بعد تكليف السيد علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، تدخل العلاقات العراقية–الأمريكية مرحلة جديدة، ربما تكون مختلفة في الشكل، لكنها لن تكون منفصلة عن تعقيدات المرحلة الماضية. فالعلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، لم تعد مجرد شراكة أمنية تقليدية، بل أصبحت شبكة متداخلة من المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، تتأثر بالداخل العراقي بقدر ما تتأثر بالتوازنات الإقليمية.
إذ يرى بعض المتخصصين، بأنَّ اختيار السيد الزيدي، وهو شخصية قادمة من عالم المال والأعمال، أكثر من كونه نتاجًا تقليديًا للمحاصصة السياسية، يعكس رغبة داخلية في تقديم وجه جديد قادر على التوفيق بين مراكز القوى المحلية والضغوط الخارجية، ولاسيما بعد الفيتو الأمريكي على من سبقه في الترشيح. وهذا قد يعيد فتح نافذة جديدة أمام إعادة صياغة العلاقة بين العراق والولايات المتحدة على أسس أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. فالولايات المتحدة الأمريكية، تنظر إلى العراق بوصفه دولة محورية في معادلة الشرق الأوسط. وهو ليس مجرد بلد نفطي مهم، بل ساحة توازن بين النفوذ الأمريكي والإيراني، وحلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام. لذلك، فإن واشنطن معنَّية قبل كل شيء، بأن يبقى العراق مستقرًا، وبعيدًا عن الانهيار السياسي أو الانزلاق الكامل إلى محور إقليمي واحد. ولعلَّ ترحيب الإدارة الأمريكية الحالية بتكليف السيد الزيدي، ودعوته إلى زيارة واشنطن، يأتي في ظل التوجهات الأمريكية القائمة بإعادة ترتيب العلاقات العراقية – الأمريكية على أسس سياسية واقتصادية وأمنية أكثر متانة وأقل أيديولوجية. لهذا »وعلى ما يبدو« بأنَّ ترحيب الإدارة الأمريكية بتكليف الزيدي، ليس فقط لأنه يمثل خيارًا توافقيًا داخل البيت الشيعي، بل لكونه أيضًا، لا يحمل الإرث الجدلي الذي ارتبط ببعض الشخصيات السياسية الأخرى. وهذه النقطة، ربما تمنحه فرصة أولية لبناء علاقة إيجابية مع واشنطن، قائمة على الثقة الحذرة لا على الشك المسبق. إلا أنَّ هذه العلاقة لن تكون سهلة أو خالية من الاختبارات. فالعراق اليوم يواجه تحديات معقدة: اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، جهاز حكومي مترهل، فساد مزمن، وبنية أمنية ما زالت تعاني من ازدواجية السلطة بين مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة. وواشنطن تريد إصلاح العلاقة مع بغداد من خلال التركيز على إصلاح هذه الملفات، وفي كل واحدة من هذه الملفات، ربما يكون للولايات المتحدة دور مباشر أو غير مباشر.
اقتصاديًا، قد تشهد المرحلة المقبلة زخمًا أكبر في التعاون بين بغداد وواشنطن، ولاسيما في مجالات الطاقة، والاستثمار، وإصلاح القطاع المصرفي. ولاسيما أن خلفية الزيدي الاقتصادية قد تجعله أكثر ميلًا إلى تبني سياسات إصلاحية تستقطب رؤوس الأموال الأجنبية وتعيد الثقة بالبيئة الاستثمارية العراقية. فالولايات المتحدة لا تريد فقط عراقًا مستقرًا أمنيًا، بل عراقًا قادرًا على أن يكون شريكًا اقتصاديًا حقيقيًا.
وفي المجال الأمني، ستبقى الشراكة العسكرية عنصرًا أساسيًا في العلاقة بين البلدين. صحيح أن العراق يسعى إلى تعزيز سيادته وتقليل الاعتماد على القوات الأجنبية، لكن الواقع يفرض استمرار التعاون في مجالات التدريب، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ومكافحة الإرهاب. ولاسيما أنَّ تنظيم »داعش« لم يختفِ تمامًا بعد، بل تراجع وتحوّل، وهذا يعني أن الحاجة إلى التعاون الأمني ستظل قائمة بين بغداد وواشنطن، لكن بأشكال أكثر مرونة وأقل حضورًا ميدانيًا.
أما التحدي الأكبر، فهو قدرة حكومة الزيدي على تحقيق توازن دقيق بين واشنطن وطهران. وهو التحدي الأبرز، الذي يمثل محور الانقسام الأمريكي – العراقي بعد عام 2003، فالعراق لا يستطيع أن يكون تابعًا لأي طرف، كما لا يستطيع أن يدخل في مواجهة مع أي منهما. ولعل نجاح الزيدي سيتوقف إلى حدٍ كبير على قدرته في ترسيخ سياسة »التوازن الإيجابي« والحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع الإبقاء على علاقات مستقرة مع إيران باعتبارها جارًا مؤثرًا لا يمكن تجاهله. وهذا التوازن ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل ضرورة وجودية للدولة العراقية ومستقبل النظام السياسي العراقي. فكلما استطاع العراق، أن يتحرك كدولة مستقلة القرار، ازدادت قدرته على حماية مصالحه الوطنية. وكلما انزلق إلى سياسة المحاور، تتقلص هامش حركته وأصبح أكثر عرضة للضغوط والابتزاز.
بموازاة ذلك، على الولايات المتحدة الأمريكية، أن تُدرك بأنَّ العراق اليوم ليس عراق 2003 ولا حتى عراق 2014. فالمزاج الوطني العراقي، أصبح أكثر حساسية تجاه أي مظهر من مظاهر الوصاية الخارجية. ومن ثمَّ، فإن أي محاولة لفرض إملاءات مباشرة قد تأتي بنتائج عكسية. فالشراكة الناجحة، يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، ودعم مؤسسات الدولة، لا على التعامل مع العراق كساحة نفوذ. ولعلَّ الخطوة الأولى في أثبات تلك الإصلاحات، تبدأ من نجاح الزيدي في تشكيل حكومة متماسكة، تستطيع أن تُشرع في إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية، وهذا بدوره قد ينعكس على تعضيد العلاقة بين بغداد وواشنطن، وربما تشهد العلاقة نوع من الاستقرار والتعاون البنّاء. أما إذا اصطدمت حكومته بتجاذبات الداخل، أو ضغوط الفصائل المسلحة وتنامي دورها، أو تصاعد أزماتها مع إقليم كردستان، فإن هذه العلاقة ستبقى أسيرة إدارة الأزمات بدلاً من صناعة الفرص؛ مما يؤثر على طبيعة العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية؛ الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تقويض فرص التنمية والاستثمار المحلي، فضلًا عن الفشل السياسي والاقتصادي، الذي ينعكس بدوره على كل مفاصل الدولة العراقية (داخليًا وخارجيًا).
بالمجمل، إنَّ مستقبل العلاقة الأمريكية – العراقية بعد تكليف السيد علي الزيدي، لن يتحدد فقط بدور واشنطن أو بغداد في إصلاح الملفات أعلاه، بل في قدرة الطرفين على الانتقال من منطق الحاجة المتبادلة إلى منطق الشراكة المتوازنة. فالعراق يحتاج إلى الدعم الأمريكي، لكن الولايات المتحدة أيضًا تحتاج إلى عراق مستقر وفاعل في محيطه. وبين الحاجة والشراكة، يقف السيد علي الزيدي أمام اختبار تاريخي: هل يستطيع تحويل هذه اللحظة السياسية إلى بداية جديدة في العلاقات العراقية–الأمريكية؟ الإجابة بالتأكيد ستتوقف على ما إذا كان سيقود العراق كدولة ذات سيادة، أم كحكومة محاصرة بين الداخل المضطرب والخارج المتنافس، حكومة يكون جل اهتمامها تأمين دفع رواتب الموظفين داخليًا، وإرضاء الاطراف المتصارعة خارجيًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!