بيع السندات الحكومية في العراق: تمويل العجز أم تأجيل المشكلة المالية؟

بيع السندات الحكومية في العراق: تمويل العجز أم تأجيل المشكلة المالية؟

تستخدم السندات الحكومية كإحدى الأدوات المالية التي تلجأ إليها الدول لتوفير الأموال اللازمة لتغطية نفقاتها وتمويل مشروعاتها، ولا سيما عندما تكون الإيرادات العامة غير كافية لتلبية الالتزامات المالية. وتقوم فكرة هذه السندات على اقتراض الحكومة الأموال من الأفراد أو المصارف أو المؤسسات الاستثمارية، مقابل التعهد بسداد أصل المبلغ والفوائد أو العوائد المقررة وفق شروط الإصدار. 

ومن هذا المنطلق، لا يُعدّ إصدار السندات في حد ذاته دليلًا على وجود أزمة مالية، إذ يمكن أن يكون وسيلة طبيعية لإدارة الدين العام وتوزيع احتياجات التمويل على فترات زمنية مختلفة. لكن أهمية هذه الوسيلة تزداد في العراق بسبب طبيعة الاقتصاد الوطني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية في تمويل الموازنة العامة، في وقت تتزايد فيه الالتزامات الحكومية المتعلقة بالرواتب والتقاعد والخدمات والمشروعات والاستحقاقات الأخرى. وعندما تتراجع الإيرادات أو تتسع الفجوة بين النفقات والموارد المتاحة، تجد الحكومة نفسها أمام خيارات متعددة، من بينها الاقتراض الداخلي، وإصدار السندات، وإعادة ترتيب الإنفاق، وزيادة الإيرادات غير النفطية.

وفي ظل النقاشات المتعلقة بعجز الموازنة العراقية والضغوط على سعر الصرف وتكاليف المعيشة، يبرز تساؤل اقتصادي مهم: هل يمثل بيع السندات الحكومية وسيلة فعالة لتمويل العجز وإدارة السيولة، أم أنه قد يتحول إلى إجراء يؤجل معالجة الاختلالات المالية إذا استُخدم بصورة متكررة دون إصلاحات حقيقية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين الاقتراض الذي يتيح للدولة عبور ضغوط مالية مؤقتة، والاقتراض الذي يُستخدم باستمرار لتغطية نفقات متكررة دون بناء موارد مستدامة. فالمشكلة ليست في السندات وحدها، بل في حجم الدين وتكلفته، وطريقة استخدام الأموال، وقدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها مستقبلًا. ومن هنا تأتي أهمية دراسة السندات الحكومية في العراق ضمن إطار أوسع يربط بين السياسة المالية، وإدارة الدين العام، والتنمية الاقتصادية ضمن خطوات عديدة منها:

أولًا: مفهوم السندات الحكومية وآلية عملها في العراق

السندات الحكومية هي أدوات دين تصدرها الدولة للحصول على التمويل من المستثمرين والمصارف والمؤسسات المالية، على أن تسدد قيمتها في موعد محدد ووفق عائد وشروط معلنة. وتختلف عن الضرائب والإيرادات العامة؛ لأن الضرائب لا تُردّ إلى دافعيها على شكل أصل دين، بينما ينشئ الاقتراض التزامًا ماليًا يستوجب السداد مستقبلًا.

وفي العراق، تتولى وزارة المالية إصدار أدوات الدين الحكومي ضمن الحدود التي تسمح بها القوانين النافذة والموازنة العامة، فيما يؤدي البنك المركزي العراقي دور الوكيل المالي للوزارة في تنظيم مزادات الأوراق المالية الحكومية وإعلان نتائجها. وتوفر هذه الآلية للحكومة مصدرًا للتمويل الداخلي، وقد تتيح للمصارف والمستثمرين توظيف أموالهم في أدوات مالية تصدرها الدولة. كما يمكن أن تساعد على تنظيم السيولة وتطوير سوق الدين المحلي إذا توافرت الشفافية والتسعير المناسب وتنوع المستثمرين.

لكن ينبغي التمييز بين إصدار السندات لتمويل احتياجات مؤقتة أو مشروعات ذات عوائد اقتصادية، وبين استخدامها بصورة متكررة لتغطية النفقات التشغيلية التي لا يقابلها نمو كافٍ في الإيرادات. ففي الحالة الأولى قد يكون الاقتراض جزءًا من إدارة مالية سليمة، أما في الحالة الثانية فقد يؤدي تراكم الاستحقاقات والفوائد إلى تضييق مساحة الإنفاق الحكومي مستقبلًا.

ثانيًا: واقع العجز والدين العام في العراق

توضح البيانات المالية العراقية أن مسألة تمويل العجز ليست افتراضية، بل ترتبط بفجوة ملموسة بين الإيرادات والنفقات. فقد بلغ العجز المالي الاتحادي نحو 26.329 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، إذ سجلت الإيرادات قرابة 39.096 تريليون دينار، مقابل نفقات بلغت نحو 65.424 تريليون دينار. كما شكلت الإيرادات النفطية قرابة 78% من إجمالي الإيرادات في تلك الفترة. 

وتكشف هذه الأرقام عن تحديين متداخلين: أولهما ارتفاع النفقات مقارنة بالإيرادات المتحققة، وثانيهما استمرار الاعتماد الكبير على النفط في تمويل الدولة. فعندما تنخفض الإيرادات النفطية أو تتأثر الصادرات، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية، بما فيها الاقتراض الداخلي وإصدار السندات. وفيما يتعلق بالدين الداخلي، أشارت بيانات وزارة المالية التي نشرتها وكالة الأنباء العراقية إلى أن رصيد الدين الداخلي بلغ نحو 96.629 تريليون دينار في نهاية نيسان 2026، بعد احتساب الاقتراض والتسديدات خلال الفترات السابقة.

ولا تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على قدرة العراق على تحمل الدين؛ إذ يجب النظر أيضًا إلى آجال الاستحقاق، وكلفة الفوائد، وحجم الإيرادات المتوقعة، والسيولة المتاحة، وقدرة الاقتصاد على النمو. لكن استمرار العجز مع الاعتماد الكبير على النفط يجعل إدارة الدين قضية تتطلب تخطيطًا ماليًا متوسط وطويل الأجل، لا مجرد توفير الأموال اللازمة لتغطية احتياجات السنة الحالية.

ثالثًا: هل تموّل السندات العجز أم تؤجل المشكلة؟

يمكن أن تحقق السندات الحكومية فائدة اقتصادية واضحة عندما تكون جزءًا من استراتيجية تمويل مدروسة. فهي تساعد على سد فجوة مؤقتة في السيولة، وتقلل الحاجة إلى إجراءات مالية مفاجئة، وتوفر للمستثمرين أدوات استثمار محلية. كما أن الاقتراض الداخلي قد يمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة احتياجاتها مقارنة ببعض أشكال الاقتراض الخارجي، بحسب شروط كل أداة ومخاطرها.

إلا أن السندات لا تلغي العجز المالي؛ بل تنقل جزءًا من عبء التمويل إلى المستقبل. فالمبلغ الذي تحصل عليه الحكومة اليوم يصبح التزامًا يجب سداده لاحقًا، وقد تضاف إليه فوائد أو عوائد، ما يعني أن استمرار الاقتراض دون تحسن في الإيرادات أو ضبط للنفقات يمكن أن يرفع تكلفة خدمة الدين ويقلل الموارد المتاحة للخدمات والاستثمار.

وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تستخدم الدولة الاقتراض باستمرار لتغطية رواتب ونفقات متكررة، دون أن تترافق هذه الخطوة مع نمو الإيرادات غير النفطية أو زيادة الإنتاجية. ففي هذه الحالة لا يخلق التمويل موردًا دائمًا للسداد، بل يتيح تأجيل مواجهة الفجوة المالية إلى وقت لاحق.

ومع ذلك، فإن القول إن كل إصدار للسندات يمثل تأجيلًا للمشكلة ليس دقيقًا أيضًا. فقد يكون الاقتراض مبررًا إذا كان العجز مؤقتًا، وكانت كلفة التمويل قابلة للتحمل، وكانت هناك خطة موثوقة للسداد. لذلك يتوقف التقييم على سبب الاقتراض، واستخدام الأموال، وشروط السندات، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، وليس على مجرد إصدارها.

رابعًا: أبرز المعوقات أمام استخدام السندات الحكومية

1. الاعتماد المفرط على الإيرادات النفطية

يجعل ارتباط الموازنة بأسعار النفط وكميات التصدير قدرة الحكومة على التخطيط للسداد أكثر عرضة للتقلبات. وعندما تتراجع الإيرادات، قد تتزايد الحاجة إلى الاقتراض بدلًا من تمويل النفقات من موارد مستدامة.

2. ارتفاع النفقات التشغيلية

إن استحواذ الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية والنفقات الجارية على حصة كبيرة من الإنفاق يحدّ من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية نحو مشروعات إنتاجية ترفع الإيرادات مستقبلًا. ويزداد التحدي عندما لا ينمو النشاط الاقتصادي بالسرعة الكافية لتوسيع قاعدة الإيرادات العامة.

3. محدودية تنوع المستثمرين والسوق المالية

إن ضعف مشاركة المستثمرين الأفراد والشركات في سوق السندات، ومحدودية تنوع الأدوات المالية المتاحة، قد يجعلان التمويل معتمدًا بدرجة كبيرة على المصارف والمؤسسات الحكومية. وهذا يتطلب تطوير سوق مالية أكثر عمقًا وشفافية، مع مراعاة عدم إضعاف قدرة المصارف على تمويل القطاع الخاص.

4. ضعف الربط بين الاقتراض والإصلاح المالي

قد يفقد الاقتراض فاعليته إذا لم يرتبط بخطة واضحة لتقليل العجز وتحسين تحصيل الإيرادات ومراجعة الإنفاق. كما أن غياب المعلومات التفصيلية والمبسطة عن آجال السداد وكلفة الاقتراض واستخدام حصيلته يصعّب على الجمهور تقييم جدوى هذه الإجراءات ومتابعة نتائجها.

خامسًا: الحلول والمقترحات

1- وضع استراتيجية متوسطة الأجل لإدارة الدين العام

ينبغي إعداد خطة واضحة تحدد حجم الاقتراض المسموح به، وآجال السداد، وكلفة الفوائد، ومصادر التمويل، والحدود التي يمكن للاقتصاد تحملها. ويجب أن تتضمن الخطة سيناريوهات بديلة لانخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات، مع نشر تقارير دورية عن تطور الدين ومخاطره.

2- توجيه الاقتراض نحو الاستخدامات ذات الجدوى الاقتصادية

من الأفضل أن يُربط الاقتراض، حيثما أمكن، بمشروعات البنية التحتية والخدمات والإنتاج التي تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس. أما تمويل النفقات التشغيلية الضرورية، فيجب أن يتم ضمن خطة مالية تحدد كيفية تغطيتها مستقبلًا، كي لا تتحول الاستدانة إلى بديل دائم عن الإيرادات المستدامة.

3- تنويع الإيرادات غير النفطية

يتطلب تقليل الحاجة إلى الاقتراض إصلاح النظام الضريبي والكمركي، وتحسين تحصيل الإيرادات المستحقة، ومكافحة التهرب والفساد المالي، وتوسيع النشاط الاقتصادي الرسمي. وينبغي تنفيذ هذه الإجراءات بصورة تدريجية وعادلة، مع حماية أصحاب الدخول المحدودة وتشجيع المشروعات المنتجة.

4- تطوير سوق السندات المحلية

يمكن تعزيز سوق الدين الداخلي من خلال تنويع آجال السندات، وتوضيح شروط الإصدار والعوائد ومواعيد السداد، وتوسيع قاعدة المستثمرين وفق ضوابط سليمة، وتوفير معلومات منتظمة عن نتائج المزادات. ويساعد ذلك على تحسين كفاءة الاقتراض وتكوين سوق مالية أكثر قدرة على استيعاب أدوات الدين دون الإضرار بتمويل الشركات والمشروعات الخاصة.

5- ضبط النفقات وتعزيز الرقابة والشفافية

ينبغي مراجعة النفقات العامة وتحديد أوجه الهدر، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتقييم المشروعات الحكومية وفق نتائجها الفعلية. كما يجب نشر تقارير توضح حجم الأموال التي جُمعت من بيع السندات، وأوجه استخدامها، وكلفة خدمتها، ومصادر سدادها. فالمساءلة المالية لا تقتصر على معرفة مقدار الدين، بل تشمل معرفة ما حققه التمويل للاقتصاد والمجتمع.

وعليه، إن بيع السندات الحكومية في العراق يمثل أداة يمكن أن تسهم في تمويل العجز وإدارة السيولة، لكنه لا يشكل حلًا مستقلًا للاختلالات المالية. ففاعليته تتوقف على حجم الاقتراض وكلفته، وأوجه استخدام الأموال، وقدرة الدولة على السداد. ومع استمرار الاعتماد الكبير على النفط واتساع الفجوة بين الإيرادات والنفقات، تصبح الحاجة ملحّة إلى ربط الاقتراض بإصلاح مالي حقيقي، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين كفاءة الإنفاق العام. فالسندات قد تمنح الحكومة وقتًا ومساحة للتحرك، لكن تحويل هذا الوقت إلى فرصة للإصلاح هو ما يحدد ما إذا كانت أداة تمويل مفيدة أم وسيلة لتأجيل المشكلة المالية.

حسين علي حسين

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!