الاقتصاد العراقي: من قسوة الريع الى الاقتصاد المرن... الطريق الى الازدهار

الاقتصاد العراقي: من قسوة الريع الى الاقتصاد المرن... الطريق الى الازدهار

يختزن العراق ثروة ضخمة من النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى، وتحتل هذه الثروة أهمية استراتيجية كبيرة بوصفها العنصر الرئيس (الوحيد تقريباً) للإيرادات المالية، ومنذ أن تأكدت أهمية هذا المورد الطبيعي أصبح الريع النفطي أهم الموضوعات التي تشغل الأوساط السياسية والاجتماعية ورجال المال والاقتصاد.

وتُشير الادبيات الاقتصادية الى إن ومع كل اكتشاف أو استثمار للحقول النفطية يشعر المسؤولين الحكوميين والمواطنون على حد سواء بالبهجة بما قد تجلبه هذه الاستثمارات من ازدهار، إلا إن هذه النشوة كثيراً ما تكون في غير محلها، فقد خاب أمل الدول من تحقيق النمو بعد اكتشاف النفط وحلت عليها المشكلات الاقتصادية بعد ذلك، وقد أقر العالم منذ زمن بعيد بأن الدول التي لديها إيرادات وفيرة من النفط والموارد الطبيعية الأخرى غالباً ما تحقق مستويات أقل من النمو الاقتصادي وتعاني من مشكلات اجتماعية أكبر بالمقارنة مع الدول التي تتمتع بموارد أقل وهي ظاهرة عُرفت بلعنة الموارد(1).

وتاريخياً، بدأ اكتشاف النفط في العراق أواخر القرن التاسع عشر، وتجارياً تم اكتشافه بكميات كبيرة في عام 1927 ليدخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه الاقتصادي، إذ انتقل النفط تدريجياً من مجرد مورد طبيعي الى الركيزة الأساسية للاقتصاد العراقي، فتاريخ اكتشاف النفط العراقي ليس مجرد اكتشاف حقول بل أيضاً تاريخ العلاقة بين الثروة والسيادة الاقتصادية.

ومن منظور الاقتصاد السياسي، فأن نشأة الدولة الريعية العراقية بدأت بالتشكل منذ خمسينيات القرن الماضي، إذ تبلورت مع اتفاقيات مناصفة الارباح مع الشركات النفطية العاملة ومن ثم استعادة مساحات واسعة من مناطق الامتياز النفطي بموجب القانون رقم 80 لسنة 1961، وبعدها عمليات التأميم لعام 1972 ليشهد البلد حقبة مهمة من تاريخ الدولة الريعية النفطية لا زالت معالمها واضحة ومترسخة ومتجذرة فيه.

 وقد شكل العراق في مرحلة ما بعد انهيار النظام الاستعماري بعد الحرب العالمية الثانية حالة متميزة بين بلدان العالم الثالث نتيجة وفرة موارده البشرية والطبيعية، فقد دخل مرحلة ما بعد الحرب بإمكانات بشرية وثروات طبيعية جيدة، فالثروة النفطية الضخمة مكنت متخذي القرار ليس فقط في مواجهة تحديات فرض الضرائب، الاقتراض الأجنبي، الاستثمارات الخارجية بل حررتهم من ضغوط عجز ميزان المدفوعات وغيرها من المشكلات، وقررت الحكومات آنذاك تخصيص إيرادات النفط لأغراض التنمية، وكان العراق متقدماً على سواه من الدول المنتجة للنفط والدول النامية الأخرى(2) .

إلا إن البلد شهد خلال عقدي الثمانينات والتسعينات مرحلة جديدة من تاريخ الدولة الريعية العراقية، إذ تحول الاقتصاد العراقي من اقتصاد ذو قدرة مالية جيدة الى اقتصاد يواجه أزمة مالية حادة ويسعى جاهداً لتأمين الحاجات الأساسية للمجتمع، ويتمثل الاخفاق الرئيس خلال تلك الحقبة بالسلوك الاستبدادي للنظام البائد، ويتجلى في التخصيص السيء للموارد النفطية بين اوجه استخداماتها الاستثمارية والاستهلاكية المختلفة، كما وبرزت من خلال سطوة سلطة الريع النفطي ظواهر أخرى ما كان لها أن تعتاش وتتطفل على الفائض الاقتصادي الكلي، إلا من خلال آليات وسلوكيات ابتدعتها السلطة الريعية-الاستبدادية.

 وبعد عام 2003، لم يكتفي العراق بالبقاء داخل دائرة الاقتصاد الريعي، بل دخل مرحلة شديدة من الريعية تحول فيها النفط إلى المحرك الوحيد والمباشر للحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد، وقد تجسدت ملامح الاقتصاد الريعي بعد عام 2003 بالآتي:

• التوسع المالي مع تراجع القطاعات الإنتاجية والخدمية: ارتفعت الإيرادات النفطية بشكل غير مسبوق نتيجة ارتفاع أسعار النفط وزيادة الصادرات، إلا أن هذه الوفرة المالية أدت إلى ظاهرة ((المرض الهولندي))، إذ غمرت السلع المستوردة الرخيصة الأسواق المحلية، مما تسبب في انكماش القطاعات الإنتاجية والخدمية.

• تضخم القطاع العام وتأسيس (دولة التوظيف): تضاعف عدد الموظفين في القطاع الحكومي والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية بشكل هائل، وتحول التوظيف الحكومي من أداة لإدارة الدولة إلى أداة لامتصاص الغضب الشعبي وتوزيع شبكات النفوذ، مما جعل الموازنة التشغيلية (الرواتب والأجور) تلتهم أكثر من 70-80% من إجمالي الإنفاق العام على حساب الموازنة الاستثمارية.

• فشل المؤسسات وانتشار الفساد: غابت الحوكمة الرقمية والأنظمة الرقابية الحازمة، مما أدى إلى ظهور منافذ استنزاف للمال العام مثل التهريب الجمركي، والمشاريع الوهمية... الخ، وتحول الفساد من سلوك فردي إلى بيئة مؤسسية تعرقل محاولات الإصلاح.

• الارتهان الكامل للصدمات الخارجية: أصبح الاقتصاد العراقي المكشوف تماماً أمام تقلبات أسعار النفط عالمياً، وتجلت هذه الهشاشة بوضوح خلال السنوات العشرة الأخيرة في أزمتين حادتين تمثلت الأولى في انخفاض أسعار النفط عام 2014 بالتزامن مع الحرب ضد العصابات الاجرامية والارهابية، وأزمة جائحة كورونا عام 2020، إذ واجهت الدولة صعوبة مباشرة في تأمين رواتب الموظفين، ومن ثم اضطرت الحكومة لتخفيض سعر صرف الدينار مقابل الدولار(( من أجل تمويل النفقات التشغيلية، ويوضح الشكل الآتي ملامح الاقتصاد الريعي في العراق من خلال البيانات والإحصاءات لعام 2025

شكل (1) مساهمة النفط في الصادرات والايرادات الحكومية والناتج المحلي الحقيقي لعام 2025

الشكل من عمل الباحث بالاستناد الى بيانات البنك الدولي


وبحسب صندوق النقد الدولي، فعلى الرغم من تحقيق الاستقرار الأمني وانهاء النزاعات الا إن معدلات النمو الاقتصادي لم تحقق تحسناً ملحوظاً، إذ حافظ معدل النمو منذ عام 2018 على مستوى شبة شبه راكد بمتوسط 0.3% متخلفاً بشكل كبير عن أقرانه الإقليميين والدوليين، بما في ذلك مصدرو النفط الآخرون في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)ويعود ضعف زخم النمو جزئياً إلى اضطرابات أسعار النفط نتيجة الأوضاع الاقتصادية العالمية التي عاشها ويعيشها الاقتصاد العالمي، وجزئياً إلى بطء النمو غير النفطي، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بمتوسط 1.3% فقط بين عامي 2018 و2023، مقارنة بـــ 1.8% لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، و 1.6% للمنطقة باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي، كما بقي نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في العراق والذي بلغ نحو 2700 دولار في عام 2022، وهو الأدنى في المنطقة، مبتعداً بكثير عن المتوسط العام للمنطقة البالغ 9500 دولار ، وادى تباطؤ النمو وضآلة خلق فرص العمل إلى زيادة الضغوط الاجتماعية في ظل ارتفاع السكان في سن العمل، ووفقاً لآخر مسح للقوى العاملة في عام 2021، بلغ معدل البطالة 16.6% و كان نحو 74% من الشباب خارج نطاق العمل أو التعليم أو التدريب، وهي نسبة أعلى بكثير من المتوسط لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا باستثناء الخليج (31%) وبقية العالم (أقل من 20%)، وتتزايد الضغوط الديموغرافية إذ يُتوقع دخول أكثر من 780 ألف وافد جديد سنوياً إلى سوق العمل، ليصل الى 9 ملايين شاب في عام 2030 في حال عدم تحسن آفاق النمو وخلق فرص العمل)(3).

عموماً، لم يؤثر شيء في أوضاع العراق مثلما أثر النفط فمنذ اكتشافه والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البُنى والقيم والمؤسسات تترى على البلد، وبات البلد مضمار تنافس بين قوى وتيارات للهيمنة والسيطرة(4).

استناداً الى ما تقدم، وفي ضوء هذا النمط البائس والفوضوي في إدارة الثروة النفطية، يُطرح التساؤل الآتي: لماذا لم تؤدي ثرواتنا الطبيعية دورها التنموي حتى الآن؟ وبشكل فعال في تحقيق التقدم والنمو والازدهار؟ والقضاء على الفقر والتخلف؟ وكيف يمكن لهذه الثروات أن تقوم بدورها على الوجه الأفضل؟

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أولاً كسر عُقدة الريع وقسوته بوصفه عاملاً معيقاً لعملية تأسيس اقتصاد متين ومرن، وتتطلب هذه العملية صياغة واستبدال النموذج الاقتصادي القائم على الريع الى نموذج قائم على عقلية الاستثمار التنموي، وهذا ليس مجرد خيار اقتصادي، بل هو شرط وجودي لإعادة بناء دولة واقتصاد مرن وقادر على الصمود. 

ويتطلب الأمر الانتقال من اقتصاد يتسم بالرخاوة والهشاشة والتدهور المعيشي وانتشار الفساد، الى اقتصاد مرن متنوع يستطيع مواجهة الصدمات وقائم على المعرفة والابتكار والتقدم التكنلوجي، ويوضح المخطط الآتي المقارنة بين الاقتصاد الرخو والاقتصاد المرن.

مخطط (1) مقارنة ما بين الاقتصاد الرخو والاقتصاد المرن

المخطط من عمل الباحث 

فالاقتصاد المرن يمثل معياراً للقوة الاقتصادية في عالم يتشكل بفعل أزمات وتوترات واضطرابات وتغيرات الجغرافية السياسية والتطور التكنلوجي المتسارع، وتسعى الدول جاهدة اليوم في إعادة النظر بمجمل أوضاعها الاقتصادية وتأمين مستقبلها الاقتصادي من خلال التوجه نحو بناء نموذج الاقتصاد المرن.

عموماً، تُشير تجارب الاقتصاد السياسي الى أن الدول التي تعتمد على مورد واحد (كالنفط مثلاً) لا تمتلك قابلية الصمود طويلاً أمام التحولات السريعة، وفي كل مرة تهتز فيها أسواق النفط العالمية تجد نفسها امام تحدي صعب يتمثل في اقتصاد هش، ومؤسسات تستجيب للأزمات ببطء شديد، والسقوط في فخ الديون... الخ، وعليه سعت الدول (لا سيما الريعية النفطية) الى تبني نموذج (الدولة المرنة) والتي تمتلك بنية مؤسسية قادرة على امتصاص الصدمات، وتنويع مصادر دخلها، والاعتماد على التكنولوجيا والحوكمة لخدمة مجتمعها.

وفي العراق يمثل الخروج من فخ (الاقتصاد الرخو) وكسر هيمنة الريع وقسوته والانتقال الى (الاقتصاد المرن) ليس مجرد خيار تنموي، بل هو قضية أمن قومي واقتصادي، فالمرونة هنا لا تعني إهمال القطاع النفطي، بل استثماره لبناء قطاعات إنتاجية وتطوير الصناعات التحويلية والبتروكيماويات، ودعم البنية التحتية الرقمية، وتمكين القطاع الخاص ليصبح المحرك الأساسي للتشغيل والابتكار.

إن الانتقال إلى المرونة الاقتصادية والمؤسسية لم يعد رفاهية تُناقش في الاجتماعات واللقاءات والندوات، بل تتمثل في توجيه الموارد النفطية لبناء اقتصاد حقيقي قائم على الصناعة، والخدمات، والابتكار، والتقدم، فإما أن نمتلك الإرادة السياسية والمؤسسية والاقتصادية لفرض التغيير وإعادة هيكلة الاقتصاد على أسس المرونة والكفاءة، أو سنبقى تحت رحمة تقلبات السوق النفطية منتظرين الصدمة القادمة التي قد لا نملك هذه المرة أدوات التعافي منها.


المصادر:

1-  جيمس كاست، ديفيد ميهاليي، لعنة ما قبل الموارد، مجلة التمويل والتنمية، صندوق النقد الدولي، واشنطن، العدد 45، الرقم 4، 2017، ص36. 

2- عباس النصراوي، الاقتصاد العراقي: بين دمار التنمية وتوقعات المستقبل 1950-2010، ترجمة: محمد سعيد عبد العزيز، دار الكنوز الأدبية، 1995، ص11.

3- International Monitory Fund, Selected Issus, Iraq 2025

4- حسن لطيف كاظم الزبيدي، النفط والسياسة النفطية في العراق، سلسلة كتب، مركز العراق للدراسات في النفط العراقي والسياسة النفطية في العراق والمنطقة في ظل الاحتلال الأمريكي: رؤية مستقبلية، 2007، ص9. 

أ.م.د سلطان جاسم النصراوي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!