لقد أجرى العراق العديد من الدورات الانتخابية على المستوى التشريعي، وبغض النظر عن طبيعة الانتخابات والنظام الانتخابي، والمعايير الحاكمة لكل دورة انتخابية، إلا أنها من المفترض أن تكون أداة للتغيير على المستوى البعيد – على اقل التقدير – فاليوم وبعد ما يقارب الربع قرن من التغيير السياسي الذي حصل عام 2003، وعلى الرغم من أن الحكومات تتغير كل دورة تشريعية وانتخابية، إلا أن المشكلة في العراق ما زالت قائمة، فالحكومات تتشكل وتتبدل، والتحالفات السياسية يعاد بناؤها، والوجوه تتقدم إلى الواجهة ثم تغادرها. إلا أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: لماذا لا ينعكس هذا التغيير المتكرر بالقدر نفسه على طبيعة الحكم، وأداء المؤسسات، وعلاقة الدولة بالمواطن؟ ولماذا يبدو أن المشهد السياسي قادر على استيعاب الأزمات المتعاقبة من دون أن ينجح دائمًا في تجاوز الأسباب التي أنتجتها؟ وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الديمقراطية العراقية؛ فالتغيير الذي يفترض أن يكون وسيلة لإعادة بناء السلطة وتصحيح مسارها، قد يتحول في بعض الأحيان، إلى عملية لإعادة ترتيب القوى ذاتها، وتوزيع الأدوار والمواقع داخل المنظومة السياسية. وبذلك يتغير شكل السلطة، فيما تستمر القواعد التي تحكم ممارستها.
من الناحية الشكلية، يمتلك العراق كل مقومات الديمقراطية من مؤسسات دستورية وانتخابات وتعددية حزبية، وهي عناصر مهمة في أي نظام ديمقراطي، إلا أن وجود هذه المؤسسات لا يكفي وحده للحكم على طبيعة التحول الديمقراطي؛ لكون المسألة لا تتعلق فقط بآليات الوصول إلى السلطة، بل أيضًا بكيفية وطبيعة ممارستها، ومدى خضوعها للمساءلة والرقابة والشفافية، وقدرتها على إنتاج سياسات عامة تستجيب لحاجات المجتمع. فالديمقراطية لا تُختبر يوم الانتخابات وحده، وإنما في الفترة الفاصلة بين انتخاب حكومة وأخرى، سواء في قدرة المؤسسات على فرض سلطة أنفاذ القانون، وفي عدالة توزيع الفرص، أو في استقلال القرار الإداري والسياسي، وفي مدى شعور المواطن بأن صوته الانتخابي قادر على إحداث فرق ملموس في حياته اليومية.
المحاصصة وإعادة إنتاج النفوذ
على الرغم من الوصف الواضح للنظام السياسي العراقي وشكل الدولة في الدستور العراقي النافذ عام 2005، إلا أن هناك صعوبة في فهم طبيعة سلوك النظام السياسي العراقي بشكل عملي، من دون التوقف عند آليات التوافق بين القوى السياسية. فالتوافق قد يكون ضروريًا في المجتمعات المتنوعة، ولاسيّما عندما يهدف إلى منع الإقصاء وضمان المشاركة، كما هو الحال في بعض الدولة الأوروبية، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يتحول من وسيلة لإدارة الاختلاف إلى قاعدة دائمة لتوزيع المناصب والنفوذ، وعندما تصبح التسويات بين القوى السياسية مقدمة على معايير الكفاءة والمصلحة العامة. وفي هذه الحالة، لا تعد عملية تشكيل الحكومة، مجرد اختيار لفريق قادر على تنفيذ برنامج سياسي، بل تصبح أيضًا مفاوضات معقدة حول المواقع والحصص وموازين القوة. وهذا بالتأكيد يؤدي ذلك إلى إضعاف المسؤولية السياسية وتغييب ملامح النظام السياسي؛ لأن المواطن يجد صعوبة في تحديد الجهة التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية الإخفاق، ولاسيّما عندما تتشارك أطراف متعددة في إدارة السلطة من دون معارضة حقيقية، ثم تتبادل الاتهامات عند ظهور الأزمات. وهذا ربما لا يعني بأن جميع القوى السياسية متشابهة، أو أن كل توافق سياسي يمثل بالضرورة عائقًا أمام الإصلاح والنجاح. إلا أن الإشكالية تكمن في غياب الضمانات التي تجعل التوافق خاضعًا للمصلحة العامة، لا مجرد وسيلة لحماية النفوذ وإعادة إنتاجه، ولعلها الإشكالية الأبرز التي يعاني منها النظام السياسي العراق بعد 2003.
حين تتقدم المصالح على البرامج
تحتاج الديمقراطية الفاعلة إلى تنافس بين مشاريع سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، يستطيع الناخب على أساسها أن يقارن ويختار ويحاسب. أما عندما يتراجع التنافس البرامجي أمام الحسابات المرتبطة بتشكيل التحالفات وتقاسم المواقع، فإن الانتخابات قد تفقد قدرتها على إحداث التحول الذي ينتظره المجتمع. وهي ذات المشكلة التي تعاني منها الديمقراطية العراقية لأكثر من عقدين من الزمن؛ فالمواطن لا ينتخب لكي تتغير أسماء المسؤولين فحسب، بل ينتظر فرص عمل أفضل، وخدمات عامة أكثر كفاءة، ومؤسسات أقل خضوعًا للتدخلات السياسية، ودولة تتعامل مع مواطنيها على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس القرب من هذا الطرف أو ذاك. فضلًا عن ذلك، المواطن ينتظر دولة لها أهميتها وهيبتها على المستوى المحلي والإقليمي، وليست دولة فاقدة للسيادة الداخلية والخارجية) البرية والجوية (.
وحين تتكرر الفجوة بين الوعود الانتخابية والنتائج الفعلية في كل دورة انتخابية، تتراجع الثقة بالعملية السياسية، والشعور يتفاقم بأن التغيير الانتخابي لا يفضي إلى تغيير حقيقي، حينها تكون المشكلة، ليست مشكلة انتخابية فحسب، بل أزمة مركبة في طبيعة العلاقة بين المواطن والنظام السياسي، وأزمة في طبيعة النظام السياسي وإدارة الدولة، وأن استمرارها يدفع قطاعات من المجتمع إلى العزوف عن المشاركة أو البحث عن بدائل خارج القنوات المؤسسية.
هل تكمن الأزمة في الأشخاص أم في القواعد؟
في العراق لا يمكننا أن نضع اللوم على الأشخاص فقط، دون القواعد، أو القواعد دون الأشخاص؛ لان التركيز على الأشخاص وحدهم قد يفسر بعض جوانب الإخفاق، لكنه لا يقدم تفسيرًا كافيًا لاستمرار أنماط معينة من الأداء السياسي. فحتى مع تغير القيادات، يمكن أن تعيد قواعد العمل نفسها إنتاج السلوك ذاته، ما دامت الحوافز السياسية لا تشجع على بناء مؤسسات مستقلة، وما دامت كلفة الإخفاق لا تنعكس بوضوح على فرص البقاء في السلطة. فضلًا عن الثغرات الكثيرة في القواعد والنصوص الدستورية والقانونية سواء التنفيذية أو التشريعية والرقابية.
بهذا السياق، لا يبدأ الإصلاح الحقيقي بمجرد استبدال مسؤول بآخر، ولا بتشكيل حكومة جديدة تحمل وعودًا مختلفة، وإنما بإعادة النظر في القواعد التي تنظم ممارسة السلطة وتحدد العلاقة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة. ويشمل ذلك تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية ضمن اختصاصاتها الدستورية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطوير الأحزاب، وأن يكون تنافسها على أساس البرامج والإنجاز، لا على أساس القدرة على الاحتفاظ بمواقع النفوذ والمكاتب الاقتصادية. كما يتطلب الأمر وجود معارضة سياسية فاعلة، قادرة على مراقبة الأداء الحكومي وتقديم بدائل واقعية، بدل أن تتحول المنافسة السياسية إلى انتظار للدور المقبل في إدارة السلطة. فالديمقراطية لا تستقيم بحكومة قوية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى مؤسسات رقابية مستقلة، ومعارضة مسؤولة، ومجتمع يمتلك القدرة على المطالبة بحقوقه ومساءلة ممثليه، وألا تختزل السلطة التشريعية وعملها، برؤساء الكتل والقوى السياسية.
بالمجمل، يبدو أن التحدي أمام العراق، ليس في استمرار تداول المناصب، بل في تحويل تداول السلطة إلى وسيلة لتغيير قواعد الحكم نفسها. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة، لا يتمثل في قدرتها على إكمال مدتها، أو المحافظة على توازنات القوى التي جاءت بها، وإنما في قدرتها على تعزيز مؤسسات الدولة، وتحسين حياة المواطنين، وإخضاع القرار العام للمساءلة. فالديمقراطية، لا تُقاس بعدد الحكومات التي تتشكل، بل بمقدار ما تستطيع تغييره في حياة الناس وفي طبيعة السلطة التي تحكمهم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!