عندما يكون هذا النظام السياسي وليد الانتخابات فهذا لا يعني بأن النظام ديمقراطي، لأن الانتخابات هي واحدة من مظاهر النظام الديمقراطي، هناك مظاهر حرية التعبير وحرية الرأي وإنفاذ القانون والأمن وقضية سيطرة الدولة على السلاح، والتداول السلمي للسلطة، والالتزام بالدستور وشرعية السلطة ومشروعية أدائها كل هذه هي مؤشرات وانتخابات أيضا..
إذا أصر تحالف الفتح على الاشراف على عملية تشكيل الحكومة وأعاد توجه بغداد السياسي نحو طهران، فقد تعود العلاقات إلى أيام الاضطرابات خلال الإدارة الأمريكية الأولى لترامب، عندما كان العراق ساحة معركة فعلية بين إيران والولايات المتحدة، وكانت الشركات الأمريكية تفضل الابتعاد عن البلد..
إنَّ تحقيق الإصلاح في العراق يحتاج إلى إرادة سياسية من النخبة، ويمكن تعزيز هذه الإرادة عبر تعاون شبكي بين المجتمع المدني والفاعلين الإصلاحيين داخل النظام؛ لخلق ضغط فعّال من أجل التغيير. فمن دون اجراء إصلاح هيكلي، تبقى الانتخابات في العراق مجرد منافسة نخبوية، ولن تحقق مساءلة المواطنين، لذا فالإصلاح هو السبيل لإعادة بناء الثقة والديمقراطية الحقيقية..
إن نجاح الانتخابات في العراق لا يتحقق إلا بترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على النزاهة، والمسؤولية، والانتماء الوطني، بحيث يصبح السلوك التنظيمي الإيجابي سلوكًا جماعيًا ثابتًا لا يرتبط بالأفراد بل بالمؤسسة ذاتها. وبهذا يمكن للمفوضية أن تمثل نموذجًا إداريًا نزيهًا يسهم في ترسيخ أسس الديمقراطية وبناء الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة..
ينبغي على القيادات والقوى السياسية النافذة عدم جعل التجربة الديمقراطية العراقية مجرد مريض محتضر ينتظر الموت ولو بعد حين، بل عليها جعلها وليدا واعدا ينمو يوما بعد يوم ليصل الى مرحلة النضج والقوة والاحترام، فنجاح هذه التجربة سيمثل نجاحا لكل العراقيين بصرف النظر عن خلفياتهم الاثنية والعرقية، واختلافاتهم السياسية والفكرية اما فشلها وانهيارها فهو خسارة بالغة سيعاني منها، وسيتحمل وزرها الجميع..
لترسيخ النظام أو البناء الديمقراطي في العراق یحتاج إلى تحولات عمیقة، ومن أهمها تثبیت مبدأ المواطنة بكل دلالاتها كحق لأفراد المجتمع؛ مما یمكنهم من المشاركة في العملیة السیاسیة، وبالتالي فإن غیاب هذا المبدأ أو محاولة تغییبه أو تهميشه، سوف ینعكس سلبًا على أي محاولة لبناء نظام دیمقراطي أكثر استقرارًا. فضلًا عن الاغتراب السياسي، الذي يعد من اهم الآثار المترتبة على العزوف الانتخابي، إذ يتولد شعور لدى اغلب المواطنين، ولاسيما عند فئة الشباب، حالة من اليأس وفقدان الأمل من القدرة على احداث تغيير سياسي أو حكومي أو في نتائج الانتخابات..
سنة 2025 ليست اعتيادية بالنسبة للعراق؛ كونها تأتي في ظل ظروف خطيرة للغاية تجعل عبورها الآمن أمرا مثيرا لدهشة وارتياح الحكومة وجميع القيادات السياسية المتنفذة في هذا البلد، ولذا تتطلب الحذر الشديد، فالأخطاء المرتكبة فيها على مستوى القرارات والمواقف والحسابات ستكون كارثية ومن الصعب تلافي اضرارها وعواقبها..
أن الاسباب الاقتصادية والاجتماعية وما يتعلق بهما من مسببات، تعد أحد أهم دوافع العزوف الانتخابي وعائق كبير ضد التغيير السياسي والمشاركة السياسية، ولعل هذا الامتناع أو العزوف يصب في صالح القوى والأحزاب السياسية التقليدية الموجودة في دائرة الحكم وإدارة الدولة منذ عام 2003 وحتى الآن؛ الأمر الذي يدفعها إلى تعزيز موقفها السياسي وخلق حالة من الزبائنية السياسية والجماهيرية للحفاظ على مكاسبها السياسية والانتخابية مع كل دورة انتخابية..
إن استمرار رفض نتائج الانتخابات من القوى المعترضة، سيؤدي إلى تداعيات وخيمة على العراق كدولة ومجتمع، فمن الممكن أن يؤدي إلى صراع مسلح بين الاطراف المتنافسة، او بين الاجهزة الأمنية والفصائل التي تتبع السيد مقتدى الصدر من جهة، والفصائل المسلحة الرافضة للانتخابات من جهة اخرى..
ان التراجع الحاد الذى سجلته انتخابات تشرين في حصة بعض الاحزاب والقوى السياسية، يؤشر إلى أن هناك توجهاً جديداً يحكم الرأي العام العراقي، مؤداه أن الشعب لن يتنازل عن التغيير، وتحديداً ذلك النوع من التغيير الذى يخرج العراق من فلك وسيطرة الأحزاب التقليدية وانتماءاتها الايديولوجية. ولعل قانون الانتخابات الجديد الذي صاغه مجلس النواب بعد احداث تشرين، كان السبب المباشر في الإطاحة بتلك الأحزاب..
لا يبدو الإسلام السياسي الشيعي في أحسن حالاته، فهناك انقسامات داخلية عميقه بين قواه السياسية، وهناك خلافات حادة جراء تناقض مصالح قياداته وتفرق أهوائهم. فالخلافات لم تعد تلك الخلافات السياسية التي تدور حول رئاسة الوزراء كخلافات حزب الدعوة والتيار الصدري أو الخلاف على بعض الحقائب الوزارية، التي نراها مع بداية التشكيلة الحكومية او الوزارية، بل امتدت إلى المؤسسات الأمنية، كالخلافات التي ظهرت مؤخراً بين فصائل الحشد الشعبي أو بين الحشد الشعبي وحشد العتبات..
يبدوا ان "القوى السياسية والتيارات والحركات السياسية" المؤثرة والكبيرة عملت منذ قرار اجراء الانتخابات المبكرة على عدم وجود نظام انتخابي يؤدي الى ايجاد تمثيل حقيقي للجماهير بقدر ما عملت على ترسيخ وجودها بالسلطة والحفاظ على قوتها وتأثيرها السياسي على الاقل لما يترتب عليه من مكاسب مادية والافلات من المحاسبة والمساءلة..
مقابل القوائم والتحالفات والاحزاب والحركات التي اعلنت مشاركتها في الانتخابات، اعلنت قوى وتيارات واحزاب جديدة اوجدتها احتجاجات تشرين واخرى احزاب عريقة كالحزب الشيوعي العراقي وحزب الشعب للإصلاح – والذين لديهما نواب في مجلس النواب العراقي-انسحابهم من المشاركة في الانتخابات. وهذه القوى عددها كبير وهو مؤشر على عمق المخاوف والشكوك التي تساورها من إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة في البلاد..
يمكننا أن نصف الدعاية الانتخابية الحالية بالدعاية الزبائنية؛ لكونها دعاية مركزة على قطاع وجمهور وزبائن كل حزب ولا يمكنها أن تتعدى حدودها الزبائنية؛ وهذا ربما يعود إلى التطور في الوعي الانتخابي العراقي بعد انتفاضة تشرين من جهة، وانعدام فرص الاستثمار الانتخابي التي توافرت في الانتخابات السابقة كـ (الحرب الطائفية، وتوظيف المذهبية، والانسحاب الأمريكي، والانتصار على داعش) من جهة أخرى، فضلاً عن طبيعة القانون الانتخابي، الذي حصر المنافسة بالدوائر الانتخابية..
أن رئاسة الوزراء القادمة تمثل معركة سياسية بين القوى السياسية الشيعية، التي ستؤثر كالعادة في طبيعة استحقاقهم الانتخابي وستؤثر على طبيعة توازناتهم وتحالفاتهم داخل السلطة التشريعية، وستكون القوى الشيعية رهينة البراغماتية الكردية وستكون أربيل قبلتهم السياسية، التي ستملي شروطها عليهم بتحالفها الانتخابي، وبموازاة الموقف السياسي للقوى السياسية السنية. فكيف ستواجه القوى السياسية الشيعية استحقاق رئاسة الوزراء هذه المرة وكيف ستحل هذه المعضلة، التي اصبحت نقطة ضعف كبيرة تؤشر على القوى السياسية الشيعية واداءها السياسي...؟..
هناك تداعيات خطيرة، ستترتب على انسحاب الصدر من الانتخابات المقبلة، سواء ما يتعلق منها بالنتائج المترتبة على العملية السياسية والنظام السياسي بشكل عام، او ما يترتب على طبيعة التحالفات السياسية ونفوذ القوى السياسية الشيعية داخل قبة مجلس النواب، أو في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؛ لذلك ربما يصبح خيار تأجيل الانتخابات أو إلغائها خياراً سياسياً مطروحاً بقوة، إذا ما أصر السيد الصدر على عدم المشاركة فيها..
أن الانتخابات القادمة قد تكون مختلفة عن سابقاتها بحدثين مهمين: الأول، هو أن الانتخابات يمكن اعتبارها مبكرة، كمطلب مهم ورئيس من مطالب انتفاضة تشرين. أما الحدث الثاني، فيتمثل بالقوى أو الحركات السياسية – التي تصنَّف بأنها تشرينية أو ممثلة عن حركات الاحتجاج، التي ستشارك في الانتخابات القادمة، وما يمكن أن تضيفه هذه الحركات على مخرجات العملية الانتخابية على المستوى التشريعي والتنفيذي..
بعد سلسلة حوادث الاغتيالات والخطف والاشكال الاخرى للعنف، وتطورات الاوضاع الامنية والسياسية والمواقف الحزبية، افرزت مجموعة اشكاليات مبطنة وغير ظاهره. وهذه الاشكاليات، اذا ما استمر تغذيتها ستقود حتما الى البلاد الى حافة الهاوية. كما ان هذه الاشكاليات هي نتاج لسلوكيات " قوى واحزاب " بعضها له دوره السياسي (التشريعي والتنفيذي) الكبير، وبعضها احزاب جديدة نشأت مؤخراً عن الحراك الاحتجاجي..