عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية حلقته النقاشية ضمن نشاطه الدوري الشهري، وذلك يوم السبت الموافق 11/7/ 2026 في ملتقى النبأ الأسبوعي بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام، وتناولت الورقة البحثية التي أعدها وقدمها الأستاذ حامد الجبوري الباحث في مركز الفرات موضوع (نظام الحكم في العراق ومفارقة النفط والاقتصاد: النرويج وفنزويلا مثالا)، وحضر هذه الحلقة جمع من الكتاب والمفكرين ومدراء المراكز البحثية حيث جاء في الورقة البحثية ما يلي:
على الرغم من تفوق فنزويلا على النرويج في الثروة النفطية لا ان الاخيرة افضل اداءً بشكل عام وعلى مستوى الاقتصاد بشكل خاص.
ففي الوقت الذي تمتلك فنزويلا 303 مليار برميل كأكبر احتياطي نفطي مؤكد، في العالم؛ من احتياطي النرويج البالغ 5.9 مليار برميل عام 2025، الا ان النتيجة، لم تكن متماثلة اقتصادياً. حسب أوبك.
بحكم ان اجمالي الناتج المحلي النرويجي بلغ 530.7 مليار دولار، وهو أكبر من اجمالي الناتج المحلي الفنزويلي البذي بلغ بحدود 99.6 مليار دولار عام 2025.
اشكالية السكان
قد يطرح البعض، ان تعداد السكان في النرويج البالغ 5.6 مليون نسمة هو أقل بكثير من تعداد السكان في فنزويلا البالغ 28.5 مليون نسمة عام 2025 حسب بيانات البنك الدولي، فتكون النتيجة طبيعية في ان النرويجيين اكثر ثراءً من الفنزويليين!
يبدو للوهلة الاولى ان اشكالية السكان منطقية، إلا ان ثروة الفنزويليين أكبر من ثروة النرويجيين، بحكم ان نصيب المواطن الفنزويلي من الاحتياطي النفطي البالغ 10,631 برميل أكبر من نصيب المواطن النرويجي البالغ 1053 برميل، لكن النرويجيين افضل اقتصادياً.
بحكم ان نصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي في النرويج، والبالغ أكثر من 94 الف دولار؛ أكبر بأضعاف نصيب الفرد من اجمالي الناتج في فنزويلا، والبالغ أقل من 4 الاف دولار؛ عام 2025.
واذا ما أخذنا العمق التأريخي لنصيب الفرد من اجمالي الناتج المحلي، سنجد نصيب الفرد النرويجي أكبر من الفنزويلي ايضاً منذ عام 2000، حينما كان 37 الف دولار للفرد النرويجي و4776 للفرد الفنزويلي؛ واتسعت الفجوة بينهما سنة بعد أخرى حتى بلغت أكثر من 20 ضعفاً تقريباً عام 2025 كما اتضح أعلاه.
الموارد لا تكفي لوحدها
هذه المفارقة تعطي دلالة مهمة وهي ان الموارد لا تكفي لوحدها لتحقيق تقدم اقتصادي بل لابد ان تسبقها أو تترافق معها على اقل تقدير عوامل عديدة أهمها نظام الحكم هل هو ديمقراطي ناضج أم دكتاتوري؟
لان النظام الديمقراطي الناضج يمثل القاعدة الاساس لانطلاق المؤسسات وتحقيق اهدافها عكس النظام الديكتاتوري الذي ينخر المؤسسات من الداخل ويجعلها شكلية لا أكثر.
وفي العادة ان المؤسسات المستقلة وسط نظام ديمقراطي ناضج تعمل على تجفيف منابع الفساد وترسيخ الشفافية عكس المؤسسات الشكلية وسط نظام ديكتاتوري حيث تعمل على تأصيل جذور الفساد خدمةً للديكتاتور لان وجودها مرتبط بخدمته.
صنف مؤشر الديمقراطية العالمي الديمقراطية الى اربعة اصناف وهي:
ديمقراطية كاملة والتي تتراوح درجتها بين 8 - 10
ديمقراطية بها خلل والتي تتراوح درجتها بين 6 - 7.9
نظام هجين الذي تتراوح درجته بين 4 - 5.9
نظام تسلطي الذي تتراوح درجته بين 0- 3.9
النرويج والديمقراطية والنفط
ونظراً لامتلاك النرويج تاريخ طويل من التطور الديمقراطي نضجت الديمقراطية بل وصُنفت على انها ديمقراطية كاملة، حيث لم تنخفض درجتها عن 9.75 من 10 طيلة سنوات صدور مؤشر الديمقراطية العالمي من 2006 – 2025 وتتراوح مرتبتها عالمياً بين الاولى والثانية من بين 167 دولة عالمياً.
اسهم نضج الديمقراطية بنشوء مؤسسات فعالة جففت منابع الفساد، حيث تقع النرويج ضمن افضل 10 دول في مؤشر مدركات الفساد العالمي منذ عام 1995 وحتى عام 2025 مما يعني زيادة الشفافية التي لا تسمح بتوظيف النفط بشكل سيء بعيداً عن الاتجاهات المطلوبة.
وبحكم العلاقة العكسية بين الفساد والاقتصاد، تحسن اداء الاقتصاد النرويجي، كما اتضح أعلاه حين بلغ اجمالي الناتج المحلي 530.7 مليار دولار ونصيب الفرد منه أكثر من 94 الف دولار، نظراً لمساهمة الشفافية في منع التوظيف السيء للنفط بل وعملت على توظيفه بما يخدم حماية الاقتصاد وتطويره.
فنزويلا والاستبداد والنفط
وفي المقابل نلاحظ ان تاريخ الديمقراطية في فنزويلا كان سيئاً وبمرور الزمن أخذت تنحدر للأسوأ حتى دخلت في مرحلة الاستبداد، حيث انخفضت درجتها من 5.42 عام 2006( تصنيف النظام الهجين) إلى 2.25 من 10 ( تصنيف النظام التسلطي)عام 2025 حسب مؤشر الديمقراطي العالمي.
ان سيادة الاستبداد يعني ضعف المؤسسات وانخفاض الشفافية وزيادة الفساد واحتلالها(فنزويلا) موقع الصدارة 180 من اصل 182 دولة في حجم الفساد لسنوات طويلة في مؤشر مدركات الفساد العالمي من 2012 وحتى 2025 والذي يؤثر سلباً على توظيف النفط واداء الاقتصاد بشكل عام.
ان وجود الفساد يعني توظيف النفط بشكل سيء بعيداً عن الاتجاهات التنموية وهذا ما يسهم في تدهور البنية التحتية وضعف بيئة الاعمال، ويعطي صورة سلبية عن البلد وانخفاض الاستثمار الاجنبي والنتيجة عدم تطور الاقتصاد الفنزويلي كما اتضح أعلاه حين بلغ اجمالي الناتج المحلي 99.6 مليار دولار ونصيب الفرد اقل من 4 الاف دولار منه.
باختصار، ان النفط ينعكس على الاقتصاد حسب نظام الحكم وطبيعة المؤسسات، أي ينعكس ايجابياً اذا ما توفرت ديمقراطية ناضجة ومؤسسات فعالة، كما هو حال النرويج؛ وسلبياً إذا ما كان نظام الحكم استبدادياً او ديمقراطياً شكلياً مع ضعف المؤسسات، كما هو حال فنزويلا.
العراق والنفط ونظام الحكم
يمتلك العراق ثروة نفطية كبيرة، تقدر بأكثر من 140 مليار برميل كاحتياطي نفطي مؤكد عام 2025، هل اسهمت هذه الثروة في حماية الاقتصاد وتطويره؟
كما ذكرنا أعلاه، ان انعكاس النفط على الاقتصاد يكون مرهون بنظام الحكم والمؤسسات، وبهذا الصدد مر العراق بنظام الاستبداد قبل 2003، مما يعني خطف المؤسسات من اداء دورها بشكل حيادي والنتيجة عدم توظيف النفط في خدمة الاقتصاد وتقويته.
وبعد عام 2003 انتقل للديمقراطية لكن هذه الديمقراطية لم تكُن ناضجة بما يكفي، بل وانها سائرة من النظام الهجين نحو النظام التسلطي حسب مؤشر الديمقراطية العالمي، حيث لم تتجاوز درجة العراق 4.74 من 10 في احسن احوالها وفي السنوات الاخيرة انخفضت وصولاً الى 3.36 من 10 عام 2025 وهي مرحلة الاستبداد مما يعني ان الديمقراطية الحالية هي ديمقراطية شكلية.
وبما ان الديمقراطية شكلية سيكون دور المؤسسات ضعيف وهذا ما انعكس على حجم الفساد، ورغم التحسن النسبي في مؤشر مدركات الفساد العالمي إلا انه لازال يحتل مراتب متقدمة حيث يحتل المرتبة 136 من أصل 182 دولة عام 2025.
ان شكلية الديمقراطية وضعف المؤسسات دفعا لعدم توظيف النفط وفق الاتجاهات المطلوبة واستمرار استشراء الفساد في مفاصل الدولة ونتيجة عدم متانة الاقتصاد العراقي بل انه اقتصاد ضعيف ينهار بأي أزمة.
وفق هذا الحال، ان العراق لا يختلف عن فنزويلا حيث لا يمتلك ديمقراطية ناضجة ولا مؤسسات قوية قادرة على توظيف النفط وفق الاتجاهات المطلوبة؛ والنتيجة انتشار الفساد وضعف الاقتصاد وربما انهياره في أي لحظة.
ولأجل حماية الاقتصاد وتطويره، يتطلب العمل والاستفادة من التجربة النرويجية في كيفية تنضيج الديمقراطية وتقوية المؤسسات لأجل تعزيز الشفافية وتجفيف منابع الفساد وتوظيف النفط وفق الاتجاهات المطلوبة وبما يخدم الاقتصاد تطويراً وحمايةً.
من أجل إغناء هذه الرقة البحثية ومضامينها نطرح على المشاركين الكرام في هذه الحلقة النقاشين السؤالين التاليين لإثراء الموضوع والاستزادة من الآراء المختلفة:
السؤال الاول/ الى أي مدى تعد المؤسسات ونظام الحكم العامل الحاسم في تحويل النفط لاقتصاد قوي مقارنة بالنفط ذاته؟
السؤال الثاني/ ما هي الاصلاحات المؤسسية المطلوبة لضمان تحويل النفط الى اقتصاد عراقي قوي لمواجهة الازمات؟
المداخلات:
حسيني الأطرقجي- باحث
كان الاختيار لهذا الموضوع موفق جدا، وارغب أن أعقّب على السؤال الأول وهو: إلى أي مدى تعد المؤسسات ونظام الحكم العامل الحاسم في تحويل النفط لاقتصاد قوي مقارنة بالنفط ذاته؟
ان العراق باعتباره بلدا ريعيا يعيش بصورة كبيرة على ريع النفط، ما يقدر بـ 93% هو بحاجة إلى أن يؤسس إلى ما يُعرف بأمن الطاقة، امن الطاقة الذي يبدأ بالإنتاج ومن ثم التصدير إلى الأسواق العالمية، عبر الممرات سواء البرية أو البحرية، وعلى مدى أربعة عقود خسر العراق كثيرا من العوامل والفوائد الإقليمية بفعل السياسة الخارجية وبفعل تعثّر السياسية الداخلية.
أما بالنسبة إلى السؤال الآخر حول الإصلاحات المؤسسية، بمعنى يجب التحلي بالواقعية السياسية على اعتبار إن العراق يعد من دول العالم الثالث، فالقرار الداخلي يرتبط بمدى وعمق العلاقات الاستراتيجية الإقليمية والدولية، فمتى ما كانت للعراق علاقات دولية عابرة وتتكئ على رؤى واضحة وتستهدف مصلحة البلد في الدرجة الأولى أو الأساس فإنها سوف تنعكس على الداخل العراقي.
لذا أعتقد بأن القدرة فيما يخص المؤسسات هي ترتبط واقعيا بقدرة العراق على مدّ إصلاحات خارجية متمثلة بالعلاقات الدولية، الإقليمية وغير الإقليمية، مبنية على المصلحة الوطنية بالدرجة الأساس.
الشيخ مرتضى معاش- مفكر إسلامي.
بالطبع هناك مفارقة جيدة في هذا الموضوع، فهناك ثلاثة دول مختلفة وهي النروج والعراق وفنزويلا، وهي ليست متشابهة، النروج هي بلد أوربي يعيش جغرافيا في أقصى أوربا، لذلك بالنتيجة فإن تجربته تجربة خاصة، وهنالك أيضا فنزويلا وهو بلد أمريكي لاتيني يشبه العراق من ناحية كثرة الفوضى وكثرة المشاكل، وعدم وجود استقرار سياسي ويشترك مع العراق في كثرة الموارد النفطية ويختلف ثقافيا ودينيا عن العراق.
بالنسبة للعراق فهو معروف عنه بأنه بلد إسلامي عربي محسوب على الشرق، وأيضا ربما نحن نتفق على دور الاستعمار في تأسيس الفوضى داخل هذه البلدان، وهذا امر واضح بالنسبة للعراق وفنزويلا بأنهما كانا بلدان مستعمَران، والاستعمار كان له دوره الكبير في عملية استنزاف الموارد النفطية.
لذلك نلاحظ أن أمريكا الجنوبية نفسها تختلف عن قارة أمريكا الشمالية مع أنهما قارة واحدة كذلك ان قارة أمريكا الشمالية هي قارة غنية، وفيها تقدم صناعي واقتصادي كبير، اما بالنسبة لأمريكا الجنوبية فهي في الحقيقة مليئة بالفوضى وفيها حروب وانقلابات عسكرية وحروب أهلية، وغارقة في المشاكل الكثيرة وتعاني من اقتصاد غير مستقر كما نلاحظ ذلك في المكسيك والبرازيل إلى كولومبيا التي هي بلد العصابات وكل دول أمريكا اللاتينية وصولا إلى فنزويلا التي تعد أغنى بلدان هذه القارة وأسواها في نفس الوقت.
وهذا يمثل دلالة واضحة على انه هناك صراع كبير جدا على الموارد، وتكالب الدول الكبرى على هذه الدولة، فلابد أن نضع العامل الأول هو العامل الجغرافي وهو مهم جدا، من جانب كثرة المشكلات والأزمات.
وأيضا هنالك العامل الثاني وهو عامل الاستعمار، الجيوسياسي الذي يبحث عن الثروات واستغلالها، ومن العوامل الأخرى، العامل الثقافي، فهو مهم جدا، فالبلاد التي تختلف فيها ثقافتها وطريقتها وأسلوبها في عملية انتاج هكذا اقتصادات وهكذا أعمال.
بالنسبة العامل الثقافي فإن ما نلاحظه في هذا العامل الموجود في فنزويلا والعراق، لأنه هناك فوضى وعدم استقرار فإنه يحتاج إلى بيئة ثقافية بدائية غير قادرة على إيجاد تصورات اقتصادية، فالاقتصاد يجب أن يكون قويا، أما الإنسان العادي والبسيط فإنه يعرف الاقتصاد البدائي الذي يتمثل بالبيع والشراء فقط، وأكثر من هذا الشيء لا يعرف.
أما معرفة الاقتصاد بمعنى الاقتصاد القوي وهو اقتصاد معقد وفيه علم وفيه قوانين العرض والطلب، وكذلك التضخم والركود، هذه الأمور لا نجدها في بلاد لديها تصورات بدائية عن الاقتصاد، فالعراق وفنزويلا مثلا هي من البلدان التي لم تعش الاستقرار، لذلك لا تمتلك رؤية أكاديمية علمية متراكمة تؤدي إلى إنشاء اقتصاد قوي، لذلك أتصور أن العامل الثقافي مهم.
كذلك يوجد العامل النفسي الذي هو أهم من كل العوامل، فهو يؤكد بأن الاستقرار يعطي للإنسان فرصة لكي يفكر ويتأمل في المستقبل، بحيث يفكر بالمستقبل وبالتخطيط للمستقبل، والعامل النفسي يجعل الإنسان لا يفكر في الغد، فهو يعيش في حالة عدم استقرار لذلك يفكر في اللحظة اليومية، ولا يعتقد بأن هنالك شيء اسمه مستقبل ولا يعتقد بأن هنالك غد حتى يستطيع أن يفكر في هذا الغد. وهذه مشكلة كبيرة ود يكون العامل النفسي من أكبر العوامل التي تمتنع من إنشاء قوي وحقيقي.
العامل الأخلاقي مهم أيضا في هذه القضية، فإذا أردنا أن نقيس بأن العامل الأخلاقي هو الذي يؤدي إلى إنتاج رأسمالية معتدلة، وبالنتيجة فإن الاقتصاد الحقيقي هو اقتصاد رأسمالي، لكن الفرق هو أن الاقتصاد الرأسمالي الموجود في الغرب هو اقتصاد رأسمالي متوحش، أما الرأسمالية المعتدلة، فهي أخلاقية، أي أنها تعيش على الإنسانية والأخلاقية، أي تعيش على أخلاقية الإنسان.
لذلك فإن الأخلاق مهمة جدا، في عملية صناعة اقتصاد مستقر سليم، يحقق المساواة فيما بين الناس، مثلا إن النرويج الآن يمكن أن تكون من الناحية الأخلاقية أقرب للعراق أو أن العراق أقرب للنرويج في القضية الأخلاقية.
لذلك نلاحظ أن الرأسمالية الموجودة في الدول الاسكندنافية هي رأسمالية معتدلة ديمقراطية اجتماعية، أي أنها ديمقراطية اجتماعية تعتمد على العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية، وبالنتيجة نلاحظ وجود تنمية حقيقية فيها، وهذا يمكن أن يكون عامل مهم جدا في عملية خلق اقتصاد مستقر قد يكون أفضل حتى من بريطانيا ومن أمريكا التي تعتبر هي رمز الرأسمالية الغربية لكن هي فيها نوع من التوحش.
إذن العامل الأخلاقي مهم وهو موجود في العراق، نعني البنية الأخلاقية للتعامل، والقيم الأخلاقية التي تساعد على وجود تعامل اقتصادي أخلاقي إنساني، لكن نتيجة لوجود عوامل أخرى في العراق تكون أكثر تأثيرا من الجانب الأخلاقي، لذا أتصور بأن الإصلاحات المؤسسية وحملة مكافحة الفساد، هذه لا تكون مؤثرة كثيرا ولن تكون علاجا أساسيا، بل هي مجرد ترقيعات أو ترميمات مؤقتة.
أما الأصل فهو عملية بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي عبر تغيير الأفكار الذهنية لدى النخبة السياسية الموجودة، وكذلك الثقافية، وطالما لا تمارَس عملية إعادة إنتاج الأفكار، فسيحدث العكس وهو ممارسة عملية إنتاج الفوضى، لأنه هي أيضا لا تفكر في اللحظة القادمة، أو في اليوم التالي، بل تفكر في اللحظة الراهنة، وهذه من أكبر الأخطاء التي تؤدي إلى تدوير الأزمة، فما يجري الآن في فنزويلا والعراق، هي عملية تدوير مستمر للأزمة، وإعادة إنتاج مستمر للأزمة باستمرار والرجوع إلى المربع الأول والعودة إلى نقطة الصفر.
وهذا كما أتصور من الأخطار الكبيرة، فإذا لم يحدث لدينا تغيير في الذهنية، لا نستطيع أن نتخلص من الاقتصاد الريعي، ولا نستطيع أن نتخلص من الفوضى، ولا نتخلص من الفساد، حتى عملية إنتاج الذهنية الجديدة، والتصور الاجتماعي بالخصوص، هذا كله يؤدي إلى عملية إنتاج استقرار نفسي واستقرار اجتماعي والاستفادة من خلال استثمار القيم الأخلاقية في بناء الاقتصاد، هذا كله يؤدي بالنتيجة إلى الشيء الذي نطالب به والإسلام يطالب بهو وهو الديمقراطية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية.
الدكتور علاء الكاظمي- أكاديمي وباحث اسلامي.
الإجابة عن السؤال الأول في تصوّري إن المؤسسات ونظام الحكم له كل المدى إن صح التعبير في تحويل النفط إلى اقتصاد قوي، ولكن هذه القضية غير فاعلة كما نلاحظ ذلك، أي أن مؤسساتنا غير فاعلة، وهذا الشيء له أسباب في تصوري، إن واحدا من الأمور إن قضية الفساد أو قضية بقاء العراق تحت رحمة الاقتصاد الريعي واضحة، فقبل أن تبدأ هذه الجلسة كنت في حديث مع سماحة الشيخ مرتضى معاش حول العولمة.
فالعولمة الآن ونظام الشركات العالمي حاليا الذي يريد أن يحكم الجميع وخصوصا الدول النامية يريد أن يجعل منها اقتصادا له، ويجعل منها سوقا مفتوحة لشركاته، فهذا النظام لأن أظن أن يسمح للعراق بالتحول إلى نظام اقتصادي جيد ويتخلص من أزمة أو لعنة النفط، ويبقى تحت وطأة الاقتصاد الريعي، هذه النقطة الأولى.
أما الإجابة عن السؤال الثاني حول الإصلاحات المؤسسية المطلوبة، فقد كنت أتمنى أن تشير الورقة البحثية إلى نقطة مهمة تتعلق بقضية النرويج، فصاحب الفضل على النرويج هو عراقي، وهو فاروق القاسمي من مواليد البصرة، وقصته معروفة، عندما هاجر إلى النروج واكتشف الحقل الخاص بهم وساهم بالنتيجة في إنشاء الصندوق السيادي الذي تُقدّر ثروته الآن بـ ترليون و 800 مليون دولار.
وهذا ملغ كبير جدا رفع من اقتصاد النرويج، وكان له الأثر الكبير في هذا المجال، أما نحن في العراق، فإن العقول موجودة، وقد أشار إلى ذلك سماحة الشيخ مرتضى معاش عندما قال نحن بحاجة إلى تجديد الأفكار، وخاصة في مجال الإصلاحات نحتاج إلى عقول ها تأثير كبير، ونحتاج إلى فسح المجال إلى هذه العقول لا أكثر ولا أقل.
فالشخص العراقي في النرويج وجد بيئة مناسبة قامت بتشجيعه واحتضانه، ومُنح المجال المطلوب واستطاع العمل والنجاح، أما نحن هنا في العراق فإن البيئة السياسية لم تسمح لهذه العقول أن تتصدى لمهمة الإصلاحات وتطوير الاقتصاد، نسأل الله أن يتيح لنا تغييرا سياسيا يفتح المجال للعقول النيّرة.
علي حسين عبيد -كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية.
بخصوص الإجابة عن السؤال الأول: تتحول المؤسسات في العراق إلى عامل مساعد لبناء اقتصاد قوي من خلال تبني الإصلاح الهيكلي والحوكمة الرشيدة. يتطلب ذلك تفعيل مبادئ الشفافية والمساءلة، ومكافحة الفساد المالي والإداري لتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. كما ينبغي أتمتة الخدمات الحكومية وتقليل البيروقراطية لتسهيل بيئة الأعمال ودعم القطاع الخاص، مما يسهم في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.
بالإضافة إلى ذلك، يتوجب على المؤسسات الاستثمار في رأس المال البشري وتطوير المهارات الشبابية، وصياغة سياسات استثمارية مرنة تشجع الابتكار والمشاريع الصغيرة والناشئة، وتوجيه الموارد نحو إعمار البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية، مما يخلق بيئة اقتصادية مستدامة ومستقرة تحقق النمو والازدهار الشامل للبلاد مستقبلاً.
أما الإجابة عن السؤال الثاني: فإن الإيرادات النفطية تشكل العصب الأساسي للاقتصاد العراقي، غير أن هذا الاعتماد الأحادي جعل الدولة رهنًا للتقلبات المستمرة في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يستدعي إحداث إصلاحات مؤسسية جذرية تضمن تحويل هذا المورد الطبيعي الفاني إلى محرك لبناء اقتصاد متين وقادر على الصمود أمام الأزمات. تتطلب هذه العملية إعادة هيكلة شاملة لمؤسسات القطاع العام وإدارة الموارد وفق رؤية استراتيجية مستدامة.
تأتي في مقدمة هذه الإصلاحات تفعيل الصناديق السيادية الاستثمارية وإدارتها وفق أطر قانونية ومؤسسية صارمة معزولة عن الضغوط السياسية والانفاق الاستهلاكي اليومي، كذلك يجب أن تُوجه نسبة مقتطعة ثابتة من عوائد النفط نحو هذا الصندوق لتدويرها في استثمارات منتجة داخلية وخارجية، مما يخلق صدّادًا ماليًا يحمي الموازنة العامة في أوقات انخفاض أسعار النفط، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الأجيال القادمة.
كما ينبغي التركيز على تنويع القاعدة الاقتصادية من خلال توجيه الاستثمارات الحكومية والمحلية نحو قطاعات حيوية كالزراعة، والصناعة التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة. يتطلب هذا الأمر إصلاح المؤسسات المالية والبنكية لتقديم التسهيلات الائتمانية للقطاع الخاص، الذي يجب أن يلعب دورًا محوريًا كشريك في التنمية بدلاً من اعتماده شبه الكامل على العقود والمشاريع الحكومية.
إن بناء بيئة استثمارية جاذبة يتطلب تبسيط الإجراءات والإصلاح الإداري والحد من البيروقراطية والتصدي الحازم للفساد المالي والإداري من خلال تعزيز الشفافية وتفعيل الأجهزة الرقابية المستقلة ومعايير الحوكمة الرشيدة.
إلى جانب ذلك، تتطلب التنمية المستدامة إصلاح قطاع الطاقة المحلي نفسه، من خلال وقف هدر الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط واستغلاله لتوليد الكهرباء وتشغيل الصناعات المحلية، إضافة إلى الانقال التدريجي نحو الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة. إن هذا التحول ينعكس إيجابًا على خفض التكاليف البيئية والاقتصادية ويوفر موارد إضافية للتنمية.
ختامًا، فإن النجاح في تحويل الثروة النفطية إلى اقتصاد قوي لا يقف عند حدود الإدارة المالية للنفط، بل يرتبط بمدى قدرة المؤسسات الوطنية على إعادة توجيه هذه العوائد لبناء اقتصاد متعدد الموارد، قائم على الإنتاج والمعرفة، وامتلاك المصدات الكافية لمواجهة التقلبات والأزمات الاقتصادية المستقبلية بثبات.
أحمد جويد- مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات.
في الحقيقة أنا غير مطلع بشكل كبير على القضايا الاقتصادية، ولكن ما لفت انتباهي في العنوان هو نظام الحكم، ونظام الحكم يلفت الانتباه في الدول النفطية المنتجة للنفط، أن النفط هو الذي شكل أنظمة الحكم في الدول النفطية، أعتقد أن أغلب الحكومات في الدول النفطية هي صنيعة الشركات التي كانت تنتج النفط.
وفي العراق أكثر الويلات بدأت منذ عام 1972، مع بداية ما يسمى بتأميم النفط، ومثل هذه القضية حدثت مع مصدّق في إيران، حين حاول في الخمسينات أن يُقدِم على التأميم، والتالي حدث التغيير لحكومة مصدق والإطاحة به، وكل هذا بسبب النفط وما قامت به الشركات النفطية الاحتكارية البريطانية آنذاك.
العراق قام بنفس الخطوات التي قام بها مصدق في إيران، وتحدى شركات النفط البريطانية، والحقيقة منذ ذلك الوقت، إلى اليوم أريد للعراق أن لا يهنأ (كما يُقال) بنفطه، وإلى الآن لا تزال قضية تشكيل الحكومات في هذه الدول والإطاحة بها تحدث بسبب النفط، وكذلك في ليبيا أيضا بسبب قضايا النفط، وفي كل مكان.
كل دولة منتجة للنفط تكون الشركات الاحتكارية والدول التي تقف خلفها هي التي تصنع الحكومات وتشكل أنظمة الحكم، ولذلك يجب على الشعوب أو الدول التي تريد أن تستقر، عليها أولا أن تحقق الاستقرار السياسي، يعني نظام الحكم الذي يتشكل فيها سواء كان ديمقراطيا أو غير ذلك، إذ يجب أن يكون نظام حكم غير دكتاتوري ولا يكون تابعا للدول الاحتكارية.
بالتالي إذا استقرت السياسة سوف تستقر السياسات النفطية أو الاقتصادية، ومن الممكن للبلد أن يستفيد من ثرواته، وإلا إذا كانت أنظمة الحكم تأتي بطريقة الانقلابات وغير ذلك، فمهما تكون الثروات النفطية تحت الأرض لا يمكن الاستفادة منها.
حسين شاكر العطار- أكاديمي وباحث في الشأن السياسي.
إجابة عن السؤال الأول، إن نظام الحكم في الدول النفطية إذا قسمنا الدول إلى دول ديمقراطية، كالنرويج والسويد وبعض الدول الأخرى ذات النهج الديمقراطي، لكن هي دول مستقرة، وبعض الدول تعاني من لعنة النفط كالعراق وفنزويلا والدول النامية، لكن أنا قد اختلف مع ما طرحته هنا، فمؤشر الديمقراطية ليس هو بالضرورة العامل الحاسم وإنما مؤشر الاستقرار.
بالنسبة للديمقراطية وهنا نضرب مثالا عن السعودية وبعض الدول الخليجية، فهي ليست دولا ديمقراطية، لكنها في نفس الوقت تتحلى بالاستقرار، لذلك قد يكون اقتصادها ريعي أيضا، لكن اخذت تتحرك وتتنوع وبدا انتاجها غير النفطي يزداد في خلال العقدين الماضيين، وهذا ما حدث في السعودية بشكل اكبر وفي قطر أيضا وما تمتلكه من ثروة الغاز ورغم عدم وجود مؤشر على الديمقراطية لكن هذه الدول تتمتع بالاستقرار.
اما نحن في العراق فقد أضعنا (المشيتين) كذلك لدينا مسألة ثانية وهي تتعلق بتذبذب النظام السياسي في دولنا التي تعتبر دول تعاني من الفوضى أو دول هشة مثل فنزويلا والعراق وكثير من الدول الأخرى، هذه الدول تمتلك النفط وتعتمد عليه ولذلك تتذبذب مع النفط، فالنظام السياس في حال وجود انتاج نفطي جيد وسوق جيد لتسوي النفط سوف نجد ان النظام السياسي مستقر.
لكن بمجرد أن تتذبذب أسعار النفط صعودا وانخفاضا، تحدث الاضطرابات السياسية، ولذلك نلاحظ ان وجودها هش، لذلك فإن وجود نظام الحكم يعتمد على مؤشر النفط، اما النقطة الثالثة فيما يتعلق بالسؤال الأول وقد أشار لها سماحة الشيخ مرتضى معاش بأن ثقافة الشعب في الدول النفطية تختلف عن سواها.
هناك دول مثلا لا تعتمد على النفط في اقتصادها واستقرار نظامها، بل تعتمد على الزراعة وغيرها، وتجد العقلية الزراعية موجودة لديها وكذلك وجود العقلية الصناعية أيا، لكن نحن للأسف توجد لدينا ثقافة عقلية الغيب، وكما يقول المثل الشعبي (اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب)، وهذا الأمر موجود، حيث يعتبر النفط موجود وطالما لدينا نفط فنحن بخير والصرف مفتوح.
بالإضافة إلى عدد السكان، في فنزويلا والعراق هناك أعداد كبيرة من البشر تصل إلى ثلاثين أو أربعين مليون، بينما في تلك الدول المستقرة، حتى الزيادة السكانية تحدث ضمن إطار العقل والتخطيط، يعني عدم وجود إفراط، بينما يوجد لدينا إفراط وتفريط وعدم وجود استقرار.
إن التعداد السكاني يعطي مؤشرا مهما، فالدولة الناشئة او الهشة مثل العراق، وفنزويلا، إذا تريد أن توفر نظاما صحيا تحتاج إلى تخطيط مضاعف، بينما عدد سكان النرويج مثلا خمسة ملايين نسمة، وحين تأتي لقضية الرعاية الصحية، فإن رعاية خمسة ملايين تختلف عن رعاية أربعين مليونا من البشر، حتى لو كانت الأموال متوفرة، فالمشكلة ليست في وفرة الأموال وإنما في إدارة الأموال، وفي إدارة السكان، وهذا يؤكد بأن إدارة خمسة أو ستة ملايين تختلف عن إدارة الأعداد الهائلة.
هنا نحن نتكلم عن الدول النفطية، بينما هناك دول كثيرة اعتمدت على أمور أخرى كالزراعة والصناعة، فالصناعة في شرق آسيا في وضع ممتاز، وكذلك الاستثمارات وغيرها في مجال الإلكترونيات، لكن في الدول النفطية إدارتها للأموال تختلف عن غيرها.
بالنسبة للإجابة عن السؤال الثاني، حول الإصلاحات المؤسسية، أولا نحتاج إلى نظام سياسي مستقر، ونحتاج أيضا إلى سن قوانين، لتنظيم الثروة النفطية والطاقة والموارد الطبيعية، هذه القوانين يجب أن تكون موحدة، ومنظومة متكاملة تقر خلال سنتين أو ثلاثة تقر جميعها وفق عقلية موحدة.
فما هي المشكلة الموجودة لدينا؟، إن هذه الاضطرابات السياسية أدت إلى وجود قوانين في سبعينات القرن الماضي حيث كانت العقلية آنذاك مختلفة عن قوانين الثمانينات، لذلك تجد ان قوانين السبعينات القدمة منظمة بشكل أفضل من قوانين الثمانينات التي جاءت من قبل مجلس قيادة الثورة وأحدثت ردة فعل من خلال الدكتاتورية.
وحين نأتي إلى النظام الديمقراطي تجد ورود قوانين فوضوية، متعارضة مع غيرها من القوانين، حيث قامت قوانيننا كلها على النظام المركزي، أما الآن فنحن نظامنا السياسي ليس مركزيا، وانما هو نظام ديمقراطي مختلف، لذلك يفترض أن يتم تغيير القوانين كلها، وهه مسألة مهمة جدا، وهذه هي الفوضى للأسف.
أما السياسة الخارجية ودورها في تحجيم الاقتصاد، حيث نحتاج إلى إصلاحات مؤسسية مهمة جدا في السياسة الخارجية، وفق نظام مؤسسي وليس وفق اجتهادات شخصية، وهذا حدث نتيجة للحروب ونتيجة للتقاطعات السياسية.
وأخيرا مكافحة الفساد، تحتاج أيضا إلى مؤسسات وإصلاحات حقيقية وليست شكلية، وهذه الحملة الحالية حتى لو استمرت فإنها لا تنتج شيئا لماذا لأن النظام فاسد بينما يفترض أن يكون النظام هو أصلا يكافح الفساد، فمكافحة الفساد لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب ومكافحة الجريمة وتنظيم الدولة وضبط الحدود.
ولكن للأسف الشديد إن عقلية الحكومة وعقلية النظام السياسي يضع قضية مكافحة الفساد في آخر الأهداف، بينما يفترض أن تكون مكافحة الفساد في المقدمة، لأن وجود الفساد هو سبب وجود كل المشاكل التي نعاني منها، وإصلاح أي نظام أو أي مؤسسة مرهون بماذا؟، بتجفيف منابع الفساد ومن ثم إصلاح النظام الاقتصادي والنظام الصحي والنظام التربوي والنظام الجامعي والطاقة والكهرباء، فإصلاح هذه القطاعات مرهون أولا بمكافحة الفساد.
محمد الصافي - تربوي وباحث في مركز الإمام الشيرازي.
إن موضوع المؤسسات في نظام الحكم يعد عاملا حاسما وهذا شيء مؤكد، لكن نحن توجد لدينا مشكلة وقد تم التطرق لوضع التشريعات والقوانين، نحن في العراق حتى في بداية الحقبة الجمهورية في سنة 1958، وحتى قبل تاريخ تأميم النفط وغير ذلك، فتقريبا القوانين العراقية هي تحدد الاستثمار الأجنبي، وكذلك حددت القوانين الاستثمارات الضخمة في العراق.
العالم اليوم ينظر للدول ووجودها على الخريطة اذا كانت تمتلك موردا اقتصاديا او تقوم بتشغيل شركات او انها تمتلك أشياء مؤثرة، مثلا تمتلك موانئ قد تكون مهمة، أو تمتلك طرقا وبضائع مهمة، على ان تكون داخل منظومة الاقتصاد العالمي.
العراق منذ سنة 1958 هو غير داخل في منظومة الاقتصاد العالمي، بمعنى دعنا نكون واقعيين، عندما قامت حرب الخليج الأولى في الثمانينات والثاني في التسعينات وفي الحصار وما بعد الحصار، العراق كانت لديه حصة كبيرة معينة في أوبك مثلا، قلت هذه الحصة ووصلت إلى مرحلة بحيث هذه الحصة أصبحت صفر، لكنها لم تؤثر على الاقتصاد العالمي.
حتى أزمة هرمز الآن التي لا تخص العراق وحده، فكثير من الدول المحيطة بمضيق هرمز أحدثت بعض التغييرات للاقتصاد العالمي، لكنها ليست تغييرات كبيرة بحيث تطيح بالاقتصاد العالمي، أو يمكن ان تجعل من العراق دولة مؤثرة، ولها تأثيرها بالاقتصاد، كما حدث مثلا عند اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وحدثت أزمة القمح، وكذلك أزمة الغاز، وكذلك جائحة كورونا وتأثيراتها.
هذه التأثيرات في وقتها أثرت على كل العالم، لكن العراق لا نريد ان نقول بأن تأثيرها في الاقتصاد صفر ولكنه تأثير قليل، لماذا لأنها دولة غير داخلة في المنظومة، بسبب القوانين والتشريعات، واحدة من أهم الأمور بدأت تحدث تغييرات مع العام 2026، وأنا أتوقع أن يحدث ربط العراق بالشركات العالمية.
هذا العالم تقوده الشركات ولا تقوده الحكومات، لأن الحكومة هي مجموعة من الموظفين، تم انتخابهم من قبل الناس، وكل سنتين أو كل أربع سنوات يتم تبديلهم، لكن النظام الاقتصادي العالمي تقوده الشركات، وأمريكا الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقود الاقتصاد العالمي، ولهذا فإن المعنيين يعرّفون أمريكا بأنها شركة ضخمة.
والعالم اليود تقوده جهتان، الشركة الكبيرة وهي الولايات المتحدة الأمريكية، والمصنع الكبير الذي تمثلهن وتوجد فيما بينهم توافقات، وقد تنخفض في مجال وترتفع في مجال آخر، لكن الذب لا بنسق مع المصنع الكبير ومع الشركة الكبيرة، لا اعتقد يدخل في المنظومة العالمية، ولا يكون له أي تأثير.
موضوع النفط والموارد الأخرى، وحتى لو اكتشفنا ألف مورد جديد في العراق، سوف يبقى الشعب فقيرا، وتبقى الدولة فقيرة، لاسيما أن الدولة تقوم بحملات لمكافحة الفساد حتى بمكنها تأمين الرواتب، أو باتت هناك ازمة في كيفية تصدير النفط لصرف الرواتب، لا أحد يقول نحن نصدر النفط لكي ندخل في تأسيس شركات أو نطور شركات، ولكن أين هي الشركات في بلدنا، الكلام يتمحور دائما حول النفط وتأثيره.
لذا أعتقد من دون الدخول في المنظومة العالمية، والاقتصاد العالمي عن طريق الشركات سوف لا يكون لدينا أي تأثير، وسنبقى ندور في نفس الدوامة.
باسم حسين الزيدي- باحث في مركز الإمام الشيرازي.
الحقيقة هذه المفارقة لاحظتُ أن المهتمين والمختصين يطرحون عليها مصطلح (المرض الهولندي) وهو مصطلح معروف، فعندما أحد قطاعات المواد الطبيعية يطفو على السطح ويدرّ موارد ضخمة للدولة، هذا طبعا سوف يؤدي إلى خلل في القطاعات الأخرى، يتعلق براجع الصادرات، فهذا القطاع الذي يدر أموالا ضخمة سترفع من قيمة العملة، وبالتالي تصبح عملية الإنتاج عبثية لأن الوارد هو أقل بأضعاف عن الصادر ونقصد الواردات المصنَّعة.
هذا باختصار هو المرض الذي يعاني منه العراق، فعندما يتم طرح موضوع اقتصادي ما، يتبادر إلى ذهني دائما إذا كانت هناك مشكلة بالاقتصاد الريعي، ونريد أن نقوم بتغييره، مثلا يصدر قرار كما تصدر القرارات فجأة من الدولة العراقية، بأن نتحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد رأسمالي وتنتهي المشكلة ونصبح مثلا مثل النرويج.
الحقيقة أن المشكلة في العراق أكبر من تغيير اقتصاد، مثلما يوجد عند النرويج بنية متكاملة تشتمل على التشريعات والنظام الضريبي والقطاع المالي والشفافية والنزاهة وإلى آخره، هذه هي البنية التي أدارت الاقتصاد بحيث جددتها وأولتها إلى ما وصلت إليه، فنحن أيضا توجد لدينا بنية متكاملة من الفساد والصفقات وانعدام الشفافية حتى الأفراد الفاسدين جزء من هذه المنظومة، لأن هذه المنظومة توارثناها إذا صح هذا التعبير، عبر أجيال.
بمعنى أن هذه المنظومة انتقلت من جيل إلى جيل، وبالتالي حتى لو قمنا في العراق بتغيير كل الموجودين في الساحة، فإن هذه البنية نفسها لا تزال هي المتحكمة في اقتصاد العراق ومؤسساته، هذا هو السبب الأساس في رأي وكما أتصور، لذلك كما ذكر سماحة الشيخ مرتضى معاش ان التغيير الذي يأتي من الأتمتة أو من تحسين القطاع المالي أو المصرفي، هذه الإجراءات كلها لن تكون قادرة على حل المشكلة.
لذا نحن نحتاج إلى تغيير شامل في عملية إدارة الاقتصاد من تشريعات، ونظام ضريبي وإلى آخره، حتى يكون ممكنا أن نغير من الواقع الاقتصادي الذي يعاني منه العراق.
الخاتمة للأستاذ الباحث حامد الجبوري:
أشير إلى بعض المداخلات، بخوص وجود دولة معينة تقوم بتصدير مادة معينة كما يقوم العراق بتصدير النفط، هذا الشيء يولد عملة صعبة وهكذا سوف يكون هناك طلب على العملة المحلية وهذا يؤدي إلى ارتفاع قيمتها أو سعرها، وعندما يرتفع سعرها سوف تكون قيمتها عالية أمام المستثمر الأجنبي، مما يؤدي إلى قلة الطلب عليها وبالنتيجة كل القطاعات تضعف امام هذا القطاع لذلك هذا يؤثر على القطاعات الأخرى ويكون ذو قطاع انتاجي واحد، هذا بخصوص مصطلح المرض الهولندي.
ما طرحه أستاذ محمد الصافي بخصوص الشركات العالمية، بصراحة نحن لا نريد أن نذهب وننافس الشركات العالمية في أفق الاقتصاد العالمي، المطلوب منا فقط أن نقوم باستثمار الإيرادات النفطية في بناء اقتصاد محلي، ولا أستثمر في قطاع الزراعة أو الصناعة أو غير ذلك، كلا، لماذا لأننا تحولنا نحو اقتصاد سوق نظريا أي بالقول فقط، لكننا عمليا لم نتحول بعد، لذا يجب أن نقلل من الكلف حتى نشجع القطاع الخاص لكي يقوم هو في بناء هذه المشاريع سواء في الزراعة أو الصناعة أو التجارة.
فالمطلوب هو أن أقوم بتوفير البنى التحتية، وأقضي على الفساد، وفي هذه الحالة سوف أقلل من الكلف بحيث هو (القطاع الخاص) يبني نفسه بنفسه ويواكب التطورات، خصوصا أن القطاع الخاص يمتلك القدرة على البحث عن المواد الأولية، بحيث يقوم بضغط التكاليف التي يمكنه أن تحقق له الأرباح.
أما الاستثمار باتجاه البنى التحتية، بالإضافة إلى موضوع الصحة والتعليم، هذه تمثل عوامل جوهرية في بناء الاقتاد المحلي، ولا نريد أن ننافس في الاقتصاد العالمي. أما بخصوص النفط كمورد، فهذا أمر معروف ومتّفق عليه هذا صحيح، إنه مورد اقتصادي، لكن هو يمثل هنا مورد أساسي وقائد للاقتصاد، ويؤثر على الاقتصاد بحكم امتلاكه الصدارة في هذا الموضوع فيستحوذ على الاقتصاد، وهنا ماذا حدث، لقد أصبح دور الاقتصاد هنا أكثر وأكبر بحيث هو المتحكم بالاقتصاد كله.
وهنا أتفق مع أستاذ محمد الصافي بأن مشكلتنا بدأت منذ سنة 1958، بحيث أصبح الاقتصاد حكومي، وهناك تخططي مركزي تحت هيمنة الحكومة، فتحول الاقتصاد إلى وزارات، والوزارات كلها أصبحت بيد القائد العام للقوات المسلحة، وبالنتيجة إذا قال القائد العام للقوات المسلحة قال الاقتصاد، لذلك منذ سنة 1958 تم إلغاء مجلس الإعمار، وقد تأسس مجلس الإعمار في سنة 1950 إلى 1952، وفي 1958 تم إلغاء مجلس الإعمار.
وتم ذكر تأثير الاستعمار على الاقتصاد وكذلك تأثير العولمة كما ذكر أحد المشاركين، بصراحة أنا أختلف حول هذه النقطة، وحسب المقولة التي تنص على ما يلي (المستعمرون ما استعمروك إلا وجدوك قابلا للاستعمار)، وفي نفس الوقت يقال أيضا (لم يخرج الاستعمار من أرضنا ما لم نخرجه من رؤوسنا)، وهنا أتفق مع سماحة الشيخ بخصوص العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية.
نحن دائما نشخص الفساد على أنه سبب، بينما هو نتيجة لسوء التحول، لذا فإن مسألة الاستعمار هو نتيجة ولاحقا أصبح سببا في تفشي الفساد.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!