ان تطبيق اقتصاد السوق بالتزامن مع الديمقراطية في العراق دفعةً واحدة بدون أي تأهيل ثقافي اجتماعي مسبق، أدى لتعثر مسيرة السياسة والاقتصاد معاً
رغم اتجاه العراق نحو اقتصاد السوق ما بعد 2003 إلا إنه لازال يعاني من صعوبة المسير بشكل سلس.
سينصب هذا المقال على معرفة ما اذا كان اقتصاد السوق ثقافة أم نظام، وما هو الواقع في العراق، ولماذا تعثر اداء الاقتصاد العراقي رغم التحول نحو اقتصاد السوق، وكيف يمكن تحسين اداءه.
اولاً لابُد ان نضع في أذهاننا ان هناك علاقة وثيقة بين السياسة والاقتصاد، حيث ان سيادة الحكم الاستبدادي السياسي يعمل بشكل تلقائي، في الأعم الاغلب؛ على جعل الاقتصاد يسير وفق التخطيط المركزي، بينما الديمقراطية تسمح لاقتصاد السوق بالنمو والانتعاش.
الديمقراطية ثقافة أم نظام؟
ان الديمقراطية لا تقتصر على نظام الحكم وصندوق الانتخابات وحسب، بل لابد أن تكون ثقافة اجتماعية ايضاً، أي أن يكون المجتمع ديمقراطي، فكرياً وسلوكياً؛ وبهذا الانسجام تكون الديمقراطية افضل اداءً.
كما هو حال النرويج ونيوزيلندا وايسلندا والسويد وفنلندا والدنمارك وايرلندا وسويسرا وهولندا، حيث حصلت هذه الدول على أعلى درجة على مقياس الديمقراطية الذي تتراوح قيمته بين 0 للأدنى 10 للأعلى ديمقراطية، إذ لم تنخفض عن 9 من 10 من بين دول العالم في مؤشر الديمقراطية عام 2023 .
وذلك بحكم شيوع الديمقراطية اجتماعياً وايمان المجتمع انه مصدر السلطة وهدفها الى جانب تصميمها كنظام بشكل جيد يعكس طموح الشعب وتطلعاته، مما يعني ان الديمقراطية ثقافة ونظام في الوقت ذاته.
بينما اذا اقتصرت الديمقراطية على نظام الحكم وصندوق الانتخابات بصرف النظر عن الثقافة الاجتماعية، حتى وان كانت ثقافة متصلبة، لا تقبل الرأي والرأي الاخر، في هذه الحالة ستكون الديمقراطية في حالة سيئة.
كما هو حال الديمقراطية العراقية، فعلى الرغم من وجود مؤسسة البرلمان والانتخابات إلا انها ديمقراطية غير ناضجة، نظراً لضعف الثقافة الديمقراطية وعدم ايمان الشعب بأنه مصدر السلطات وانهً القادر على إحداث التغيير المنشود الذي يلبي طموحه وتطلعاته، مما انعكس ذلك على درجته على مقياس الديمقراطية وهي 2.9 من 10، وعلى اثرها يقع العراق في الربع الاخير من المؤشر.
إذن، لأجل ان تكون الديمقراطية ناضجة وتحقق أهدافها بسلاسة لا يمكن أن تكون ثقافة بدون نظام ولا نظام بدون ثقافة، أي لابد أن تكون ثقافةً ونظام معاً في آن واحد.
اقتصاد السوق ثقافة أم نظام؟
كذلك الحال بالنسبة لاقتصاد السوق، حيث لا يمكن تطبيقه كنظام بشكل مباشر دون الاخذ بعين الاعتبار ثقافة المجتمع ، حيث ان تطبيقه بهذا الشكل لا يعني ضمان تحقيق اهدافه مباشرةً.
لان اقتصاد السوق هو ثقافة اجتماعية قبل ان يكون نظاماً اقتصادياً أو على أقل تقدير أن يسيرا معاً بشكل متوازي.
اي يكون لدى أفراد المجتمع ملكية خاصة وحرية اقتصادية يتحركون وسطها للقيام بمشاريعهم الاقتصادية لتحقيق الارباح وتنمية ثرواتهم في ظل سيادة المنافسة لا الاحتكار.
ان وجود نظام السوق رسمياً دون وجود ثقافة اقتصاد السوق اجتماعياً، لا يمكن أن يجعل اداء الاقتصاد سليماً، ويكون الأمر أسوء إذا ما تم تطبيق نظام السوق بشكل مفاجئ كما حصل في العراق.
اقتصاد السوق في العراق
حيث كان العراق يتبع نظام التخطيط المركزي لإدارة الاقتصاد منذ مدة ليست بالقصيرة الى جانب الاستبداد السياسي وما سبقه من احتلال خارجي دام لعقود، كل هذه الامور مجتمعةً دفعت لإيجاد ثقافة اجتماعية لا تنسجم واقتصاد السوق.
ان تطبيق اقتصاد السوق بالتزامن مع الديمقراطية في العراق دفعةً واحدة بدون أي تأهيل ثقافي اجتماعي مسبق، أدى لتعثر مسيرة السياسة والاقتصاد معاً.
ولأجل ضمان مسيرة السياسة والاقتصاد بشكل سلس في أي بلد، بما فيها العراق؛ يتطلب العمل على تجذير الديمقراطية واقتصاد السوق في بنية المجتمع، أي أن تكون الديمقراطية واقتصاد السوق أمراً حياتياً معاشاً، إلى جانب تبسيط بيئة العمل والاعمال.
بعبارة أخرى، أن يؤمن الفرد بالحوار والرأي والرأي الآخر وعدم الاستبداد برأيه، وأن يحب العمل ويسعى لزيادة ثروته بالعمل الحر بعيداً عن الاتكالية سواء على أبويّه أم على الدولة.
ويمكن العمل على ذلك(تجذير ثقافة الديمقراطية واقتصاد السوق) في كل القنوات ذات الاتصال بالمجتمع، سواء من خلال المدارس او الجامعات أو المنبر الديني او الجانب الاعلامي وغيرها.
لا يمكن القول، ان اقتصاد السوق ثقافة بلا نظام وفي الوقت ذاته لا يمكن القول انه نظام بلا ثقافة، لان وجود نظام السوق مع عدم وجود فرد يحب العمل يعني عدم تحقيق تقدماً اقتصادياً، كذلك الحال ان وجود فرد يحب العمل مع عدم وجود السوق الذي يسمح للفرد بالعمل والاعمال يعني حرمان الاقتصاد من التقدم ايضاً.
بمعنى ان وجود حب العمل بالتزامن مع وجود نظام سلس يسمح للأفراد بأداء العمل يعني تحقيق التقدم الاقتصادي، مما يعني ان اقتصاد السوق ثقافة ونظام في آن واحد، حيث يعزز كل منهما الآخر.
واتضح ان واقع الاقتصاد العراقي لجأ لتطبيق نظام اقتصاد السوق دون أن يسبقه أي تأهيل ثقافي اجتماعي بشأن النظام الجديد، مما تسبب في تعثر اداءه.
مما يلزم العمل على تأهيل المجتمع بثقافة اقتصاد السوق، كما اتضح آنفاً؛ الى جانب تبسيط بيئة العمل والاعمال ليتحسن اداء الاقتصاد العراقي.
مصادر تم الاعتماد عليها
[1] - مؤشر الديمقراطية، متاح على الرابط أدناه.
اضافةتعليق