بين السياسة والاقتصاد: قصة الاحتياطي الفيدرالي وخلاف ترامب- بأول

بين السياسة والاقتصاد: قصة الاحتياطي الفيدرالي وخلاف ترامب- بأول

لم يكن تأسيس مجلس الفيدرالي الاحتياطي Federal Reserve Board of Governance في الولايات المتحدة أمراً سهلاً أو وليد لحظة عابرة، بل كان ثمرة قرن كامل من الصراعات السياسية والانهيارات الاقتصادية والاتفاقيات السرية، فبعد استقلال الولايات المتحدة، كان هناك خوف من تركيز السلطة المالية في يد جهة واحدة (بنوك نيويورك وول ستريت)، وقد حاول ألكسندر هاميلتون تأسيس بنك مركزي، وبالفعل أُنشئ البنك الأول للولايات المتحدة ثم البنك الثاني، لكن الآباء المؤسسين والرؤساء اللاحقين قاموا بإلغائها بسبب الشكوك في أنها تخدم الأثرياء فقط، بعد ذلك دخلت الولايات المتحدة الامريكية في حقبة عُرفت بـ (حقبة المصارف الحرة)، إذ كان يحق لأي بنك تجاري طباعة عملته الورقية الخاصة، أدى هذا إلى فوضى عارمة، وتزوير مستمر، وانهيارات مالية متكررة .

1- نشأة الاحتياطي الفيدرالي وتطوره: الولادة السرية 

في عام 1791 قاد ألكسندر هاميلتون حركة تدعو إلى إنشاء أول بنك مركزي للولايات المتحدة الامريكية برأس مال بلغ 10 ملايين دولار، اكتتبت الحكومة الفيدرالية منها مليوني دولار، بينما اكتتب الأفراد بالباقي، وعُين 5 من أعضاء مجلس الإدارة البالغ عددهم 25 عضواً من الحكومة، بينما اختار المستثمرون باقي الأعضاء العشرين، كان المقر الرئيسي له في فيلادلفيا، وله فروع في مدن رئيسة أخرى، مارس البنك الوظائف المصرفية الأساسية كقبول الودائع، إصدار الأوراق النقدية، تقديم القروض، شراء الأوراق المالية، واصبح أكبر مؤسسة في الولايات المتحدة، وكان له فائدة كبيرة لكل من التجارة الأمريكية والحكومة الفيدرالية. 

وفي عام 1811 فشل اقتراح تجديد البنك بفارق صوت واحد فقط في مجلس الكونغرس، وسرعان ما عمت الفوضى نتيجةً لحرب 1812 وغياب آلية مركزية لتنظيم العمل المصرفي والائتماني، وبعد تدهور الوضع إلى درجة أنه في عام1816، قُدم مشروع قانون لإنشاء بنك ثانٍ للولايات المتحدة إلى الكونغرس، وقد أُقر هذا المشروع بصعوبة، ووقّعه الرئيس جيمس ماديسون ليصبح قانوناً نافذاً، وقد أشار هنري كلاي رئيس مجلس النواب، إلى إن قوة الظروف ودروس التجربة كأسباب لإدراك أهمية وجود بنك مركزي للاقتصاد الأمريكي.

كان هذا البنك مشابهاً للأول، إلا أنه كان أكبر بكثير برأسمال بلغ 35 مليون دولار، كان من المقرر أن يستمر ترخيص هذا البنك لمدة عشرين عاماً، وكانت الحكومة الفيدرالية تمتلك خُمس أسهمه، بينما عين الرئيس خُمس أعضاء مجلس إدارته، وكان هذا البنك مشابهاً لسلفه في تمتعه بنفوذ هائل وقد عده العديد من المواطنين والسياسيين ورجال الأعمال تهديداً لهم وللديمقراطية الأمريكية، وكان من أبرز معارضيه الرئيس أندرو جاكسون الذي أعلن في عام1829 معارضته للبنك واستمرارهُ، واستندت حجة جاكسون إلى اعتقاده بأن (تركز السلطة في أيدي قلة من الرجال غير المسؤولين أمام الشعب أمر خطير) وقد حظي هذا الرأي بتأييد شعبي، وعندما انتهى الترخيص في عام 1836 لم يتم تجديده.

وفي عام 1863 تم صدور قانون المصارف الوطنية مع تعديلاته لعامي 1864 و1865 والذي يهدف إلى تعزيز الشفافية والأمان في النظام المصرفي من خلال إدخال وتشجيع إصدار أوراق نقدية من قبل بنوك مرخصة على المستوى الوطني بدلًا من البنوك المرخصة من الولايات، وتم أنشاء مكتب مراقب العملة الذي أصدر تراخيص مصرفية وطنية وراقب البنوك اللاحقة، وأصبحت هذه البنوك خاضعة لمتطلبات رأسمالية صارمة، واضطرت إلى ضمان الأوراق النقدية بأصول من سندات الحكومة الأمريكية، وساهمت بنود تشريعية أخرى في تحسين النظام المصرفي من خلال توفير رقابة أكبر وعملة متداولة أكثر قوة، وقد أثبت التشريع المصرفي الوطني عدم كفايته بسبب غياب هيكل مصرفي مركزي، وأدى عجز النظام المصرفي إلى تقلبات حادة في الاقتصاد، ومع نمو الاقتصاد الصناعي الأمريكي وازدياد تعقيده في نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت نقاط الضعف في النظام المصرفي بالغة الأهمية، وأدت دورات الازدهار والركود الناتجة عن العملة غير المرنة والاحتياطيات الجامدة إلى أزمات مالية متكررة مما أدى إلى كساد اقتصادي، وفي عام 1893، شهدت الولايات المتحدة كساداً حاداً، مخلفاً وراءه حالة من عدم اليقين الاقتصادي( ).

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1907 تعرضت البنوك الأمريكية لأزمة سيولة خانقة أدت إلى تهافت المواطنين لسحب أموالهم، وأوشك النظام المالي الأمريكي بأكمله على الانهيار التام، وفي غياب بنك مركزي يضخ السيولة، تدخل الملياردير الشهير جون بيبونت مورجان J.P. Morgan واستخدم ثروته الشخصية ونفوذه لإجبار كبار المصرفيين على ضخ أموالهم لإنقاذ البنوك المتعثرة.

في تشرين الثاني/نوفمبر 1910، تلقى ستة من كبار رجال المال والسياسة في أمريكا (يمثلون وول ستريت والحكومة) دعوة سرية للغاية، وركبوا قطاراً خاصاً تحت أسماء مستعارة حتى لا يكتشفهم الصحفيون، وتوجهوا إلى جزيرة جيكلJekyll Island النائية في ولاية جورجيا، قضى هؤلاء الرجال قرابة أسبوعين في عزلة تامة، وصاغوا المخطط الأولي لما سيصبح لاحقاً (الاحتياطي الفيدرالي)، خرج المجتمعون بصيغة ترضي السياسيين والشعب والمصرفيين، فلن يكون هناك بنك مركزي واحد في العاصمة بل نظام احتياطي فيدرالي يتكون من مجلس حكومي معين من قبل رئيس الدولة في واشنطن لضمان الرقابة العامة، و12 بنكاً إقليمياً موزعة على الولايات لتمثيل مصالح الأقاليم والقطاعات الخاصة، وبعد نقاشات داخل أروقة الكونغرس بين المؤيدين والمعارضين، تم إقرار قانون الاحتياطي الفيدرالي، وفي 23 كانون الأول/ديسمبر 1913 وقع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون Woodrow Wilson على القانون ليبدأ عهد جديد أصبحت فيه الدولة وليس الأفراد هي المسيطرة على طباعة العملة وإدارة الأزمات المالية.

في سنواته الأولى، لم يكن الفيدرالي بالقوة التي يتمتع بها اليوم، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال أزمة الكساد العظيم Great Depression، إذ فشل في احتواء الانكماش الاقتصادي ومنع انهيار البنوك، هذا الفشل دفع إلى إعادة التفكير في دوره، وأدى إلى توسيع صلاحياته وزيادة تدخله في الاقتصاد، وفقد الاحتياطي الفيدرالي جزءً من استقلاله إبان الحرب العالمية الثانية، إذ اضطر إلى دعم الحكومة في تمويل الحرب عبر إبقاء أسعار الفائدة منخفضة، غير أن نقطة التحول الحاسمة جاءت مع اتفاق Treasury-Fed Accord عام 1951، الذي أعاد للفيدرالي استقلاليته عن وزارة الخزانة، ومهد الطريق لدوره الحديث كمؤسسة مستقلة نسبياً. 

إن اتفاق الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة يمثل أهم المنعطفات التاريخية في تاريخ النظام المالي العالمي، ويُعرف هذا الاتفاق بأنه (وثيقة استقلال الاحتياطي الفيدرالي)، وهو الاتفاق الذي فصل رسمياً بين السياسة النقدية التي يديرها البنك المركزي، إذ تم إعفاء الاحتياطي الفيدرالي من التزامه بتثبيت أسعار الفائدة على الديون الحكومية وأصبح من حقه رفع أو خفض الفائدة بناءً على المؤشرات الاقتصادية (التضخم والتوظيف) وتحرير السياسة النقدية(استقلالية البنك المركزي) من جهة، وبين إدارة الديون الحكومية (التي تديرها وزارة الخزانة) من جهة أخرى.

ثانياً: من مارينر إيكلز إلى كيفين وارش: رؤساء حركوا اقتصاد العالم

لم يكن منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي يوماً منصباً إدارياً تقنياً فحسب، بل كان دائماً بمثابة عجلة القيادة للاقتصاد الأمريكي بشكل خاص والاقتصاد العالمي بشكل عام، على مر العقود، تعاقبت شخصيات تركت بصمات واضحة، وصاغت سياسات تجاوز أثرها حدود الولايات المتحدة، فقد رسّخ وليام مارتن الابن مبدأ الاستقلال النقدي، مؤكداً ضرورة كبح التضخم حتى في أوقات الرخاء، وفي سبعينيات القرن الماضي واجه آرثر بيرنز ضغوطاً سياسية كبيرة لا سيما من الرئيس نيكسون مما ساهم في تفاقم معدلات التضخم.

أما التحول الجذري فجاء مع بول فولكر الذي اتخذ قرارات جريئة برفع أسعار الفائدة بشكل حاد في مطلع الثمانينيات، واضعاً حداً لحقبة التضخم المرتفع، رغم ما ترتب على ذلك من ركود مؤقت لاحقاً، أما آلان جريسبان فقد قاد الاحتياطي لمرحلة هي الأطول بعد ويليام الابن اتسمت بالاستقرار والنمو الطويل، وإن كانت سياساته قد تعرضت لانتقادات بسبب مساهمتها في تضخم فقاعات الأصول.

مع بداية القرن الحادي والعشرين، واجه الفيدرالي تحديات غير مسبوقة، أبرزها الازمة المالية العالمية (ازمة الرهن العقاري 2007-2008) إذ لعب بن برنانكي دوراً محورياً في إنقاذ النظام المالي من الانهيار عبر سياسات غير تقليدية مثل التيسير الكمي، واستمر هذا النهج مع جانت يلين التي ركزت على دعم سوق العمل وتحقيق تعافٍ تدريجي.

وخلال حقبة جيروم بول وجد نفسه في مواجهة تحديات مركبة، شملت تداعيات COVID-19 Pandemic، إلى جانب ضغوط سياسية غير مسبوقة من الرئيس دونالد ترامب، الذي انتقد سياسات الفيدرالي علناً مطالباً بخفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي.

جدول (1) رؤساء الاحتياطي الفيدرالي منذ نشأته لغاية منتصف 2026 

ثالثاً: بين السياسة والاقتصاد: صراع ترامب وجيروم باول 

يمثل الصراع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي وجيروم باول تجسيد حي لأكبر صراع مؤسسي (سيو اقتصادي Politico economic) في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية.

ولد باول في واشنطن عام 1953 درس السياسة في جامعة برينستون، ثم حصل على دكتوراه في القانون من جامعة جورج تاون عام 1979، انتقل باول إلى نيويورك ليعمل في قطاع الاستثمار المصرفي، وأصبح شريكاً في مؤسسات مالية كبرى مثل (مجموعة كارلايل كروب)، إذ جمع ثروة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، مما جعله واحداً من أغنى مسؤولي الفيدرالي في التاريخ.

تم تعيينه من الرئيس جورج بوش الأب في أوائل التسعينات كمسؤول رفيع في وزارة الخزانة الأمريكية وأشرف على تحقيقات تتعلق بتلاعب بنك (سالومون براذرز) بسوق السندات، مما صقل خبرته في إدارة الأزمات النقدية، في عام 2012 قام باراك أوباما بتعيين جيروم باول عضواً في مجلس حكام الاحتياطي الفيدرالي، عُرف باول بأنه (رجل الوسط التوافقي) لم يكن يميل إلى رفع الفائدة بشكل أعمى، كان يستمع جيداً للأكاديميين ويدمج آراءهم بخبرته العملية من السوق.

عندما وصل دونالد ترامب إلى السلطة في عام 2017، لم يكن يفضل تجديد الولاية لجانيت يلين المحسوبة على الديمقراطيين، ليجد ضالته في جيروم بأول، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2017 أعلن ترشيحه لقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. 

واجه باول اختبارات قاسية من إدارة الركود الخاطف الناجم عن جائحة كورونا وطباعة النقد، إلى معركة رفع الفائدة العنيفة لكبح التضخم الذي تلاها، محافظاً على توازن دقيق بين النمو والتشدد النقدي حتى نهاية ولايته.

وقد تصاعدت حدة الخلافات بين الرئيس الأمريكي في ولايته الثانية مع رئيس الاحتياطي على إثر المطالب التي دعى بها الرئيس الأمريكي بضرورة خفض أسعار الفائدة، الا إن بأول أشار انه لا يعتقد إن كل قرار رئاسي يجب أن يتم تنفيذه من لدن الاحتياطي، ذلك إن مصداقية مجلس الاحتياطي في إدارة السياسة النقدية تعد مهمة ليس فقط للاقتصاد الأمريكي ولكن للأسواق المالية العالمية التي تتابع وتتأثر بقرارته( ). 

ومع بداية العام 2026 صعدت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطها على مجلس الاحتياطي الاتحادي، ملوحة بتوجيه اتهامات إلى رئيسه جيروم باول على خلفية شهادته أمام الكونغرس بشأن مشروع تجديد مبنى المجلس، وهي خطوة اعتبرها باول ذريعة لزيادة النفوذ السياسي على قرارات أسعار الفائدة التي يسعى ترامب إلى خفضها بقوة.

عموماً، اتضحت وتجلت هذه الجدلية بين السياسة والاقتصاد بوضوح في الأشهر الأخيرة من ولاية جيروم باول التي انتهت في آيار/مايو 2026، إذ لم يكتف ترامب بالانتقاد الشفهي بل دفع بوزارة العدل لفتح تحقيقات حول الفيدرالي، في محاولة عُدت ضغطاً سياسياً مباشراً لكسر استقلالية الاحتياطي، إلا إن صمود باول وتأكيده على أن إقالته غير قانونية ثم خطوته غير المسبوقة بالبقاء كعضو في مجلس الحكام حتى بعد انتهاء رئاسته وحلول كيفين وارش محله، يثبت أن صراع السياسة ضد الاقتصاد لم ينته بانتهاء ولايته، بل تحول إلى معركة قضائية ومؤسسية لحماية استقلال البنك المركزي من الهيمنة السياسية.

في النهاية، لم يكن الخلاف بين ترامب وباول مجرد خلاف عابر، بل كانت أبرز معركة في التاريخ الأمريكي الحديث، معركة وصراع السياسة والاقتصاد، لتثبت الوقائع والبيانات والأرقام ومن ثم استقلالية البنك المركزي بأنها ليست ترفاً اكاديمياً بل هي جدار الحماية الأخير للاستقرار الاقتصادي والمالي. وقد نجح باول في حماية استقلالية البنك المركزي امام الضغوط الشرسة التي مارسها ترامب للتدخل في القرارات الاقتصادية

وسوف تظل قصة "ترامب-باول" النموذج الأبرز في العصر الحديث لكيفية صمود الاقتصاد والاقتصاديين والاستقلالية في وجه العواصف السياسية، لقد غادر باول منصبه، وترك درساً لا يُنسى في الاقتصاد السياسي، فالسياسيون يأتون ويرحلون ولكن استقلالية المؤسسات هي التي تضمن بقاء الدولة.

أ.م.د سلطان جاسم النصراوي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!