على الرغم من الدور الذي بذله كل من العراق وسلطنة عمان في اذابة الجليد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية في السنين الماضيتين، الا أن طهران والرياض اكتفتا بشكرهما فقط عندما اختارتا بكين لتكون مكان الاعلان الرسمي عن تطبيع العلاقات بينهما، وذلك في يوم الجمعة الموافق للعاشر من شهر آذار-مارس الجاري، بعد أربعة أيام من التفاوض بين وفدين رفيعين مثلا الطرفين..
لا يحمل مستقبل البشرية في السنوات القادمة الكثير من الاخبار المفرحة، بل على العكس ينذر بكوارث محتملة عديدة. وفي مثل هذه الأوضاع تكون الحاجة ماسة الى الحكمة والتعقل وابداء المرونة والتنازل في المواقف، مع الاستعداد للبحث عن تسويات وحلول وسط للمشاكل والأزمات والصراعات، ولكن قد تكون هذه الحاجات عزيزة للغاية في المرحلة القادمة ما لم يتغير مستوى الوعي والادراك لدى البشر حكاما ومحكومين..
ان وجود نظرية سياسية في العمل السياسي ليس ترفا فكريا، بل هو دليل واضح على كون العاملين في هذا الميدان رجال دولة ام هم مجرد هواة وطالبي سلطة، وعدم اهتمام القوى السياسية العراقية التي جاءت للحكم بعد سقوط البعث بهذا الموضوع يدل على انها لم تكن مؤهلة لتحمل اعباء العمل السياسي وتوفير استحقاقات بناء الدولة، وستبقى تدور في دوائر مفرغة من الصراع المتبادل والتدمير الذاتي والشخصنة الحزبية لوقت طويل قبل ان تنضج أو تزول، ولكنها في عملها هذا ارتكبت خطيئة لا تغتفر بحق ذاتها ومجتمعها ومصالح بلدها العليا..
ان الدروس المستفادة من عملية اغتيال الظواهري هي فرصة جيدة ليتعلم منها عالم الاستخبارات ودوائر اتخاذ القرار العليا في بلادنا؛ كونها تشكل تجربة مثالية وفريدة في الاعداد والتنفيذ للوصول الى الأهداف الكبيرة بنجاح ودون أخطاء، كما تكشف عما ستكون عليه الصورة في ملاحقة هذه الأهداف في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد..
على أي حال، شئنا ام ابينا، الشرق الأوسط والعالم دخل الى مرحلة جديدة من حسابات الهيمنة الدولية ستكون تحدياتها وتهديداتها ومخاطرها مفتوحة على جميع الاحتمالات، وان ما بعد الحرب الروسية-الأوكرانية لن يكون كما كان قبلها اطلاقا، وعلى الجميع ان يفهم ذلك، ويتصرف على أساسه..
في عالمنا العربي والإسلامي عموما، وفي العراق بشكل خاص، هناك الكثير من الشخصيات الفذة التي لم تعطى المساحة الكافية من الاهتمام من قبل الكتاب والمثقفين وصناع القرار والمجتمع، واحيانا حتى من قبل محبيهم وانصارهم، فخسرت دولهم ومجتمعاتهم الكثير من رؤاهم وافكارهم التي كان يمكنها ان ترشدها في مسيرة بنائها وتنظيم علاقاتها الاجتماعية والمؤسساتية، ومن هذه الشخصيات السيد محمد الحسيني الشيرازي..
ان عدم حذر ايران عند التعامل مع العراق، وتفضيلها تصفية حساباتها الخارجية فوق ارضه يرسل رسالة خاطئة تماما الى الشارع العراقي مفادها عدم احترام بلده من جاره الشرقي، ومثل هذه الرسالة غير المناسبة تهدد مصالح ايران الاستراتيجية داخل العراق..
لقد اطلق الصراع الروسي-الاوكراني العنان لصراع دولي جديد لا زال في بداية تشكله وتطوره، وعلى الجميع ان يستعد له منذ الآن، فمن طبيعة الصراعات ان لها تكاليفا باهظة لإدارتها وحسمها، وستكون لهذا الصراع أيضا تكاليفه الباهظة المؤلمة، وهذا الامر ان دل على انهيار الكثير من الاطروحات الفكرية المتفائلة لعالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، فانه يدل-أيضا- على ان البشر لا زالوا غير مؤهلين للعيش بسلام فيما بينهم..
لماذا لا تزال الديمقراطيات العريقة في أمريكا وأوروبا وغيرها قادرة على الاستمرار بلعب دورها الديمقراطي بفاعلية مقبولة، نوع ما في الوقت الحاضر، على الرغم من وجود الفجوة الكبيرة بين مواطنيها فوق العادة، ومواطنيها المثيرين للشفقة، فيما قد تعجز بعض الديمقراطيات الناشئة (حديثة العهد بالديمقراطية) عن لعب الدور نفسه، مما يعرضها الى الانتكاس السريع والفشل المريع؟..
هناك قوى تقليدية تعتقد ان مصالحها الضيقة يمكن الحفاظ عليها من خلال منع التغيير السياسي، فتتجاهل عن عمد او غباء حجم التغيير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الجاري في مجتمعاتها، كما تتجاهل صرخات المطالبة بالعدالة الاجتماعية والحرية الشاملة وحالات الحراك الاجتماعي المتمرد على واقع ظالم وغير عادل اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وثقافيا..
ان البدء بصفحة جديدة من العلاقات الجيدة بين العراق ومحيطه العربي وغير العربي، لا يمكن حصوله بدون اعلاء قيمة الاستقرار والسلام الشامل في المنطقة، بحيث تنظر كل دولة الى الاستقرار والسلام في الدول الأخرى على انه جزء لا يتجزأ من سلامها واستقرارها، والوصول الى قناعة تامة ان الصراعات والحروب لن تحقق مصالحها، بصرف النظر عن الاغراءات الوقتية التي تبرقها في العقول الحاكمة..
ان الدولة في العراق لا زالت تترنح وهي مفتوحة على الكثير من الاحتمالات، ولا يمكنها النجاة من المخاطر المحدقة بها ما لم توقف عجلة تدهورها وانحدارها، فالدولة التي ينجح مجرم واحد من هزيمتها امام انظارها تكون الخشية من انهزامها امام أعداء أشد قسوة وضراوة متوقعة في أي وقت، وما حدث في سنة 2014 لا زال درسا بليغا عالقا في الاذهان بحاجة الى تأمل عميق قبل تكرار الكارثة..
ان الحرية لا تختص بمجتمع دون غيره، وهي كالدواء الذي يصلح لداء الانسان أي كان المجتمع الذي ينتمي اليه أو الفكر الذي يحمله، بشرط ان يكون مستعدا لتجرع مرارته، والانتظام على شروط تناوله، ومن يهمل ذلك لن يكتب له الشفاء من المرض، كذلك الحرية تجول بين الأمم والشعوب، وتتوارثها الأجيال، ولا تستقر ويخضر عودها الا في المجتمعات التي تكون مستعدة لتلقي هباتها، وتحمل ضريبة تطويرها وحمايتها، لذا تجدها في بعض المجتمعات قد ترسخت وحققت النجاح والتقدم، فيما بقيت لدى مجتمعات أخرى مجرد لقلقة لسان، ومظاهر شكلية فارغة من أي معنى حقيقي..
تعد مراكز البحوث والدراسات في عالم اليوم عموما، وفي المنظومة الاكاديمية المعاصرة بشكل خاص، مؤسسات معرفية عالية الجودة والمكانة من حيث منتجها المعرفي والعلمي من جانب، ومن حيث مهارات العاملين فيها من جانب آخر، لذا لا غرابة ان يسميها البعض خزانات الفكر والابداع؛ لأنها فعلا كذلك بحكم دورها الذي تلعبه في تطور المعرفة عموما، وفي عملية صنع القرار بشكل خاص..
يعد خطاب تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، يوم 20 كانون الثاني-يناير 2021 مهما للغاية في فهم توجهات ادارته للبيت الأبيض في السنوات الأربع القادمة؛ لانه رسم الملامح العامة لاهتماماتها، وأولوياتها، والملفات الرئيسة التي ستعمل عليها..
أن لدى العراق عوامل ضعف مزمنة، كما أن لديه عوامل قوة حقيقية كامنة، ولا يمكن لسكانه –أيا كانوا- استعادة دورهم الحضاري، وبناء دولتهم المقتدرة الا بتحييد عوامل الضعف وإيجاد العلاجات المناسبة للخلاص منها، واستنهاض عوامل القوة واستثمارها بحدها الأقصى لتحقيق مصالحهم، وحصول ذلك سيكون المقدمة التي لابد منها لنهضة العراق الحقيقية، وهذا –قطعا- سيتطلب درجة عالية من النضج لدى الحكام والمحكومين، كما سيتطلب استعدادا تاما لتحمل الضريبة المادية والبشرية المترتبة عليه، اما ما عدا ذلك، فسيبقى مجرد ثرثرة حمقاء، وتكرارا بائسا لمسار الفشل والاخفاق..
لخروج العراق من سيناريو الوقوع في فخ كونه ورقة تفاوضية وساحة صراع محدودة المخاطر للولايات المتحدة وإيران يتطلب من قادته وضع استراتيجية فاعلة وواضحة للتعامل مع كل من الإدارة الامريكية الجديدة وإيران، استراتيجية تقنع صانع القرار في واشنطن ان العراق ليس مجرد مصد لطموحات ونفوذ طهران، بل هو يمثل مرتكزا مهما في حماية السلم والامن الإقليميين، ولديه دور كبير يلعبه في المنطقة والعالم..
ان السعي نحو إيجاد منظومة القيم المدنية الراسخة من قبل الافراد والجماعات انما هو الطريق الانجع الى تصدر الأفضل من بينهم للزعامة والقيادة أولا، وعندما يكون الزعماء والقادة هم الأفضل، عندها ستكون أنماط تفكيرهم وسلوكياتهم وقراراتهم منصبة على تطوير وحماية المجتمع لا على تقطيعه واغراقه بالعنف والفساد والفوضى..
ان النذر المشؤومة تطرق أبواب الجميع، ولا ينكرها الا الحمقى وقصيري النظر ممن يمنون أنفسهم بمصير غير المصير المتوقع لهم، ولكن ما لم تعالج أسباب النقمة والغضب الجماهيري، ويعاد النظر بالقيادات والمؤسسات والسياسات والأنظمة الخاطئة، فلن تتوقف عجلة الاحداث عن الدوران حتى حصول الانفجار المدمر القادم..
أن النصر في الصراع، أي صراع بشري، ليس أمنيات تطلب، بل هو وعي يرتقي الى مستوى الحدث، وجهد يبذل بإرادة صلبة لا تلين، وعوامل قوة تحتاج الى من يوفرها ويحافظ عليها، ومن يكون مستعدا لتحقيق ذلك سينتصر سواء كان ثائرا حرا ام ظالما فاجرا..