السياسة النقدية تعتمَد كإحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها الدول في إدارة اقتصاداتها، لما تؤديه من دور في تحقيق الاستقرار السعري، وتنظيم السيولة النقدية، والمحافظة على قيمة العملة المحلية، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي. وتزداد أهمية هذه السياسة في الاقتصادات التي تعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد، كما هو الحال في العراق الذي ترتبط إيراداته العامة وتدفقاته من العملات الأجنبية ارتباطًا وثيقًا بالصادرات النفطية.
وهذا الارتباط يجعل الاقتصاد العراقي أكثر تأثرًا بالتقلبات الخارجية، سواء تمثلت في تغير أسعار النفط أو اضطراب طرق التصدير أو تراجع الإيرادات الحكومية. وقد اكتسبت هذه القضية أهمية متجددة في العراق بعد قرار تعديل سعر الصرف في 7 تشرين الأول 2026، إذ ارتفع السعر الرسمي للدولار إلى 1,520 دينارًا، مقارنة بنحو 1,320 دينارًا سابقًا، وفقًا لما نقلته وكالة رويترز. وجاء القرار في ظل ضغوط مرتبطة بتراجع تدفقات الإيرادات النفطية واضطراب الصادرات، الأمر الذي أعاد النقاش حول العلاقة بين استقرار الدينار واحتياجات الحكومة التمويلية.
ولا يمكن النظر إلى تعديل سعر الصرف باعتباره إجراءً نقديًا منفصلًا عن بقية السياسات الاقتصادية؛ فهو يؤثر في تكلفة الاستيراد، والقوة الشرائية للمواطنين، ونفقات الدولة بالدينار، وحسابات التجار والشركات. وفي المقابل، تحتاج الحكومة إلى توفير الموارد اللازمة لدفع الرواتب وتمويل الخدمات والمشروعات العامة، وهو ما يفرض تحديًا يتمثل في التوفيق بين متطلبات الاستقرار النقدي والاحتياجات المالية والاقتصادية.
ومن هنا تبرز ضرورة دراسة السياسة النقدية العراقية ضمن إطار اقتصادي شامل، يوضح حدود دور البنك المركزي، وعلاقته بالسياسة المالية الحكومية، ومدى قدرة الأدوات النقدية وحدها على معالجة الاختلالات الهيكلية. فاستقرار العملة لا يتحقق بمجرد تثبيت سعر الصرف، كما أن تمويل احتياجات الاقتصاد لا ينبغي أن يتحول إلى ضغط مستمر على قيمة الدينار، بل يتطلب تنسيقًا مؤسسيًا وإصلاحات إنتاجية ومالية مستدامة.
ولهذا تم تقسيم المقال الى أربعة محاور وكما يلي:
أولًا: مفهوم السياسة النقدية وواقعها في العراق
تُعرّف السياسة النقدية بأنها مجموعة الإجراءات والتدابير التي يتخذها البنك المركزي للتأثير في السيولة النقدية، وأسعار الفائدة، والائتمان، وسوق الصرف، بهدف المحافظة على استقرار الأسعار ودعم سلامة النظام المالي. وتختلف أدواتها بحسب طبيعة الاقتصاد؛ فقد تشمل إدارة الاحتياطيات الأجنبية، ومتطلبات الاحتياطي الإلزامي للمصارف، وعمليات السوق المفتوحة، وتنظيم بيع العملات الأجنبية، وإدارة السيولة داخل الجهاز المصرفي.
وفي العراق، يضطلع البنك المركزي العراقي بدور محوري في إدارة السياسة النقدية والمحافظة على الاستقرار الداخلي للأسعار واستقرار النظام المالي، إلى جانب إدارة الاحتياطيات الأجنبية وتنظيم إصدار العملة. ويحدد قانون البنك المركزي أهدافه ووظائفه، مع الإشارة إلى أن دعم النمو المستدام والتوظيف والازدهار يأتي ضمن أهدافه في إطار المحافظة على استقرار الأسعار.
لكن خصوصية الاقتصاد العراقي تكمن في أن الحكومة تعتمد بدرجة كبيرة على النفط في تمويل الإنفاق العام، في حين يعتمد القطاع الخاص على الاستيراد لتلبية جزء مهم من احتياجات السوق. ونتيجة لذلك، يرتبط الطلب على الدولار بتمويل التجارة الخارجية، بينما يرتبط عرضه بدرجة كبيرة بالإيرادات النفطية التي تحصل عليها الدولة.
وقد أظهر تعديل سعر الصرف في تشرين الأول 2026 هذه العلاقة بوضوح؛ إذ إن ارتفاع عدد الدنانير المقابلة لكل دولار من الإيرادات النفطية يمنح الحكومة موارد محلية أكبر عند تحويل تلك الإيرادات، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه تكلفة السلع المستوردة. ولذلك فإن تقييم السياسة النقدية لا ينبغي أن يقتصر على قدرتها على توفير الدولار، بل يجب أن يشمل انعكاساتها على الأسعار والإنتاج والدخل الحقيقي للمواطن.
ثانيًا: أهمية السياسة النقدية وأهدافها
تنبع أهمية السياسة النقدية في العراق من ارتباطها المباشر بمستوى المعيشة والاستقرار الاقتصادي. فكلما ازدادت الثقة بالدينار والنظام المصرفي، تحسنت قدرة الأفراد والشركات على التخطيط المالي، وتراجعت دوافع اللجوء إلى الاحتفاظ بالعملات الأجنبية باعتبارها وسيلة للتحوط من المخاطر.
وتتمثل أبرز أهداف السياسة النقدية في المحافظة على استقرار الأسعار، والحد من التقلبات غير المبررة في سعر الصرف، وتوفير السيولة اللازمة لتمويل الأنشطة الاقتصادية المشروعة، وتعزيز الثقة بالمصارف، وضمان كفاءة انتقال الأموال بين القطاعات الاقتصادية.
كما تسهم السياسة النقدية الفاعلة في دعم الاستثمار من خلال توفير بيئة مالية أكثر قابلية للتوقع، وتسهيل المدفوعات المحلية والخارجية، وتحسين إدارة المخاطر المرتبطة بالتجارة. إلا أن هذه الأهداف لا تتحقق بمعزل عن السياسات المالية والإنتاجية؛ فالبنك المركزي لا يستطيع بمفرده معالجة العجز الحكومي المزمن أو زيادة الإنتاج المحلي أو إصلاح منظومة الضرائب.
ومن الضروري التمييز بين تمويل احتياجات الاقتصاد الحقيقي وتمويل العجز المالي للحكومة. فالأول يشمل توفير الائتمان للمشروعات المنتجة والتجارة والاستثمار، بينما يرتبط الثاني بقدرة الدولة على تغطية نفقاتها من الإيرادات العامة والاقتراض. وعندما تتداخل المهمتان دون تنسيق واضح، قد تتعرض السياسة النقدية لضغوط تقلل من فاعليتها في تحقيق الاستقرار.
ثالثًا: أبرز المعوقات أمام السياسة النقدية العراقية
1- الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية
يشكل الاعتماد على النفط أحد أبرز مصادر التأثر بالصدمات الخارجية؛ فتراجع الصادرات أو الإيرادات النفطية يحد من تدفق الدولار، ويزيد صعوبة تمويل الإنفاق العام والتجارة الخارجية. كما أن تقلب أسعار النفط يجعل التخطيط النقدي والمالي أكثر تعقيدًا.
2- اتساع الفجوة بين الاحتياجات المالية والإيرادات الحكومية
عندما تتجاوز النفقات العامة الإيرادات المتاحة، تتزايد الحاجة إلى الاقتراض أو اتخاذ تدابير مالية إضافية. وإذا لم تقترن هذه الإجراءات بإصلاحات هيكلية، فقد تستمر الضغوط على الموازنة وتنعكس على البيئة النقدية. ولا يعني ذلك أن كل اقتراض حكومي يهدد العملة، بل تتوقف آثاره على شروط التمويل، وحجم الدين، وقدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات.
3- ارتفاع الاعتماد على الاستيراد وضعف تنوع الإنتاج المحلي
إن اعتماد السوق على السلع المستوردة يجعل الأسعار المحلية حساسة لتغير سعر الدولار وتكاليف النقل والتأمين والإنتاج في الخارج. لذلك قد تنتقل آثار تعديل سعر الصرف إلى المستهلك بسرعة، بينما تحتاج زيادة الإنتاج المحلي إلى وقت واستثمارات وبنية تحتية مناسبة.
4- تحديات القطاع المصرفي والاقتصاد النقدي
إن محدودية استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، واتساع التعاملات النقدية خارج القنوات المصرفية، والتفاوت في كفاءة المصارف، كلها عوامل قد تعقّد متابعة حركة الأموال وتزيد صعوبة توجيه الائتمان نحو الأنشطة المنتجة. كما أن معالجة اختلالات سوق الصرف تتطلب بيانات دقيقة، وإجراءات مصرفية واضحة، وتسهيل حصول المستوردين المستوفين للشروط على العملة الأجنبية.
رابعًا: الحلول والمقترحات لتعزيز فاعلية السياسة النقدية
1- تنسيق السياسة النقدية مع السياسة المالية
ينبغي وضع إطار واضح للتنسيق بين البنك المركزي ووزارة المالية، بما يحافظ على استقلالية القرارات النقدية ضمن القانون، ويضمن اتساقها مع خطط الإنفاق والإيرادات العامة. كما يتطلب ذلك اعتماد تقديرات واقعية للإيرادات النفطية، وتجنب بناء الالتزامات طويلة الأجل على توقعات متفائلة للأسعار والصادرات.
2- تنويع مصادر الإيرادات العامة
من الضروري تطوير الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح النظام الضريبي والكمركي، ومكافحة التهرب، وتحسين تحصيل الرسوم المستحقة، وتوسيع النشاط الاقتصادي الرسمي. ويجب أن يتم ذلك بطريقة عادلة لا تزيد الأعباء بصورة غير متناسبة على أصحاب الدخل المحدود، مع تحسين الخدمات مقابل الالتزامات المالية.
3- دعم الإنتاج المحلي والقطاع الخاص
إن زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين بيئة الاستثمار، من شأنها تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز فرص العمل. وكلما ارتفعت قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجات السوق محليًا، انخفضت حساسيته تجاه تقلبات أسعار الصرف وتكاليف الاستيراد.
4- تطوير القطاع المصرفي وتعزيز الشمول المالي
يتطلب ذلك توسيع استخدام الدفع الإلكتروني، وتحديث أنظمة التحويلات، ورفع كفاءة المصارف، وتسهيل إجراءات فتح الحسابات وإجراء المعاملات التجارية المشروعة. وينبغي أن تترافق هذه الخطوات مع تعزيز الرقابة والامتثال المصرفي، حتى تتوافر الثقة في النظام المالي وتتحسن كفاءة توزيع السيولة.
5- تقييم قرارات سعر الصرف وفق آثارها الاقتصادية
يجب أن تستند قرارات سعر الصرف إلى تحليل شامل يأخذ في الاعتبار الاحتياطيات الأجنبية، والتضخم، وتكاليف الاستيراد، وأوضاع المالية العامة، والقوة الشرائية للأسر. كما ينبغي نشر تفسيرات واضحة للقرارات ومتابعة انعكاساتها على أسعار السلع الأساسية، مع اتخاذ إجراءات اجتماعية موجهة لحماية الفئات الأكثر تضررًا، بدل الاعتماد على تغيير سعر الصرف بوصفه حلًا منفردًا للاختلالات المالية.
إن السياسة النقدية في العراق تواجه مهمة دقيقة تتمثل في المحافظة على استقرار الدينار وتوفير بيئة مالية تدعم احتياجات الاقتصاد، في ظل اعتماد كبير على النفط وتزايد الضغوط المالية. وقد أظهر تعديل سعر الصرف في تشرين الأول 2026 أن القرارات النقدية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيرادات الحكومية والتجارة الخارجية ومستوى معيشة المواطنين.
غير أن استدامة الاستقرار لا تتحقق بتعديل سعر الصرف وحده، بل تتطلب إصلاحًا ماليًا يقلل العجز، وتنويعًا للإيرادات، وتطويرًا للقطاع المصرفي، ودعمًا للإنتاج المحلي. فحماية العملة وتمويل التنمية ليسا هدفين متعارضين بالضرورة؛ وإنما يمكن التوفيق بينهما عبر إدارة اقتصادية منسقة، وقرارات شفافة، وسياسات تستند إلى البيانات وتضع الاستقرار المعيشي والإنتاجي في صميم أولوياتها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!