أن الفرصة مؤاتية لاصلاح القطاع المالي ونافذة مزاد العملة والافادة من الدعم الدولي المتمثل بالولايات المتحدة والمنظمات والمؤسسات الاقتصادية الدولية والتي قد تساند العراق في استعادة الاموال العراقية المنهوبة في الخارج، ومن دون استثمار هذه الفرصة وغياب الارادة السياسية والحكومية لتحقيق اصلاح مالي، فلن تتوانى واشنطن في فرض عقوبات تدريجية على بعض البنوك الخاصة والمعروف دورها في مزاد العملة وتهريب الدولار وبالتالي ستنهار الثقة بالنظام المالي في العراق وتسيطر التوقعات الاقتصادية السيئة مما يساهم في تراجع قيمة الدينار وتصاعد معدلات المستوى العام للاسعار وبالتالي تراجع كبير في مستويات المعيشة..
إلى الآن لم تتبلور صورة واضحة عن ميدان الإصلاح ومهماته الرئيسة. ولم تفصح الممارسة عن مقاصد إتجهت إليها تدابير معروفة، بشرت بنتائج ملموسة. ولا شك أن المشكلة في أصلها نشأت عن غياب الوحدة السياسية للمجتمع الوطني خلف إنقسام حاد وعنيف، ومعمعة الإرهاب، وتنافس الزعامات وكثرة الأحزاب، وشرط "التوافق"، وهو عمليا مشاركة جميع الأحزاب في حكومة تتنصل عنها في الأسبوع الأول، وتبتزها..
إن العراق تعرض لصدمة اقتصادية مزدوجة نقدية ومالية، إذ إن تخفيض قيمة الدينار العراقي والذي تم تنفيذه بشكل مباشر بالتزامن مع تخفيض تعويضات الموظفين بنسبة كبيرة التي لا تزال قيد النقاش تحت قبة البرلمان وكان لها أثراً إعلامياً، أديا معاً لتراجع النشاط الاقتصادي بسبب حالة الغموض والتخوف بشأن المستقبل..
انعدام الارادة السياسية للإصلاح والفساد وسوء التوزيع والتأثير السياسي والتأثير الغير حكومي في القرار الاقتصادي سوف تحرم العراق من المعونة الفنية التي يقدمها الصندوق في تحسين النظام المالي في البلاد وفق اداة التمويل السريع..
الموازنة هي ليست موازنة إصلاحية وهي استمرار لحالة الفشل والتخبط والهدر والنزيف الحاد للموارد المالية للبلد، وإن تخفيض سعر الصرف وتخفيض رواتب الموظفين وفرض الضرائب في ظل الظروف التي يمر بها البلد ليست العصا السحرية لحل مشاكلهُ..
مما لاشك فيه أن هناك حلول كثيرة للمرحلة الآنية تجول في أروقة الإقتصاديين التي يمكن الأستعانة بها لتجاوز الأزمة الخانقة التي يمر بها الإقتصاد العراقي مع عدم إغفال اصلاحات الورقة البيضاء التي تتطلب ارادة سياسة موحدة في نهج الاصلاح الاقتصادي، وتبقى الموازنة العامة هي الأداة التخطيطية التي توجه جميع مفاصل الإقتصاد العراقي نحو الأصلاح ودفعه نحو مسيرة النمو والتنمية الإقتصادية..
من أجل تحقيق الإصلاح المالي بالاتجاه الصحيح في العراق بعيداً عن الاتجاه المعاكس لا بُد من العمل وفق بديهية الإصلاح المالي التي تم الابتداء بها، أي العمل على تخفيض النفقات العامة أكثر ما يمكن والاقتصار على الضروريات فقط وزيادة الإيرادات العامة أكبر ما يمكن على أن لا تؤدي هذه الزيادة إلى آثار عكسية تضر بذات الإصلاح المالي كما في حال زيادة الضرائب بنسبة 100% تؤدي إلى تخفيض الحصيلة الضريبية إلى الصفر..
نظرا للتطورات السياسية والاقتصادية والصحية لا يزال مشروع قانون موازنة العام 2021 في مجلس الوزراء بانتظار المناقشة والاقرار نتيجة لوعود حكومية بتضمين حزمة عريضة من الاصلاحات المالية تضمن التعايش مع الهبوط الحاد في الايرادات النفطية عبر تعظيم الايرادات غير النفطية وضبط وترشيد النفقات العامة..
تسعى الورقة البيضاء إلى تحقيق هدفين استراتيجيين أساسيين: الأول: الشروع في برنامج إصلاح جذري وفوري لوقف نزيف وعجز الموازنة لتوفير المساحة المالية والزمنية الكفاية لتنفيذ الإصلاح على المدى المتوسط. الثاني: وضع الاقتصاد والموازنة على مسار مستدام، يمثل المسار المشترك لخيارات المستقبل. وبهذا تستهدف الورقة البيضاء وصف العلاجات الضرورية العاجلة لتطبيقها فوراً وعلى المدى المتوسط (3-5 سنوات)..
يواجه الاقتصاد العراقي ضغوط مالية حادة تتمثل في اتساع الفجوة بين جانبي النفقات العامة والايرادات العامة، فوفقا لبيانات وزارة المالية فان اجمالي النفقات العامة المخمنة للعام 2020 بلغت قرابة 148 ترليون دينار منها 113 ترليون دينار نفقات جارية و35 ترليون نفقات استثمارية..
مسألة الإصلاح الاقتصادي هي مسألة دستورية، لابُد من العمل على تطبيقها من قبل الحكومات المتعاقبة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد العراقي، والتي أسهمت في إفراز الكثير من الآثار السلبية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وامنياً..
إن الاقتصاد العراقي يعاني من مشاكل كثيرة وكبيرة ومنها الفساد وتدخل الدولة، فالأول يسهم في تضخم تكاليف الإنتاج والأسعار وهذا ما يؤثر سلباً على عملية الإنتاج خصوصاً بعد عام 2003 حيث الإنفتاج على العالم الخارجي والتنافسية العالمية في ظل العولمة التي تدعوا للحرية الاقتصادية، والثاني وهو تدخل الدولة والذي يسهم في مزاحمة بل عرقلة إنطلاق القطاع الخاص في انتشال الاقتصاد العراقي، من المأزق الذي يعانيه..