ان السياسة الخارجية للقوى الكبرى غالبا ما توظف الخوف من عدو ما او خطر ما لتحقيق مصالحها الاستراتيجية. فالخوف، في كثير من الأحيان، لا يُنظر إليه بوصفه تهديداً يجب إزالته، بل كأداة فعّالة لإعادة تشكيل التحالفات، وتبرير التدخلات، وفرض أنماط من التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية، وأبرز الأمثلة على هذا التوجه لدى القوى الكبرى هو ما سارت عليه بوضوح السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فبعد عام 1945، حاول رئيس الوزراء البريطاني -آنذاك-ونستون تشرشل إقناع الولايات المتحدة بشن حرب شاملة ضد الاتحاد السوفيتي، حفاظاً على النفوذ البريطاني المتراجع من جهة، ومواجهة الخطر الشيوعي المتنامي من جهة أخرى. غير أن واشنطن رفضت هذا الخيار واعتبرته خطيرا أكثر مما ينبغي؛ ليس حرصاً منها على السلم الدولي، بل لإدراكها أن وجود عدو أيديولوجي قوي كالاتحاد السوفيتي يوفر لها فرصة استراتيجية ثمينة لتوظيف الخوف منه لدى الاخرين للهيمنة على العالم غير الشيوعي. لقد مكّن الخوف من الخطر الأحمر الولايات المتحدة من فرض نفسها كضامن لأمن أوروبا الغربية واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وغيرها من الدول، فأصبحت هذه الدول تعمل تحت مظلة الحماية الأمنية الامريكية، وتحولت سياساتها في الميدان الدولي الى مجرد سياسات تابعة لسياسة واشنطن.
هذا النمط من التفكير لم يكن حالة استثنائية، بل أصبح سمة ثابتة في السلوك الأمريكي، فبعد زوال الخطر الأحمر نهاية التسعينات من القرن الماضي، ارتفع الحديث في السياسة والاعلام الامريكي عما سمي في حينه بالخطر الأخضر او الخطر الإسلامي الذي تشكله الجماعات الإرهابية الإسلامية، والدول الإسلامية الراديكالية، لاسيما بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبروز أطروحة صدام الحضارات وكأنها قدر لا مفر منه ينتظر البشرية، وجرى تشبيه الامر على انه صراع بين الحضارة الحديثة والبرابرة. فضلا على ذلك جرى تضخيم متعمد لإثارة مخاوف العالم من بعض الدول التي لا تتفق مع سياسة واشنطن، تلك الدول التي سمتها دوائر صنع القرار الامريكية باسم " محور الشر" تارة، و" الدول المارقة" تارة أخرى.
لقد وظفت واشنطن عامل الخوف لدى الاخرين من خطر ما لتفكيك تحالفات الخصوم أحياناً، ولإحكام سيطرتها على الحلفاء أحياناً أخرى، وحدث ذلك خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى بداية إدارة ترامب الحالية تحت شعارات كبرى مثل نشر الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان، وصيانة السلم العالمي... وهي شعارات افتقرت غالبا الى الثبات الاخلاقي عندما تعارضت مع المصالح المباشرة لواشنطن، لكن الإدارة الحالية للرئيس ترامب ذاهبة الى التخلي عنها تماما باسم الواقعية التجارية او سياسة الصفقات التي عبرت عنها أفضل تعبير استراتيجية الامن القومي الأمريكي الجديدة.
وعلى قدر تعلق الامر بالشرق الأوسط، فقد وجدت هذه السياسة الامريكية بيئة خصبة لتحويل مسارات الصراع في المنطقة من خلال توظيف عامل الخوف توظيفا فعالا لتحقيق مصالحها ومصالح حلفائها. فخلال عقود الاستقلال الثلاثة الرئيسة (الأربعينات والخمسينات والستينات) من القرن العشرين المنصرم، ورغم هشاشة البنى السياسية والمؤسسية في الدول العربية، ظل الخطر الصهيوني يشكل التهديد المركزي للأمن القومي العربي، غير أن هزيمة حزيران 1967 فتحت الباب مشرعا للعمل على إعادة تعريف مفهوم الخطر، وتهيئة الظروف للبحث عن تهديد بديل يُزاحم الخطر الصهيوني في وعي دول المنطقة وشعوبها.
في هذا السياق، برز العراق بعد انقلاب عام 1968، بوصفه نموذجاً مناسباً لهذا الخطر البديل، نتيجة سياساته الداخلية القمعية وخطابه الخارجي العدائي تجاه محيطه العربي. وقد أسهم ذلك في تصاعد مخاوف دول المنطقة من تنامي قوته، إلى حدّ فاق في بعض المراحل مخاوفها من إسرائيل نفسها. ومع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تكرّس منطق استثمار الخوف بصورة أوسع، وتم توظيفه لتهيئة الأرضية المناسبة لاندلاع الحرب العراقية–الإيرانية 1980-1988، تلك الحرب التي انتهت باستنزاف الطرفين، فيما استفادت بقية القوى الإقليمية والدولية من حالة الضعف والتدمير المتبادل لكلا الدولتين.
وبعد انتهاء تلك الحرب، كان من الممكن للبلدين انتهاج سياسات خارجية أكثر عقلانية تهدف إلى بناء الثقة والشراكات الإقليمية، وإعادة بوصلة الأمور الى مسارها الصحيح في تحديد مكامن الخطر، وإعادة التموضع الوطني والإقليمي لاحتوائه وتحجيم اضراره، غير أن استمرار الخطاب العراقي التصعيدي، ولا سيما بعد غزوه للكويت عام 1990، أسهم في ترسيخ صورة العراق كدولة خارجة عن السيطرة، وتهدد بزعزعة استقرار جيرانها، مما مهّد لتدخلات عسكرية أمريكية متلاحقة انتهت بتدمير العراق كفاعل إقليمي مؤثر، وتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
أما إيران، فقد وجدت نفسها لاحقاً في موقع مشابه للوضع العراقي، حيث أسهم خطابها الثوري الخارجي، واعتمادها على فواعل غير حكومية لمد نفوذها في الشرق الأوسط والعالم في تسهيل عملية شيطنتها امام شعوب ودول المنطقة، على الرغم من امتلاكها فرصاً حقيقية لتقديم نفسها كقوة استقرار إقليمي، وهي دفعت ولا زالت تدفع ثمن القصور الاستراتيجي لدى منظري سياستها الخارجية، وهذا ما اقر به عدد من السياسيين الإيرانيين، ومنهم وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، الذي اعترف ضمنا مؤخرا في الامارات العربية المتحدة بأن مسار السياسة الخارجية الحالية لبلاده شكّل عبئاً استراتيجياً عليها.
إن استثمار الخوف في السياسة الخارجية الأمريكية أدّى، كما ذكرنا في أعلاه، إلى إعادة ترتيب أولويات الأمن في الشرق الأوسط، بحيث تراجع الخطر الصهيوني إلى مرتبة ثانوية، مقابل تضخيم مخاطر أخرى، واليوم نرى انه باسم الأمن يجري ابتزاز دول المنطقة لفرض حالة التبعية السياسية عليها، وتكبيلها بعقود تسليح وصفقات اقتصادية هائلة، وبالنهاية ترسيخ الحضور العسكري الأجنبي متعدد الأبعاد.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة أمام دول المنطقة، ولا سيما العراق وإيران، إلى قراءة مجريات الاحداث الإقليمية والدولية بوعي استراتيجي نقدي، وإعادة النظر في خطابها السياسي الخارجي الذي سمح بتحويلها إلى خطر إقليمي ودولي مزعزع للأمن والاستقرار. فالأمن الحقيقي لا يُبنى عبر تغذية المخاوف، بل عبر انتهاج خطاب خارجي عقلاني، وسياسات متوازنة، وشراكات إقليمية تعزز الثقة بين الدول والشعوب، وتفتح ابوابها للتعاون المتبادل في مختلف المجالات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!