بعد ان اتضح للقارئ الكريم في المقالين الأول والثاني طبيعة العوامل المؤثرة في تشكيل الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر، وانعكاساتها على البنية الفكرية لهذا الخطاب، بات من الضروري جدا في هذا المقال تقديم ما يراه كاتب هذه السطور مناسبا من الاضاءات لتجديد وتطوير هذا الخطاب في المستقبل..
ليس امام هذا الخطاب من سبيل للنجاة من الانحدار والزوال، الا البدء بسرعة بإعادة النظر في منطلقاته الفكرية والعملية، من اجل تجديدها وتقديم خطاب مختلف ينسجم مع حاجات العصر، وقادر على الاستجابة لتطلعات الشعوب المسلمة وغير المسلمة في العالم الإسلامي، وان السبل الى ذلك ستكون موضع المقال الثالث لهذه السلسلة..
يمثل سانت ليغو طوق النجاة بالنسبة لقوى الإطار التنسيقي التي فقدت ثقة بعض جماهيرها، على الرغم من المال السياسي والسلاح والسلطة والإعلام، وغيرها من الادوات التي تمتلكها ومكنتها من ترسيخ نفوذها طيلة العقدين الماضيين؛ لهذا نراها تراجعت كثيراً عن مطالبها السياسية ومرجعيتها الإسلامية، أزاء كل تطور من شأنه يهدد نفوذها السياسي..
نعتقد بأن المعادلة التي حكمت العقل الشيعي منذ قرون، تعرضت لانكشاف تاريخي خلال تجربتها السياسية بعد عام 2003 وحتى الآن، وأن ملامح المرحلة المقبلة قد تفرض عليها سلوك جديد يتجاوز الأطر القديمة التي كانت تحكمه طيلة السنوات السابقة وتتماشى مع الذهنية الجديدة التي افرزتها انتفاضة تشرين على المستوى السياسي والاجتماعي..
أن غياب المنافسة السياسية الحقيقية في المشهد السياسي العراقي، وغياب الايديولوجية السياسية والشعبية التي من شأنها أن تنافس تيارات وأحزاب الإسلام السياسي الشيعي طيلة المرحلة الماضية، وضعها في موضع مريح حتى ما قبل انطلاق تظاهرات تشرين نهاية العام 2019, لكن هذا الوضع اختلف "نوعاً ما" مع ولادة حركة تشرين وبات الخوف والخشية يكتنف أغلب تيارات الإسلام السياسي من مستقبلها السياسي..
أثار فك ارتباط الفصائل المسلحة التابعة للعتبات الدينية، عن هيئة الحشد الشعبي وارتباطها برئيس الوزراء -القائد العام للقوات المسلحة وفق الدستور العراقي – في نيسان الماضي حراكا متخفيا من قبل بعض القيادات المهمة في الحشد الشعبي مثل هادي العامري رئيس منظمة بدر ورئيس تحالف الفتح في مجلس النواب..
سيطرة الاحزاب السياسية والمافيات في العراق تعيق باستمرار اصلاح وتطوير هذا المرفق المالي المهم من اجل ضمان السيطرة على تلك المنافذ وتأمين ايرادات مالية ضخمة، تقدر بـ (10) مليار دولار سنويا وفقا لنواب في اللجنة المالية البرلمانية، لتمويل الاحزاب وضمان الهيمنة على النفوذ والسلطة في العراق..
عدم الاكتراث لأوضاع البلاد من قبل "القوى السياسية الشيعية" والانشغال بمصالحها الضيقة ليس جديدا. ولكن الجديد في الامر هو الازمة المركبة الحالية، والرفض الشعبي للقوى السياسية كافة من دون استثناء. كما ان هذا الانقسام سرعان ما كشف زيف مواقف بعض القوى التي حاولت التقرب من الجماهير المنتفضة..
رغم ان البلد في مرحلة انتقالية، وهي مهمة بالنسبة لدولة تريد أن تتبنى نظام سياسي ديمقراطي، لكن للأسف الشديد كانت البداية هي الطائفية والقوائم الانتخابية المغلقة والاحزاب السياسية التي عبارة عن مجموعات تبحث عن المغانم والمكاسب الضيقة حزبية كانت ام شخصية، لذا تبرز نحتاج لوضع معايير لهذه المرحلة الانتقالية حتى نضمن تداول سلمي للسلطة ونضمن تنشئة سياسية جيدة ونضمن سلوك سياسي منضبط ونضمن ذوق عام، يشعر بالمسؤولية تجاه سيادة القانون والحفاظ على النظام العام..
تأخر "القوى السياسية" في العراق – وبالأخص القوى "الشيعية" - خطوات وسنوات عن التحول الاجتماعي الحاصل بسبب عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عدة، جعلها في مأزق اليوم وهي تواجه حراك اجتماعي احتجاجي واسع شكل صدمة كبيرة لها في جغرافية يعتقدون انها عمق انتخابي وجماهيري لهم..
لقد برز التأثير السيء الناتج عن كل ما تقدم من خلال النقمة الشعبية المستمرة، التي اظهرتها معظم الاطياف الاجتماعية العراقية – بين فينة وأخرى-وتجسدت، أخيرا، في شكل انتفاضة شعبية، واسعة وناقمة، في مناطق الوسط والجنوب، منذ الأول من تشرين الأول-أكتوبر 2019 والى الوقت الحاضر، قادت الى اسقاط حكومة السيد عادل عبد المهدي، وتهدد بتغيير موازين القوى بشكل قد يغير كامل المعادلة لما سمي بالعملية السياسية التي جاءت عقب الاحتلال الأمريكي..
على الأحزاب الشيعية أن تدرك جيداً، بأن تجربتها الحاضرة في العراق تمثل قمة التطور في العقل السياسي الشيعي، بغض النظر عن آليات هذا التطور وطبيعة الوصول إليه، وأن الفشل فيها، سيؤدي إلى نتائج عكسية وخيمة، ربما لا تقل خطورة عن تلك النتائج التاريخية التي اسهمت في تحجيم دور الشيعة في الابتعاد عن السلطة عبر التاريخ..
على الاحزاب الشيعية أن تفتح حوار مع الاخر حول اداءها، اهم نقطة يمكن أن تحسب للأحزاب الشيعية هو الذهاب نحو المستقبل والتخلص من الاستبداد ومن العنف.الاستبداد هو عائق اساسي امام التطور والتغيير، النقطة الثانية عندما يؤمن بالعنف المسلح والعنف اللفظي والانشطار، فالعسكرة تصبح مشكلة عندما تريد أن تثبت وجودك، فاذا لم نتخلص من الاستبداد ومن العنف فالأداء السياسي دائما يكون كارثي..
ما زالت الاحزاب الإسلامية أو الإسلام السياسي غير قادر على التعاطي معها سواء فيما يتعلق بالديمقراطية كنظام أو الديمقراطية كسلوك إنساني على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، على الرغم من اعترافهم بالديمقراطية كنظام انتخابي واسلوب لإدارة الدولة..