وتعدد مراكز القوة، يؤدي إلى خلق ازدواجية في القرار الأمني، وإضعاف قدرة المؤسسات الرسمية على أداء وظائفها، ويؤدي أيضًا إلى انتقائية في تطبيق القانون، ويخلق قناعة تامة لدى الشعب والرأي العام (المحلي والعالمي)، بضعف الدولة وعدم قدرتها على ضبط امنها وحماية شعبها وأرضيها.
فمن الناحية السياسية، يشكل انتشار السلاح خارج إطار الدولة، تحديًا أمام عملية بناء الديمقراطية والنظام السياسي. إذ إنَّ وجود قوى وجماعات مسلحة، تشارك الدولة قرارتها السياسية والأمنية، أو قد تكون مستقلة في قرارها السياسي والأمني عن الدولة، وتمتلك نفوذًا مستقلًا، يؤثر في التنافس السياسي والانتخابي، ويحد من تكافؤ الفرص بين القوى والأحزاب المختلفة، ويزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي، وحالة عدم الثقة بالدولة ومؤسساتها. فضلًا عن ذلك، فأنَّ احتكار الدولة للقوة والسلاح، يعد شرطًا أساسيًا لترسيخ مبدأ المواطنة، إذ يصبح جميع افراد الدولة والجماعات، خاضعين للقانون نفسه، بعيدًا عن موازين القوة المسلحة أو النفوذ غير الرسمي.
أما على المستوى الاقتصادي، فأن حصر السلاح بيد الدولة، ينعكس على الوضع الأمني بشكل مباشر؛ الأمر الذي ينعكس على البيئة الاستثمارية والتنمية في البلد بشكل عام، فالاستقرار الأمني، يشجع المستثمرين ورأس المال على الاستثمار، فالمستثمر المحلي أو الأجنبي يبحث عن بيئة مستقرة تحكمها مؤسسات واضحة وقوانين نافذة، بعيدًا عن الابتزاز والمساومات، وعلى العكس من ذلك، فأن انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية، يثير مخاوف الشركات والمستثمرين، بشأن الاستقرار والأمن القانوني. ولعل ما حدث في العراق طيلة العقدين الماضيين، مثال واضح على ذلك. فضلًا عن ذلك، فإن نجاح الدولة في فرض سيطرتها الكاملة على الملف الأمني، يمثل عاملًا مهمًا في دعم النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
على الرغم من ذلك، إنَّ تحقيق هدف حصر السلاح بيد الدولة، يواجه جملة من التحديات الواقعية، التي تفرضها المعادلة السياسية العراقية، والتوازنات الإقليمية. فهناك تعقيدات سياسية واجتماعية وأمنية متراكمة طيلة العقدين الماضيين، وحالة عدم الثقة بين القوى السياسية، فضلاً عن المخاوف التي تلقيها بعض القوى السياسة من حالة الفراغ الأمني، أو من عودة التهديدات الإرهابية، أو غيرها من المخاوف التي تتعلق بشأن مستقبل الحاكمية الشيعية ومستقبل النظام السياسي القائم وطبيعة الحكم. كما أن البيئة الإقليمية المضطربة والصراعات الدائرة في المنطقة، والاصطفافات الطائفية، ستلقي بظلالها على المشهد العراقي وموضوعة حصر السلاح بيد الدولة؛ الأمر الذي يزيد الوضع تعقيدًا، أو يزيد من صعوبة الوصول إلى حلول سريعة أو حاسمة؛ لذلك فإن معالجة هذا الملف، تتطلب اعتماد مقاربة شاملة ومتدرجة، تستند إلى الحوار الوطني والتوافق السياسي، مع تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية وتطويرها، بما يضمن قدرتها على حماية البلاد ومواجهة التحديات المختلفة. كما يتطلب الأمر ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوفير ضمانات قانونية ومؤسساتية تجعل من الدولة المرجعية الوحيدة للأمن والدفاع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإصلاح المؤسسي وتفعيل سيادة القانون باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لإنجاح أي مشروع يهدف إلى تنظيم السلاح. فالمواطن لن يقتنع بضرورة حصر السلاح بيد الدولة، ما لم يشعر بأن مؤسسات الدولة قادرة على حمايته وتوفير الأمن والعدالة له بصورة متساوية. لذلك فإن نجاح هذا المشروع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة على تحسين الخدمات العامة وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد وبناء مؤسسات فعالة تحظى بثقة المواطنين.
صفوة القول، إنَّ حصر السلاح بيد الدولة، سيبقى هدفًا استراتيجيًا، يرتبط بمستقبل العراق واستقراره السياسي والأمني. ورغم ما يكتنف هذا الملف من تعقيدات وتحديات، فإن المضي نحو بناء دولة قوية وقادرة، يقتضي إيجاد معادلة توازن بين متطلبات الأمن واحترام التضحيات الوطنية من جهة، وبين ضرورة ترسيخ سيادة القانون واحتكار الدولة لاستخدام القوة من جهة أخرى. فكلما اقترب العراق من تحقيق هذا الهدف، ازدادت فرصه في بناء دولة مستقرة ومزدهرة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بثقة واقتدار. فدعوات حصر السلاح بيد الدولة، لا ينبغي فهمها بوصفها إعلان مواجهة مع طرف دون غيره، أو الوقوف مع طرف دون آخر، بقدر ما هي ضرورية أمنية وسياسية وقانونية في عملية استكمال بناء الدولة على أسس صحيحة ومعايير متكاملة؛ لأن الدولة لا تُقاس بتعدد مراكز القوى وعدد القوى المسلحة الموجودة فيها، وإنما بقدرتها على توحيد القرار الأمني والعسكري ضمن مؤسسات شرعية خاضعة للدستور والقانون. فكلما تعددت مراكز القوة، ازدادت احتمالات تضارب القرارات وتراجع هيبة الدولة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!