إن أزمة الفكر السياسي العربي والإسلامي لا تكمن في نقص المفاهيم، بل في إدراك اتجاهها ومرتكزاتها. فبينما يتقدم هذا الفكر في إنتاج أدوات تبرير السلطة، يتراجع في بناء نظرية سياسية تُعلي من شأن الإنسان وتضعه في مركز العملية السياسية. ومن دون إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه مصدرًا للشرعية وغاية للنظام السياسي ومعيارا لنجاح مؤسسات الحكم، سيبقى هذا الفكر عاجزًا عن إنتاج نموذج حديث للحكم يواكب تحولات العصر، ويحقق التوازن بين الدين والديمقراطية في آن واحد..
اذا كانت الديمقراطية – على اختلاف صورها - أرقى أشكال التعبير عن احترام الإنسان لذاته ولأخيه الإنسان؛ فلتكن الديمقراطية التي ننشدها ونعيها ونمارسها هي التي توفر لنا القدرة على تجاوز واحتواء اختلافاتنا واتخاذ قراراتنا وحكم انفسنا دون وصاية خارجية. وبكل احوال الديمقراطية وصيغها ومواصفاتها لن تكون هي غايتنا ومقصدنا ، بل هي الطريق المستنير الذي سنسلكه نحو مجتمع يزدهر فيه العقل وتسمو فيه الروح ويتعايش فيه الجميع تحت مظلة وطن واحد ومصير واحد..
تؤدي الانقسامات الدينية والطائفية في الشرق الأوسط إلى ترسيخ الاستبداد السياسي، وتعميق التعصب، وتعزيز المشاريع الأصولية المتطرفة، مما يجعل تطلعات الربيع العربي تبدو أبعد من أي وقت مضى. لكن، ورغم مآسي السنوات القليلة الماضية، فإن التطورات الأخيرة توفر أخيرًا بارقة أمل للتغيير الدائم..
لماذا لا تزال الديمقراطيات العريقة في أمريكا وأوروبا وغيرها قادرة على الاستمرار بلعب دورها الديمقراطي بفاعلية مقبولة، نوع ما في الوقت الحاضر، على الرغم من وجود الفجوة الكبيرة بين مواطنيها فوق العادة، ومواطنيها المثيرين للشفقة، فيما قد تعجز بعض الديمقراطيات الناشئة (حديثة العهد بالديمقراطية) عن لعب الدور نفسه، مما يعرضها الى الانتكاس السريع والفشل المريع؟..
فاعلية الحراك الشعبي لن تتوقف وسيعتمد مستوى وتيرتها وزخمها الاحتجاجي على نتاج المسارات المستقبلية لهذه الانتخابات ، فكيف يتم الإصلاح التدريجي في بيئة طاردة للديمقراطية محكومة بالسلاح والفساد ؟ وكيف للقوى السياسية المتشبثة بالسلطة ان تسمح بالتغيير الفعلي على حساب فنائها؟..
المائة عام الأخيرة من عمر الشرق الأوسط تحكي قصة فشل كبيرة لجميع بلدان المنطقة في التطور الديمقراطي، محكومة بأسوء اشكال الحكم، من حيث تقييد الحريات، والاستئثار بالسلطة، واحتكار الثروة والنفوذ، فيما بقيت شعوبها مجرد رعايا لنظام الحكم لا مواطنين تربطهم رابطة المواطنة الواحدة المتساوية..
إذا أراد العراق أن يكون رائدا في محيطه، آمنا على مستقبله، ومؤثرا على مستوى العالم، فعليه توفير المرتكزات اللازمة لترسيخ ديمقراطيته، وفي مقدمتها تعزيز المواطنة الفعالة لمواطنيه؛ لأنه بين خيارين لا ثالث لهما: إما النجاح في تجربته الديمقراطية، وإما الاستسلام لدكتاتورية جديدة قصيرة العمر تعقبها الفوضى العارمة التي قد تهدد وجوده السياسي بالكامل..
ما زالت الاحزاب الإسلامية أو الإسلام السياسي غير قادر على التعاطي معها سواء فيما يتعلق بالديمقراطية كنظام أو الديمقراطية كسلوك إنساني على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، على الرغم من اعترافهم بالديمقراطية كنظام انتخابي واسلوب لإدارة الدولة..
لا يمكن تجاوز المحتوى الانساني والطبيعة الاجتماعية للإصلاح الدستوري بدلالة القوة الدافعة ( المجتمع ) والمحيط المؤثر فيه، وكذلك بدلالة الموضوعات التي يعالجها ذلك الاصلاح والتي قد تكون موضوعات ذات طابع اجتماعي..
الديمقراطية ليست مؤسسات دستورية ديمقراطية شكلا ودكتاتورية ثقافة وسلوكا، كما انها ليست انتخابات دورية يسهل التحايل على المواطن الضعيف فيها من قبل المتنفذين بالترغيب ام بالترهيب ليقبل مستسلما بحكم السراق والجلادين، وانما هي قيم وتقاليد يترعرع عليها الفرد منذ نعومة اظفاره، ويمارسها في علاقته مع افراد اسرته وأصدقائه وجيرانه والمختلفين معه في المعتقد والرأي والاثنية والجنس..
أن اقطاب المجتمع العراقي اليوم تجتمع في شأن يمسنا جميعا ويمس السلم الاهلي والتعايش الاجتماعي، لنناقش دور العشيرة في حماية التجربة الديمقراطية في العراق واخذ الانتخابات كنموذج، وذلك من خلال التعاون بين منظمات المجتمع المدني ممثلة في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ومديرية شؤون العشائر في كربلاء المقدسة..
على الرغم من العنف والتخويف، احتفظ العراق بحياة سياسية حقيقية وصحافة حرة نسبيا، وله علاقة مع عشرات القنوات الإخبارية التلفزيونية، المعادي بعضها لرئيس الوزراء العبادي، ومع حلول موعد الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في شهر أيار، لا يمكن لأحد أن يتنبأ من سيكون الفائز..