يتصور الكثير في العراق، من اعلاميين ومحللين وساسة ومؤثرين، ان الادارة الاميركية برئاسة ترامب في مرحلة رئاسته الثانية ان العراق يشكل محور مهم في السياسة الخارجية الاميركية وضمن الاولويات الاميركية، ويسوقون للرأي العام ان البلد ضمن دائرة التوتر والصراع في المنطقة
يتصور الكثير في العراق، من اعلاميين ومحللين وساسة ومؤثرين، ان الادارة الاميركية برئاسة ترامب في مرحلة رئاسته الثانية ان العراق يشكل محور مهم في السياسة الخارجية الاميركية وضمن الاولويات الاميركية، ويسوقون للرأي العام ان البلد ضمن دائرة التوتر والصراع في المنطقة.
الواقع يختلف كثير اذا ما نظرنا للأمور والتطورات في المنطقة بحيادية وموضوعية، فقضايا الصراع في غزة واليمن تحتل اولوية للسياسة الاميركية في المرحلة الآنية. الاهتمام الاميركي، ومنذ تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة، في منطقة الشرق الاوسط اشتمل على بعض المصالح الرئيسية طويلة الأمد لأميركا وهي (أمن الطاقة، ودعم شركاء الولايات المتحدة، والاستقرار الإقليمي، وحرية الملاحة، ومنع الحرب، ومكافحة الإرهاب، واحتواء إيران والحد من نفوذها، ومنع انتشار الاسلحة النووية). كما ان الأولويات التي حددتها الإدارة الثانية للرئيس دونالد ترامب في المنطقة تشتمل على ردع إيران، ومكافحة الشبكات الإرهابية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الشركاء الرئيسيين.
كانت زيارة الرئيس ترامب الى المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة في منتصف أيار الماضي، وهي رحلة تضمنت تحولًا سياسيًا كبيرًا لرفع العقوبات عن سوريا والاجتماع برئيسها الحالي أحمد الشرع، واتفاقيات تعاون في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تُمثل تطورًا جيوسياسيًا وجيواقتصاديًا كبيرًا. ولم يكن العراق ضمن جدول اهتمام زيارة الرئيس الاميركي للمنطقة ولا حتى بإشارة مباشرة او طرح رؤية مستقبلية حول المنطقة ومن ضمنها العراق.
بالرغم من كل ذلك، ومع تخندق التفكير لدى الكتل السياسية (قومياً وطائفياً)، وهي صفة ملازمة لتلك الكتل بعد الاحتلال الاميركي والتغيير السياسي في العراق في ظل عدم وجود مشروع دولة وطنية عابرة للقومية والطائفية، جاء التدخل والتهديد الاميركي بعقوبات امنية واقتصادية في حال تمرير قانون الحشد الشعبي في مجلس النواب بدعوى انه يعزز النفوذ الايراني في العراق، في وقت يمثل هدف ردع إيران والحد من نفوذها أحد اهم الاولويات الاميركية في المنطقة.
لكن هذا التدخل لا يدلل على اهتمام اميركي بالعراق، بقدر ما يدلل على ان النظرة الاميركية للعراق تتمحور حول ان العراق في الطرف المعادي للمصالح الاميركية على المدى المتوسط والبعيد. كما انه يدلل على ان النظرة الاميركية حول العراق مضمونها بأن القرار العراقي السياسي والامني لازال خارج ارادة العراقيين، وبعيد عن مصالح الدولة العراقية، وانكارا للدور الاميركي في دعم الدولة العراقية امنيا وسياسيا واقتصادياً. وهذه النظرة هي من حركت الادارة الاميركية في موقفها الاخير المتشدد تجاه اي خطوة سياسية او تشريعية ترسخ الدور والنفوذ الايراني في العراق.
صانع القرار في العراق غير مهيأ بعد لاستيعاب طبيعة التقاطع بين المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى والفاعلين الاقليميين وطبيعة الادوار الجيوسياسية والجيواقتصادية لهما في المنطقة، ولا زالت "القوى السياسية" في مرحلة ما قبل تشرين الاول 2023 وما تبعها من تطورات في غزة ولبنان وسوريا واخيرا الحرب الايرانية الاسرائيلية.
تلك القوى، وبفعل عدم امتلاكها لمشروع بناء دولة وطنية، لازالت توظف مصلحة الطائفة والقومية –لإيهام جماهيرها ومؤيديها – بهدف تعزيز المصالح الحزبية ومصالح "زعمائها" المالية والسياسية واستدامة تلك المصالح. وبدلا من التركيز على الدولة ومؤسساتها، يجري تسويف الواقع باختلاق تهديدات اقليمية على اساس طائفي، واختلاق اعداء للدولة على اساس طائفي عبر وسائل الاعلام المحلية المملوكة لتلك القوى، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتهم الالكترونية.
هذا الوضع واضح في الداخل كما هو واضح لدى المجتمع الدولي والدول الكبرى والاقليمية الفاعلة في المنطقة. ولذلك لا تتعدى النظرة الدولية للعراق على انه دولة هشة سياسيا واقتصاديا وامنيا مسلوبة القرار السياسي والامني. وبهذا الوضع لا يمكن لدولة ان تسعى للاهتمام ان تشارك مصالحها الاستراتيجية مع دولة هشة.
ولهذا، وبعد تنفيذ المرحلة الاولى من الانسحاب الاميركي من بغداد والانبار تجاه اربيل، ابدت الادارة الاميركية مخاوفها من عودة تنظيم داعش الارهابي لملمة شتاته وتعزيز قدراته. فضلا عن تأكيدها مواصلة رصد ومساعدة القوات الامنية العراقية في التصدي للتنظيم الارهابي حتى ايلول 2026.
ولذلك حتى نستدعي الاهتمام الدولي بالعراق، ينبغي وضع مشروع لبناء دولة وطنية تضم كافة الاعراق والديانات والطوائف، ويكون فيها الانسان محور الاهتمام، وتكون لها سيادتها على كامل اقليمها بمنظومة امنية واحدة وقرار أمنى واحد، ويتم تنضيج قرارها السياسي والاقتصادي والامني بناء على مصالحها، وبما يعزز من قوة مؤسساتها ومقومات امنها الوطني والقومي. ولا نتصور ان " القوى السياسية" الحالية، ووفق منطلقاتها الفئوية الضيقة التي وصلت لمستوى الطائفة والحزب والعائلة المسيطرة على الحزب، قادرة على وضع مشروع دولة بعد أكثر من عقدين من الفشل. كما لا يمكن للانتخابات التشريعية القادمة ان تنتج قوى سياسية جديدة في ظل حملة الاقصاء ضد المختلفين سياسيا في الداخل وابعادهم من الانتخابات تحت يافطة المساءلة والعدالة وشبهات فساد وغيرها. وإذا ما تم تطبيق معيار شبهات الفساد لوحده على كل مرشحي "القوى السياسية"، لتم استبعاد الجميع من المشاركة وتكون انتخابات بلا مرشحين، لكن الازدواجية في تطبيق المعايير هي من اخطر سمات " الدولة " بعد 2003، وهو ما اسهم في ضعف سيادة القانون، والانكى اصبح القانون وسيلة للإقصاء.
اضافةتعليق