الاقتصاد العراقي من الريع إلى الإنتاج: الواقع، الأسباب، ومتطلبات التحول

الاقتصاد العراقي من الريع إلى الإنتاج: الواقع، الأسباب، ومتطلبات التحول
تحاول هذه الورقة تشخيص واقع الاقتصاد العراقي وبيان اسبابه وضرورات ومتطلبات التحول نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة. ان ازمة الاقتصاد العراقي لا تتعلق بالموارد بقدر ما تتعلق بالثقافة والمؤسسات والنظام الاقتصادي. حيث يمتلك العراق الكثير من الموارد، خصوصاً النفطية التي جعلته يحتل مراتب متقدمة عالمياً؛ إلا أنه لازال اقتصاداً ضعيفاً هشاً وعرضة للصدمات الخارجية

عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية حلقته النقاشية الجديدة التي قدمها الأستاذ حامد الجبوري الباحث في المركز، ضمن النشاطات الفكرية والعلمية التي يقيمها المركز بشكل دوري في ملتقى النبأ الأسبوعي، وعُقدت هذه الحلقة النقاشية في يوم السبت الموافق 10/1/2026 في كربلاء بحضور نخبة من الباحثين ومدراء المركز البحثية وجاءت الورقة البحثية بعنوان (الاقتصاد العراقي من الريع إلى الإنتاج.. الواقع، الأسباب، ومتطلبات التحول).

لقد بين الباحث في ورقته ما يلي:

تحاول هذه الورقة تشخيص واقع الاقتصاد العراقي وبيان اسبابه وضرورات ومتطلبات التحول نحو اقتصاد أكثر قوة واستدامة. ان ازمة الاقتصاد العراقي لا تتعلق بالموارد بقدر ما تتعلق بالثقافة والمؤسسات والنظام الاقتصادي. حيث يمتلك العراق الكثير من الموارد، خصوصاً النفطية التي جعلته يحتل مراتب متقدمة عالمياً؛ إلا أنه لازال اقتصاداً ضعيفاً هشاً وعرضة للصدمات الخارجية.

ان اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بشكل كبير دون توظيفه بالاتجاهات السليمة يعني استمرار ضعف الاقتصاد العراقي واستمرار توالد المشاكل وغياب الاستقرار.

وهنا يُطرح السؤال، إذن لماذا يعتمد الاقتصاد العراقي على النفط؟ 

ولذا سنعمل على تقديم قراءة تشخيصية لواقع الاقتصاد العراقي والأسباب والضرورات والمتطلبات اللازمة للابتعاد عن الريع باتجاه الإنتاج وكالآتي:

الواقع:

هناك الكثير من المؤشرات التي توضح مدى اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط يمكن الاشارة لبعضها وهي:

1- الناتج المحلي الإجمالي: إذ يشكل قطاع التعدين والمقالع بضمنه قطاع النفط النسبة الأكبر وهي 36.7% بالأسعار الجارية و54% بالأسعار الثابتة من الناتج المحلي الإجمالي للفصل الاول 2025.

2- الإيرادات النفطية: إذ شكلت الإيرادات النفطية ما نسبته 90% من الإيرادات العامة للمدة نفسها.

3- الصادرات: حيث تشكل صادرات النفط الخام أكثر من 92% من الصادرات الإجمالي للمدة نفسها. حسب التقرير الاقتصادي للفصل 2025 الصادر عن البنك المركزي العراقي.

هذه المؤشرات تفصح وتؤكد ما يمكن تسميته بـ "الادمان النفطي" بحكم الاعتماد المفرط والمزمن على النفط، واعتباره المصدر الرئيس للإنتاج والتمويل والتصدير؛ فقيّد الاقتصاد أكثر مما حرره.

الأسباب

1- حيث تمثل الثقافة الاجتماعية الاقتصادية، أحد الأسباب الرئيسة وراء ريعية الاقتصاد العراقي، لان المجتمع يفضل أن يُقاد الاقتصاد من قبل الدولة وليس القطاع الخاص، ويفضل العمل في الدولة واجهزتها لا القطاع الخاص، مع الاعتراف بوجود خلل كبير في تنظيم الاخير.

هذا التفضيل يُضعف المبادرة الفردية ويُبقي الاقتصاد معتمد على مورد النفط الذي تهيمن عليه الدولة ومتأثر بالاقتصاد العالمي وبالتالي استمرار رهن الاقتصاد للدولة والاقتصاد العالمي.

2- كذلك ان ضعف المؤسساتية له دور كبير في استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط، إذ ان وجود مؤسسات قوية يعني تشريع القوانين وانفاذ القانون وتعزيز العدالة ومكافحة الفساد وبسط الأمن وكشف الحقائق وغيرها التي تحد جميعها من الاعتماد على النفط وتنويع الاقتصاد وتقويته واستدامته.

3- كما ان للنظام الاقتصادي دور حاسم في تقليص او زيادة الاعتماد على النفط، إذ رغم اتجاه العراق نحو اقتصاد السوق الذي يعزز من مكانة القطاع الخاص ثم الإنتاج وتقليص الاعتماد على النفط اخيراً إلا ان بقاء دور الدولة كبيراً في الاقتصاد أسهم تعزيز أهمية النفط فيه.

4- غياب الاصلاح الضريبي والكمركي، حيث ان اهمال الاصلاح الضريبي والكمركي يعني استمرار احادية الاقتصاد العراقي واستمرار تركز الموازنة على الايرادات النفطية لان الضرائب تمثل اداة اقتصادية ومالية في آن واحد.

لان الضرائب تسهم في تنويع الاقتصاد وتقليص التفاوت الطبقي وتعزيز العلاقة بين المواطن والدولة من خلال المشاركة في التمويل بالخدمات.

كما ان التعرفة الكمركية تسهم في حماية المنتج الوطني من الاغراق السلعي وخلق بيئة تنافسية عادلة وتشجيع المنتج الوطني وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

الضرورات

ان تحويل الاقتصاد من الريع الى الإنتاج ليس بالأمر السهل خصوصاً وان الموضوع له أبعاد اجتماعية ومؤسسية واقتصادية وسياسية استمرت لمدة زمنية ليست بالقصيرة، ولكن بنفس الوقت ليس بالأمر المستحيل.

ان العمل على تحويل الاقتصاد العراقي من الريع الى الإنتاج لم يعد خياراً بل حاجة ملحة لا مناص عنها لضرورات عديدة من أهمها:

1- انخفاض أهمية النفط 

2- استمرار الزيادة السكانية

حيث ان انخفاض اهمية النفط على خلفية ايجاد البدائل، سواء على مستوى مصادر الطاقة أو على مستوى المنتجين؛ أسهم وسيسهم بشكل أكبر مستقبلاً في انخفاض الأسعار النفطية ومن ثم الإيرادات النفطية التي تمثل العمود الفقري للإيرادات العامة كما اتضحت أعلاه.

 أي إيجاد وتأمين مصادر طاقة أخرى أرخص وأنظف للبيئة كالغاز الطبيعي والطاقة الشمسية وغيرها أو البحث عن منتجين آخرين خارج منظمة اوبك لأجل تقليل أهمية أوبك في تحديد الأسعار النفطية.

كما ان استمرار الزيادة السكانية يعني استمرار زيادة القوى العاملة وزيادة الطلب على فرص العمل وعدم ايجادها وتفاقم البطالة التي ستؤثر بلا شك على الوضع السياسي من خلال الاحتجاجات ورُبما الفوضى التي ستجعل الوضع من سيئ الى أسوأ.

بمعنى ان كلفة تأخر الانتقال من الريع الى الانتاج ستكون أكبر من كلفة البدء المبكر، والتجارب الدولية أثبتت ذلك كالنرويج التي أخذت تتصدر أغلب المؤشرات العالمية عكس فنزويلا التي تمثل نموذجاً سيئاً لإدارة البلاد بشكل عام والريع النفطي بشكل خاص (للمزيد راجع مقال نظام الحكم ومفارقة النفط والاقتصاد... فنزويلا والنرويج مثالاً متاح على الانترنيت).

لذلك العمل على تحويل الاقتصاد من الريع الى الإنتاج سيقلل من الاثار السلبية لانخفاض أهمية النفط من ناحية وتفاقم البطالة والفوضى وآثارهما على الوضع العام من ناحية أخرى.

متطلبات التحول

السؤال المطروح ما هي متطلبات تحويل الاقتصاد العراقي من الريع الى الإنتاج؟

هناك العديد من المتطلبات اللازمة لتحويل الاقتصاد العراقي من الريع الى الإنتاج يمكن طرح البعض منها أدناه:

اولاً- الرؤية الاقتصادية: أي رسم الصورة المستقبلية للاقتصاد العراقي من الآن، ليعرف الجميع إلى أين ذاهب الاقتصاد العراقي ولماذا وعلى أساس هذه الصورة سيعمل الجميع.

ثانياً- الثقافة الاجتماعية: ان الاقتصاد الإنتاجي لا ينسجم والثقافة الاتكالية لان الاول يتطلب ثقافة اجتماعية منتجة تطالب بتحرير الاقتصاد من الدولة لينتفع من فوائده كانخفاض الأسعار ونوعية السلع والخدمات وغيرها.

ثالثاً- البنية المؤسسية: أي العمل على تعزيز استقلالية المؤسسات وتقويتها كونها تجعل الاقتصاد يسير بشكل آمن بعيداً عن الاستبداد لان الاخير يحطم الاقتصاد بالعادة.

رابعاً- الاصلاح الضريبي والكمركي: لأن الضرائب والكمارك من شأنها ان تعمل على توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات الاولوية، وحماية الاقتصاد الوطني من سياسات الاغراق الخارجية خصوصاً في المراحل الاولى للبناء الاقتصادي.

خامساً- البيئة الاستثمارية: ان غياب البيئة الاستثمارية يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج وانخفاض الارباح وتثبط عزيمة المستثمرين، فخلق بيئة استثمارية يعني تحفيز وجذب المستثمرين للاستثمار والإنتاج.

سادساً- البنية التحتية: ضرورة العمل على خلق بنية تحتية متطورة كونها ستنعكس بشكل مباشر على المجتمع والاقتصاد من خلال اختصار الوقت وضغط التكاليف وزيادة الارباح. 

سابعاً- الاولوية الاستثمارية: ضرورة اعطاء الاولوية للاستثمار اولاً وتركيز الاستثمار على قطاعات التنمية البشرية والبيئة بالدرجة الاساس لان هذا سيعزز تحقيق النقطة "ثانياً" و "خامساً" ايضاً وكلهما سيحققان الاقتصاد الإنتاجي بعيدً عن الريع.

ثامناً- السلطة الإعلامية: أي تسهم السلطة الاعلامية بشكل كبير في دعم التوجه نحو الاقتصاد الإنتاجي من خلال تبيان مساوئ الاقتصاد الريعي ومحاسن الاقتصاد الإنتاجي وكيف سينعكس على المجتمع وبهذا يخلق بيئة مناسبة مستقبلة ومتفاعلة بل ومُطالبة بالتحول الاقتصادي.

التحول كمنظومة متكاملة لا كإجراءات جزئية

تجب الاشارة الى ان هذه المتطلبات لا تعمل كأجزاء بل تعمل كمنظومة متكاملة لتحقيق التحول الاقتصادي من الريع الى الإنتاج.

الخلاصة، واقعياً الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي، وهذا ينطوي على مخاطر كبيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة؛ الأمر الذي يحتم الانتقال الجاد من الريع الى الإنتاج عبر منظومة متكاملة من المتطلبات، لا بوصفه خياراً تنموياً بل ضرورة ملحة تسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.


وفي ختام هذه الورقة البحثية طرح الباحث على الحضور السؤالين ادناه:

س1/ أين تكمن أزمة الاقتصاد العراقي، في ندرة الموارد أم في البنية الثقافية والمؤسسية والاقتصادية؟

س2/ ما هي المتطلبات اللازمة لتحويل الاقتصاد العراقي من ريعي الى انتاجي؟


المداخلات:

الأستاذ الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

تعد هذه الحلقة النقاشية الأولى لعام 2026، نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام مباركا عليكم، الإجابة عن السؤال الأول حول أزمة الاقتصاد العراقي، والثاني حول المتطلبات اللازمة لتحويل الاقتصاد العراقي من ريعي إلى انتاجي؟

أنا أعتقد أنه لا يمكن أن نفصل الاقتصاد عن بقية جوانب الحياة للدولة، لا يمكن أن نفصل الاقتصاد عن الاجتماع ولا يمكن أن نفصل الاقتصاد عن السياسة، ولا عن الثقافة، وأنا أعتقد أن المشكلة في العراق هي مشكلة مترابطة، كل هذه المجالات ترتبط مع بعضها في مشكلة واحدة وهي غياب مشروع الدولة في العراق.

العراق يفتقر إلى مشروع لبناء دولة أو مجتمع، وبالنتيجة ليس الآن وليس بعد 2003، وإنما منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة، كان مشروع بناء الدولة غائب عن الطبقة السياسية العراقية وعن أصحاب السلطة والنفوذ. 

وحقيقةً من دون وجود مشروع بناء الدولة والمجتمع لا يمكن أن نبني مؤسسات ولا يمكن أن نبني ثقافة ولا يمكن أن نبني اقتصادا سليما، ولا يمكن أن نبني سياسة واضحة المعالم ولا يمكن أن نبني حتى مؤسسات أمنية وعسكرية محدّدة الأبعاد والمعالم.

ولكي يكون لدينا مشروع دولة لابد أن توجد إرادة سياسية، يعني لابد أن تكون لدينا قيادات سياسية لديها إرادة للإجماع على مشروع بناء دولة متَّفَق عليه. حقيقةً من دون وجود هذه القيادات، وتوافر هذه الإرادة السياسية، لن نستطيع أن ننهض باقتصادنا، ولن نستطيع أن نستثمر ثرواتنا الكبيرة الموجودة لدينا.

ليس فقط الثروات والمواد الطبيعية التي نمتلكها، وإنما حتى الثروات المرتبطة بالموقع الجيو سياسي للعراق، وحتى الثروات المرتبطة بالموارد البشرية العراقية، لذا لا يمكن أن يتحقق هذا، ولا يمكن أن يتحول اقتصادنا من ريعي إلى انتاجي من دون وجود هذا المشروع.


الشيخ مرتضى معاش باحث ومفكر 

يعد هذا الموضوع الهام من المواضيع التي يُنظَر لها في الظاهر ترفيّه، وليس هناك اهتمام بها، ولكن في الواقع هذا هو المستقبل، المشكلة الأساسية الموجودة في اقتصادات الدول التي تسمى بالناشئة، أو الدول النامية والتي دائما ما تكون في حالة من الدوران والاتجاه نحو السقوط مثل فنزولا ودول أخرى توصف اقتصاداتها بالشعبوية.

الاقتصاد الشعبوي هو الاقتصاد المسيّس، والذي لا تقوم له قائمة، وإنما مجرد صاحب السلطة يقوم بعملية شراء الناس وشراء الشعب من خلال الاستفادة من تمويل الدولة وموازنة الدولة ويشتري أصوات الناس، من أجل صناعة طبقة من الموالين وأرباح وقتية يحصل عليها سياسيا، وهذا ما حدث في فنزولا حيث قام رئيسها بتأميم الاقتصاد الفنزويلي وتحويله إلى اقتصاد ريعي وإعطاء الناس رواتب، وهذا ما لاحظناه في تركيا أيضا.

بالنتيجة عندما يكون هناك ريع ولا يكون هناك إنتاج، يصبح هناك عجز وديون، فتبدأ الدولة تستقرض من الخزانة المالية فيكون هناك عجز، وعندما يحدث العجز يضطر إلى تخفيض القوة الشرائية للعملة، لكي يغطي العجز الذي حصل عنده، وهكذا تدريجيا تستمر الدوامة إلى أن تصل مرحلة انهيار العملة كما حصل في إيران وفي تركيا وفي فنزويلا وفي دول أخرى.

هذا الاقتصاد الشعبوي خطير جدا، فإن أراد الحاكم إرضاء الشعب بهذه الطريقة، فهذا لا يأتي واقعا في خدمة الشعب، بل هو تدمير للشعب، وهذا ما يحصل عندنا الآن، حيث تم تعيين مليون موظف في فترة قليلة، هذا لم يحدث في تاريخ العراق، هؤلاء من أين تعطي لهم رواتب، هذا سيؤدي تدريجيا إلى تآكل العملة الوطنية، ويحدث العجز الموجود في الدولة من خلال تقليل القدرة الشرائية وتدمير اقتصاد الناس. وبالنتيجة يمكن أن ينطبق علينا السيناريو الفنزويلي.

ما هي العناصر اللازمة لتحول الاقتصاد من ريعي إلى إنتاجي؟

أولا: العلاج المعرفي

لابد أن تكون لدينا معرفة، وهنا نحن لا نقصد الناس، لأنهم في الواقع عبارة عن رغبات، وأصحاب السلطة يلاعبون برغبات الناس وسيطرون عليهم بهذه الطريقة الاقتصادية، عبر الاقتصاد الشعبوي، نحن نتكلم عن النخب التي لابد ان تغيّر طريقة تفكيرها، في فهم الاقتصاد الذي هو شيء ثابت ومحكوم بقواعد ثابتة، مثل العرض والطلب، الإنتاج أم الاستهلاك؟

هذه قواعد ثابتة، في السابق صاحب الدكان الذي كان يعيش في زمن الدكاكين، كان اقتصادهم أحسن من الاقتصاد الموجود لدينا اليوم، لم يكن لدينا في السابق اقتصاد ريعي، بل كان لدينا اقتصاد السوق، يبيع ويشتري بحسب العرض والطلب. توجد حاجة للمعالجة المعرفية من أجل فهم المستقبل. 

ثانيا: الفساد والاقتصاد الشعبوي

إن أصل الفساد هو الاقتصاد الشعبوي، معنى إن جوهر الاقتصاد الشعبوي هو الفساد، لأنه يعني تحويل أدوات الإنتاج إلى أدوات بطالة واستهلاك، هذا هو التحويل العكسي، لذلك نحتاج إلى عملية جراحية تدريجية، يكون فيها ألم وقبول بهذا الألم وهو شيء مهم.

ثالثا: الضرائب على السلع الاستهلاكية

النطة الأساسية وهو مهمة جدا في رأيي وسوف تكون نافعة وهي الضرائب على السلع الاستهلاكية، الكمالية، مثل السيارات، والسجائر، والألبسة، وهي الأشياء التي تقع خارج حاجات الناس الأساسية، ولكن الضرائب الآن في العراق على أي السلع يتم فرضها؟، تُفرَض على الحاجات الأساسية للناس، وهذا هو التدمير بعينه، وهو تدمير ممنهج، وهذا يحدث عندما تسلِّم الاقتصاد بيد أناس جهلاء.

نلاحظ اليوم السيارات الموجودة في المعارض وغيرها من القضايا الاستهلاكي المنتشرة بشكل هائل، وهذا يعد استهلاكا لموارد الاقتصاد.

رابعا: التربية الإنتاجية

وهذه يجب أن يُعمَل بها في المدارس، وفي كافة الحاضنات الاجتماعية، والتحول نحو التربية الإنتاجية وليس التربية الاستهلاكية، وأن نعلّم الإنسان منذ صغره على أن يكون منتِجا وليس مستهلِكا.

خامسا: دعم المنتَج المحلي

ونقصد هنا المنتَج المحلي الحقيقي، وليس الدعم للحنطة مثلا، ثم يتبيّن أنها حنطة فاسدة، دعم المنتج المحلي يساهم في رفع الناتج المحلي الإجمالي، بمعنى المنتج المحلي الذي يساهم بشكل حقيقي في رفع الناتج الإجمالي، وليس الدعم الذي يصبح مشروع فساد، وإنما دعم يتمثل بالحماية القانونية، وعدم وجود ضرائب ورفع القيود البيروقراطية عن المنتج المحلي حتى يكون له دور كبير ويستطيع أن ينافس المنتج المستورد.

مثلا المشروع الذي يمتلكه شخص واحد ينتج البيض والدجاج، هذا المشروع في الواقع يساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي الحقيقي، هكذا مشاريع التي فيها منتج محلي تكون جيدة.

سادسا: دعم الاستثمار في المشاريع الخاصة

لأنه لابد أن يكون لدينا مشاريع خاصة، وهي تساعد الناس وتدعمهم، فإذا كان هناك دعم قوي لمثل هذه المشاريع يكون هذا عملا مساعدا للاقتصاد، ولا يصح دعم المشاريع الاستهلاكية، وإنما السير نحو التحويل التدريجي للمشاريع الإنتاجية وليس المشاريع الاستهلاكية، فما فائدة أن تبني مولات وهي استهلاكية، أو تبني مطاعم كبيرة، من الأفضل التحول نحو المشاريع الإنتاجية.

كما أتصور نحتاج إلى عقلية الإنتاج، فهذه خطوة مهمة، التحول نحو الإنتاج والنتيجة إيقاف ذلك الاستهلاك الأعمى المفرط، والموجود في عقلياتنا وأعمالنا وثقافتنا الاجتماعية وثقافتنا الاقتصادية.


الأستاذ علي حسين عبيد كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية

 في هذه الورقة البحثية تم طرح قضية في غاية الأهمية، تخص موضوعنا هذا وهي تتعلق البنية الثقافية والاجتماعية بخصوص الاقتصاد، باعتقادي أن لبّ المشكلة التي نعاني منها، تكمن في هذا الجانب، الشعب غير مثقف اقتصاديا، وينتج عن هذا النقص الثقافي الاقتصادي أمراض كثيرة.

التعويل على النخبة الثقافي أيضا ينطوي على مشكلة، لأن النخبة الثقافية نفسها تحتاج إلى تثقيف، على سبيل المثال يحدث الآن، تم تخصيص للفنانين والأدباء وغيرهم وأعني النخب الثقافية منحة مالية سنوية، الحقيقة هي مبلغ معيب، يعني يتراوح من 600 ألف دينار إلى 900 ألف دينار سنويا.

إذن هذا المبلغ بسيط جدا، مثلا من يستلم 600 ألف سنويا يعني 50 ألف في الشهر، هذا لكي نوضّح ضآلة هذه المنحة للنخب الثقافية، لو أننا نذهب إي مواقع التواصل الاجتماعي، ولأن هذه المنحة تأخرت أسبوع أو أسبوعين، حدث تيار مطلبي هائل، فهذا المثقف الذي تنظر له كمنقذ للبلد، الآن يطرح مناشدات ومطالبات مذلّة، والغريب أن هؤلاء تنظر لهم كنماذج يُعتمد عليهم وإذا بهم يُكشفون بقضية في غاية التفاهة.

لذا أنا أعتقد أن مثل هذه النخبة هي تحتاج إلى تثقيف، وأن لبّ المشاكل الاقتصادية وغيرها تكمن في ضعف الثقافة في البلد.

الأستاذ باسم حسين الزيدي باحث في مركز الإمام الشيرازي

في بالي أن أتحدث عن الهوية الاقتصادية التي ربما من خلالها سوف نجيب عن السؤالين اللذين طرحهما الباحث، أو ستتضح الإجابة بطريقة منطقية، طبعا علمونا في بداياتنا عن السياسة حول المقولة المشهورة بأن (السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة)، الحقيقة إذا قام أحدهم بتفحّص هذه العبارة سيجد أن فيها الكثير من الصحة، على اعتبار الهوية وليس النظام، من هنا أستطيع أن أقول بأن الهوية السياسية هي مؤشر على نجاح الهوية الاقتصادية، وكذلك الهوية الاقتصادية هي مؤشر على نجاح الهوية السياسية، كيف؟

إن الهوية السياسية لأي بلد، هي مجموعة أشياء مترابطة تشمل النظام وتشمل المواطنة والعادات والثقافة والبيئة واللغة تتفاعل عبر أجيال، فتنج هوية ثقافية مستقرة، الهوية الاقتصادية أيضا تتكون من مجموعة أشياء تشمل النظام الاقتصادي، العادات، التقاليد، أنماط السلوك، البنية الثقافية والمؤسساتية فتنتج هوية اقتصادية ثابتة المعالم.

وهذا ما يؤثر وفق استقرار منطقي، وما يحدث في العراق الآن، كما قال الدكتور خالد العرداوي، نحن هويتنا الاقتصادية لا تهدف إلى مشروع بناء دولة، لذلك لدينا ضعف في الهوية السياسية، وبالتالي سوف ينعكس هذا على الهوية الاقتصادية، ولو طرحنا السؤال التالي: ما هي هويتنا الاقتصادية وفق المعايير التي طرحناها؟

الجواب ببساطة وحسب ظني أننا نعيش على مجموعة هويات فرعية، من دون هوية واضحة المعالم، ولا توجد هوية رئيسة أو جامعة، مثل هوية اقتصادية ريعية، التي تعتمد على النفط، أو هوية الراعي أو الأبوية وهي تتعلق بالأنماط والسلوك حيث يفضل المواطن دائما أن يتوظف في الدولة كراعي وأب على حساب القطاع الخاص.

إنها هوية هشة تعتمد على مجموعة قرارات عشوائية، من دون مؤسسات رصينة، أحزاب، تنتج قرارات عشوائية، هذه الهويات الفرعية تتغلب دائما على الهوية الرئيسة وتسبب لنا مشاكل، لذلك هذه هي مشكلتنا الحقيقية، نحن نفتقد للهوية الاقتصادية واضحة المعالم، التي من الممكن أن تحول هذا الاقتصاد الريعي إلى إنتاجي.

وحتى مسألة التحول الإنتاجي أيضا توجد حولها علامات، فمن دون هوية واضحة ليست هناك فائدة من الإنتاج، إذا لم توجد ضوابط تحدد طبيعة هذا الإنتاج وكيفية استثماره. لنفترض أننا تحولنا من الريع إلى الإنتاج، وسط هذه العشوائية التي أعيشها، هل من الممكن أن يستمر هذا الإنتاج ويتطور مثلا؟


الدكتور حسين السرحان، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

إن الاقتصاد بنية والسياسة الصحية بنية، والتعليمية بنية، والتربوية بنية، والرياضة بنية، والفساد أيضا بنية، كل هذه بنيات، بمعني هي بنية انعكاس لبيئة ثقافية واجتماعية، لذلك كيف تكون البنية الثقافية والاجتماعية سوف تكون ضمن طبيعة البنيات الموجودة، فهذه البنيات كلها هي انعكاس للبيئة الثقافية والاجتماعية.

لذلك نحن في العقود الأخيرة بدأ الاهتمام يذهب باتجاه الاقتصاد السلوكي، وقد بدا يركز على سلوك الإنسان، فأما أن يكون باتجاه الإنتاج أو باتجاه الاستهلاك، أي باتجاه الاستهلاك المفرط، أو باتجاه الإنتاج الجيد أم لا، وفيما بعد ظهر لدينا ما يسمى بالاقتصاد المؤسساتي، وهذه الاقتصاد بدأت تنبني على أطر سياسات لنظم وأنظمة وغيرها وتتطور إلى نظام مؤسساتي، أي يدخل الاقتصاد ضمن بيئة أساسية.

نأتي إلى الريع، هل الريع مشكلة في حد ذاته؟، كلا هو ليس مشكلة، يوجد الآن لدينا في العراق ريع اقتصادي نفطي، بمعنى أن موارد النفط تساهم أكثر ما يزيد عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي، فأي دولة فيها قطاع يساهم بما يزيد على 60% عن الناتج المحلي الإجمالي تسمى الدولة ريعية، يعني مثلا لدينا بنغلادش، عدد نفوسها 200 مليون، فيها قطاع النسيج وصناعة الملابس والنسيج يفوق الـ 60% من الناتج المحلي الإجمالي، إذن هي أيضا دولة ريعية، فهل هناك مشكلة؟، إن انتاج الملابس في بنغلادش حقيقي.

ما هو النتاج المحلي الإجمالي، هو يساوي قيمة السلع المنتجة داخل الدولة خلال سنة، فقطاع الانتاج في بنغلادش يساهم بما يزيد عن 60% من الناتج المحلي الإجمالي، فهي إذن دولة ريعية، من خلال القطاع الإنتاجي المحلي وهو النسيج.

أما في العراق طبعا النفط هو الذي يمثل الجانب الريعي، وهناك دول يكون فيها القطاع الريعي هو قطاع الزراعة، وهناك دول قطاع الصناع، وتوجد دول يكون فيها القطاع الريعي الصناعات التحويلية، أو القيمة الإضافية التي نضيفها على المواد الأولية، فالمشكلة ليست هنا، فالريع الاقتصادي ليس المشكلة الدولة الريعية، فلا مشكلة في أن تكون الدولة ريعية. 

لكن أين تكمن المشكلة؟، إن المشكلة تكمن في كيف يتم توظيف هذه الإيرادات باتجاه بنى إنتاجية حقيقية بمعنى إنتاج حقيقي؟ أو صناعات تحويلية أو خلق قيمة مضافة للمواد الأولية سواء كانت إنتاج داخلي أو مواد أولية مستوردة، المهم قيمة الناتج المحلي الإجمالي في كل القطاعات، زراعة، صناعة، حتى على النفط.

وهذا يعني أن البتروكيمياويات وغيرها كلها قيمة مضافة، فمساهمة القيمة المضافة في الناتج المحلي الإجمالي كم يكون عندي قيمة مضافة وكم عندي ناتج إجمالي محلي، فهذا الأمر يمكن أن يعالج الريع النفطي، فتوفر لك فرص عمل وأيضا تزاحم النفط في موضوع الريع الاقتصادي، وتزاحم الزراعة والنسيج وغيره.

لذا في رأي البسيط المتواضع موضع ريعية الاقتصاد ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي نعمة، وتعني أنه يوجد عند إيراد مضمون على المدى المتوسط والمستقبل القريب، على مدى 30 سنة أو 40 سنة المورد مضمون وهذا شيء جيد، ولكن يجب أن يُستثمَر في الاتجاه الصحيح، المشكلة حول الاقتصاد العراقي، حول هوية الاقتصاد العراقي، أو فلسفة الاقتصاد العراقي، تستطيع أن تقول (وقد سألت سابقا دكتور مظهر، ودكتور عماد عبد اللطيف) عن هذا الموضوع، دكتور مظهر قال لي: إن الهوية الاقتصادية في العراق هي اقصاد سوق اجتماعي، وعندما نقول اقتصاد سوق هذا يعني أن العرض والطلب هو المتحكِّم.

بمعنى أترك الدولار حرا في السوق، أقوم بتعويم الدولار وهو الذي يتحكّم ويبقى الأمر تابع للعرض والطلب، التجار سوف يطلبون الدولار، والمستهلك أيضا، والمسافر يشتري من السوق، علما أن المشرف على رسالته هو مستشار تشرشل وهو ليس يساريا ونما عمل في دولة اشتراكية، أما كبنية ثقافية وما يؤمن به ودراسة، فهو يؤمن بالعرض والطلب، ويركز على الاقتصاد المؤسساتي لذلك تأتي كتاباته دائما باتجاه الليبرالية الاقتصادية واقتصاد السوق والسياسة.

يبقى لدينا الاقتصاد العراقي، حاليا لا يوجد اقتصاد عراقي بصراحة، بمعنى توجد مجموعة اقتصاديات، واحد من هذه الاقتصاديات هو اقتصاد الدولة، أو دعنا نسميها اقتصادية الدولة، فما هي اقتصادية الدولة؟، وهي الضريبة والرسوم الكمركية التي تحاول أن تفرضها، وتكون لديها إيرادات تقوم بتوزيعها كرواتب، وتسير الأمور، لكن توجد لدينا اقتصاديات مزاحمة للدولة، بمعنى لدينا اقتصاديات أحزاب، واقتصاديات ميليشيات، واقتصاديات عتبات، واقتصاديات مافيات غير معروفة، واقتصاديات محافظات.

 كل هذه الاقتصاديات تتغذى على الإيراد الريعي، هذه إحدى مشاكل الريع النفطي في العراق، فكل هذه الاقتصاديات تتغذى على هذا الجانب، فالدولة تحاول بين فترة وأخرى، أن تفرض رؤية أو سياسات ضريبية واقتصادية معينة باتجاه معين لكي نقول يوجد اقتصاد دولة، لكن في الحقيقة هذا غير موجود، مثلا لدينا موضوع الفضائيين في مؤسسات معينة، المنافذ الحدودية، مثل هذا النظام الضريبي الذي تم فرضه، فهي اقتصاديات متنوعة داخل الدولة وليس اقتصاد دولة.

هذا متأتي من أين؟، ما هي فلسفة الدولة السياسية، طبعا السياسة تقود الاقتصاد، نعم القرار الاقتصادي نصفه سياسي، لكن بشكل عام أنا أرى من وجهة نظر بسيطة، إن من يقود الاقتصاد هو السياسي بالدرجة الأولى، ولاحقا القرار السياسي يتأثر بالاقتصاد، والقرار الاقتصادي يتأثر بالسياسي، لذلك بعدها ماذا نقول؟

نقول نصف القرار الاقتصادي سياسي، ونصف القرار السياسي اقتصادي، مثلا لنأت على نظام الضرائب الذي فُرض مؤخرا، نظام سكودا، هذا النظام عملت عليه حكومات عديدة، منذ فترة طويلة أكثر من سبع سنوات، ملخص هذا النظام برعاية من منظمة الأمم المتحدة ودعت الحكومة العراقية تضع خطة كمركية تسير باتجاهين:

القضية الأولى تخص الضرائب والكمرك، فالضريبة أداة مالية، أليس كذلك؟، أما الكمرك فهو يختلف، لأن الكمرك أداة تجارية، يعني السياسة التجارية للدولة، فإذا أردت أن أحمي قطاع الطماطم اليوم في العراق، سوف أفرض عليه كمرك قوي او كبير، وإذا أردت أن أحمي قطاع القطن أو النسيج في العراق أفرض عليه 200% كمرك، فالضريبة تختلف وتختص بها وزارة المالية، لأهداف مالية وأهداف اقتصادية.

والكمرك كذلك، أو التعرفة الكمركية أداة اقتصادية لكنها تجارية، وهي حماية أو عدم حماية، فالمهم لا يكون هناك تضخم أو انحسار لسلعة معينة، أين تكمن المشكلة كما قال الدكتور خالد العرداوي، فالقضية تتعلق بالبيئة السياسية للدولة، فمن هو المكون الأساسي للبيئة السياسية، إنه الشعب، هذا الشعب ما حجم اهتمامه بالضريبة، ولماذا هو ضد الضرائب وضد رسوم الكهرباء والماء والمجاري والطرق، دائما يشكو الشعب من هذه الرسوم، ويعزو ذلك إلى حالات السرقات والاختلاس، لذلك لا يوجد إيمان بهذه الدولة لأنها لم تفرض سيادتها على كامل اقليمها. فالنظام الضريبي الذي بدأ في 1/ 12، طبقوه في البداية على أربع سلع، الأدوية، والسيارات، والأجهزة الكهربائية والذهب.

لم نلاحظ تأثيرات معينة أليس كذلك؟، هل لاحظنا تغييرا في سعر صرف الدولار في السوق الموازي، بعد بداية السنة الجديد في مطلع الشهر الأول لاحظنا هذا الارتفاع في سعر الصرف، فما هو السبب في ذلك؟، السبب هو فرض النظام الضرائبي على كل السلع والخدمات التي تدخل إلى العراق، دفعة واحدة وفي نسب معينة حسب السياسة التي وضعتها الحكومة بالتعاون مع الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.

ما جرى خلال هذين الأسبوعين أن التاجر يريد أن يستورد ويريد أن يعمل، فأن يدخل إلى المنصة ويطبق النظام الضريبي، هذا يحتاج إلى وقت وهناك تأخير، لهذا ذهب إلى الشارع وأخذ يشتري الدولار من السوق الموازي، لكي يستور السلع فارتفع الطلب وزادت قيمة الدولار، وهذا الشيء مؤقت كما أتصور، فخلال 3 أشهر أو 4، يعود لحالة الاستقرار، ويستقر عند مستوى معين.

فالأتمتة الضريبية جيدة، لكن هل فيها إشكاليات، نعم فيها إشكاليات، مثلا نحن اليوم في البصرة يوجد لدينا منفذ واحد مع سوريا ولكن هناك ثلاثة إلى أربعة منافذ غير رسمية، ولدينا في إقليم كردستان عشرين منفذا غير رسمي، وهذه إشكالية كبيرة، فحين يخرج دولار من العراق يجب أن تدخل سلعة له، ويمكن أن يحدث هذا في المنافذ الرسمية، لكن في المنافذ غير الرسمية كيف سيكون الحال.

إذن لدينا مشكلة واضحة، حيث توجد بيئة سياسية لابد أن يتم تصحيحها، أما الاقتصاد والسياسة والتربية والصحافة والعلوم والطرق والجسور هذه كلها بُنى، أساسها البيئة الثقافية والاجتماعية.


الأستاذ حسين علي حسين/ مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

إجابة باختصار على السؤال الأول، أين تكمن أزمة الاقتصاد العراقي؟، في ندرة الموارد أم في البيئة، فإذا ما جئنا إلى الجانب الأول وهو يدور حو الموارد، ففي العراق لا يوجد ندرة موارد، حيث يوجد لدينا ما يكفي من النفط، وما يكفي من الأراضي الزراعية، وما يكفي من التحول للصناعة، فالجانب الثاني من المؤكد يكون هو المؤسِّس لأزمة الاقتصاد العراقي.

ونعني بذلك البنية الثقافية والمؤسسية والاقتصاد، وهذا الجواب يرتبط بالإجابة عن السؤال الثاني، كيف نستطيع أن نحوّل الاقتصاد العراقي من الريعي إلى الإنتاجي؟

منذ بدية التحول الاقتصادي العراقي بعد 2003، من الممكن يوجد خبراء اقتصاديين وخبراء سياسيين قدموا مئات الاستراتيجيات التي يمكن للحكومة أن تعمل بها، لكن هل عملت بها الحكومة أم لا؟، الجواب لم تعمل بها، فالتحول في هذا المجال إلى ماذا يحتاج؟، يحتاج إلى عمل مؤسساتي صحيح من قبل الحكومات كي تأخذ بنظر الاعتبار النصائح والدراسات والمقترحات المعطاة من الخبراء في هذا المجال.

إذن هناك مجموعة استراتيجيات من الممكن أن استخدامها لكي نستطيع أن نتحول من الاقتصاد الريعي إلى الإنتاجي، وهي كما يلي:

أولا: إصلاح القطاع الاقتصادي 

ويتم ذلك من خلال اعتماد وتطبيق الأتمتة والحوكمة، وهنا يجب على الحكومة أن تفعّل قضية مكافحة الفساد، وتفعيل الرقابة وغير ذلك.

ثانيا: تنويع مصادر الدخل القومي

وهذا يتطلب منا أن لا نعتمد على النفط فقط وإنما نعتمد على المواد الأخرى التي من الممكن أن نقوم بتطويرها ونستفيد منها.

ثالثا: تمكين القطاع الخاص

وهذا يعني التحول من قطاع دولة إلى القطاع الخاص لكي تصبح عندنا تسهيلات ائتمانية وحماية المنتج المحلي.

رابعا: إصلاح النظام المالي والمصرفي

حيث يجب أن نقوم بذلك من خلال تحديث تعاملات المصارف ودعم التمويل الإنتاجي وغير ذلك مما يدخل في هذا الإطار.

خامسا: تطوير رأس المال البشري

والذي يضم القدرات البشرية الموجودة، لدينا، فيما يخص التعليم في سوق العمل ودعم التطوير المهني وغيره.

سادسا وأخيرا: تبني رؤية اقتصادية طويلة الأمد 

نحن طالما نتكلم عن التحول الاقتصادي، فهذا لا يتحقق في أوقات قصيرة، وإنما يحتاج إلى وقت طويل ومقترحات التحول التام تستغرق من خمس سنوات فأكثر، ولهذا فإن ما يحتاجه بلدنا وقت طويل لكي نستطيع أن نتحول إلى الأفضل، إذا توفرت لدينا الإرادة السياسية الأفضل.


الأستاذ أحمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات  

سأدخل في السؤالين المطروحين مباشرة، طبعا العراق لا يعاني من ندرة الموارد لأنها كثيرة في العراق، سواء كانت المكتشَفة أو تلك التي لم يتم اكتشافها بعد، أو الموارد في طور الاكتشاف، وكلها موارد جيدة ومهمة، وفيها احتياطيات كبيرة، لكن المشكلة فعلا تكمن في البنية الثقافية، وفي النظام الاقتصادي نفسه، لأنه يعاني من سوء التخطيط والإدارة.

أكثر ما تعانيه الدولة العراقية هي قضية الفساد، إذا تم حُلّت قضية الفساد سوف ينتعش الاقتصاد العراقي ويصبح من الاقتصادات المتقدمة في المنطقة، فالفساد هو أسّ البلاء في هذه القضية، وهو الذي ينخر عصب الاقتصاد.

فإذا تمكن العراق فعلا أن يضع سياسة عامة أو استراتيجية تقضي على الفساد، فسوف ينهض الاقتصاد فعلا، وهذه من المتطلبات التي تتعلق بالإجابة عن السؤال الثاني حول قضية الاقتصاد الريعي والإنتاجي، وهناك نقاط تم ذكرها سابقا ومنها تشجيع القطاع الخاص والتحول إلى دعم الصناعة والزراعة وكذل التشجيع في الحصول على موارد أخرى إضافة إلى واردات النفط يمكن أن تضاف إلى الاقتصاد.

وأيضا تبويب الضرائب، فهناك سلع كثيرة لا يحتاجها العراق، منها الأجهزة الكهربائية المتوفرة في السوق بكثرة، فكل عائلة لديها أربعة أو خمسة أجهزة ليست بحاجة لها، فالصين تنتج والعراق يستهلك، فكثير من السلع يستنزفها الفرد العراقي وفق ثقافته العراقية الاستهلاكية فهي ليس لها أي داعي.

من الممكن أن يبدأ التحول بتشجيع المشاريع الصغيرة أيضا، ودعمها، وحماية القطاع الخاص من السلع المستوردة، اليوم نلاحظ حتى المنتجات الزراعية كالأسمدة، وعندما تأتي وتجد أن سعر كيلو طماطم مقابل ربع دينار عراقي تتساءل ما الذي يستفيده الفلاح، وحتى لو كان السعر 500 دينار، طيب ما هو سعر البيع بالنسبة للفلاح؟

بالإضافة إلى أهمية تشجيع الصناعات الغذائية، فالطماطم في موسمه عندما تتوفر بكميات كبيرة يمكن تصنيع (معجون الطماطم) وعدم استيراده من الخارج مثلا من تركيا، أو نستورد سلعا من الاردن التي تعان من ندرة المياه تصدّر لنا منتجات زراعية، والكويت أيضا تصدّر لنا الماء حيث تأتي به من البحر وتصدره لنا.

لذلك نلاحظ أن أي شخص يمكن أن ينهض في مشروع صناعي معين، تكون محاربته من الداخل قبل الخارج، يوجد لدينا مصنع قابلوات أور في الناصرية، مصنع أو معمل ضخم جدا، يستوردون قابلوات من الخارج من الأردن مثلا أو من تركيا لا تضاهي انتاج قابلوا معمل أور، كذلك كانت لدينا شركات تصنيع الأدوية ومنها معمل أدوية سامراء الذي لا زال من المعامل الراقية في انتاج الأدوية وهو ينتج أدوية أفضل من غيره كالدواء الهندي الذي ليس فيه نسبة علاج، وهناك معامل في الأردن تنتج دواء مزيف بنفس ماركة الدواء الأصلي.

فالدولة إذا سيطرت على هذه السلع المستوردة، وسيطرت على المنافذ الحدودية وإذا خضعت المنتجات المستوردة إلى السيطرة النوعية، فمن الممكن أن تحمي الإنتاج المحلي، ويوجد لدينا اكتفاء في بيض المائدة والدجاج وغيره، وإذا كان لدينا مشروعان آخران مثله في العراقي فسوف لا نستورد البيض بل نقوم بتصديره إلى الخارج، بالإضافة إلى أنه يوفر فرص عمل لأيدي عاملة كثيرة، وكذلك قطاع النقل يمكن للدولة أن تجعل منه منتجا لها.

كصناعة مترو أو غير لك، فتكون الفائدة كبيرة، أرباح للدولة وتخفيف الزحام في الطرق، فضلا عن المردود المالي وهنالك الكثير من القضايا، منها الاتصالات حيث يسلم العراق الجو لشركات اجنبية تأخذ مليارات الدولارات، وكذلك قضايا النقل الجوي في الأجواء العراقية، وكثير من الأمور كالموانئ، ويمكن خلال 25 سنة تهبط نسبة ورادات النفط إلى 50% في مقابل المنتجات العراقية الأخرى.


الدكتور خالد الأسدي باحث في مركز الإمام الشيرازي

إن الاقتصاد هو عصب الحياة في كل الدول، وهذا أمر معروف، فهل تعي الدولة العراقية بأن الاقتصاد هو المغذي الرئيس لجميع المؤسسات؟، هذه هي المشكلة الرئيسة، لأنه هنالك دول قامت على أن الحروب الاقتصادية أقوى من الحروب العسكرية، فكثير من الدول الآن لا تحارب خصومها بجيوش عسكرية وإنما تحاربها اقتصاديا فتسقط الدولة.

لذا نحن نحتاج إلى وعي الدولة، لأن الاقتصاد هو عصب حياة كل دولة، وأن الاقتصاد لا تقوم الدولة إلا بقيام اقتصادها، هذا أولا، وثانيا نحتاج إلى شبكة تعاونية مع جميع المؤسسات، زبين جميع المؤسسات، نحن الآن بقدر حدود الجامعة، نعتمد اعتمادا كاملا على ما يأتي من الوزارة أو ما يأتي من الدراسات المسائية والعليا.

نحن في كلية العلوم الإسلامية لدينا (كشك) صغير وتشترك معنا كلية اللوم السياحية وكلية الحاسبات، دخل للمزاد، وضعوا مبلغا لاستئجاره قيمته 45 مليون دينار، لكن دُفِع َ فيه مبلغ 35 مليون دينار، لكن الحكومة الجامعية رفضت تأجير الكشك بهذا المبلغ، ومضى ثلاث سنوات وهو مغلق، لو أن الجامعة غير معتمدة على الاقتصاد الريعي وأن المال الذي يأتيها يكفي لوافت على تأجير الكشك.

لذلك مشكلتنا أننا نعتمد على الريع، وأنا لا أحبذ أن نحول الاقتصاد من الريعي إلى الإنتاجي، وإنما يكون هناك إلى جانب الريعي اقتصاد إنتاجي أو أحدهما يسند الآخر الريعي والانتاجي، فيكون اقتصاد الدولة قويا، إذا كان هناك مشاركة وتعاون بين الاثنين، ومن الممكن السيطرة على ذلك، والسيطرة على جميع السلع من خلال السيطرة النوعية التي إذا تم فرضها حسب مواصفات خاصة لكي تدخل العراق سوف تدخل سلع جيدة 

هنالك بيوت لا تزال فيها أجهزة التوشيبا لحد الآن، ولديها المواد التي مرّ عليها ثلاثون أو أربعون سنة، ولا تزال تعمل بشكل جيد، لماذا؟، لأنها مرّت بنظام سيطرة نوعية جيدة وقوية.

مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

حسين علي حسين

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!