صدمة أسعار الطاقة العالمية خلال الحرب الإيرانية الصهيو- امريكية في 9 اشكال بيانية

صدمة أسعار الطاقة العالمية خلال الحرب الإيرانية الصهيو- امريكية في 9 اشكال بيانية
إن الحرب القائمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى هي ليست ازمة جيوسياسية فقط بل شكلت ازمة وصدمة في أسواق الطاقة العالمية قد تعيد رسم خارطة أسواق الطاقة العالمية في المستقبل القريب. فقد أدى اغلاق مضيق هرمز الى قفزات غير مسبوقة في الأسعار لا سيما للنفط والغاز، ويبقى استقرار الاقتصاد العالمي واسعاره الطاقة فيه مرهوناً بمدى نجاح الدبلوماسية في خفض التوتر ووقف النزاع والعودة الى طاولة المفاوضات

مع دخول الحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية اسبوعها الرابع، يواجه الاقتصاد العالمي صدمة اقتصادية كبيرة (صدمة طاقة كبرى)، إذ اصبحت الحرب تمثل أكبر تحدي يواجه قطاع الطاقة منذ أزمة السبعينات، وقد أدى تعطل الملاحة واغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره خُمس امدادات العالم من النفط والغاز الى حدوث قفزات غير مسبوقة في أسعار الوقود والغاز والفحم امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

1- أسعار النفط في سياق الحرب: انسداد شريان النفط العالمي

 أدت التوترات التي فرضتها الحرب إلى قفزة كبيرة في أسعار النفط، إذ تجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل نتيجة مخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الى جانب إضافة علاوة مخاطر بلغت نحو 15 دولاراً، مع توقعات بوصول الأسعار إلى 150 الى 200 دولار في حال استمرار إغلاق المضيق، إلا أن هذا الصعود لم يكن متساوياً فقد تخلفت مكاسب خام غرب تكساس الوسيط الأميركي عن منافسه الدولي خام برنت الأكثر تأثراً بالاضطرابات، واتسع الفارق السعري بينهما إلى أكبر مستوى منذ عام 2014، أي قبل مدة وجيزة من إقرار قانون يسمح للولايات المتحدة بتصدير النفط الخام، وبشكل عام ارتفعت أسعار النفط بنحو 40% منذ بداية الحرب.

شكل (1) متوسط أسعار النفط للمدة 2014- آذار/ مارس 2026

وتخيم حالة من الضبابية وعدم اليقين على أسواق النفط العالمية لا سيما في ظل نفي إيران اجراء أي مفاوضات لإنهاء الحرب، كما إن الاتجاه المستقبلي لأسعار النفط تعتمد على مدة الحرب وتطوراتها. 

2- أسعار الغاز في خضم الحرب: تعطل أسواق الغاز الطبيعي

بعد صدمة الحرب الروسية الأوكرانية جاءت الحرب الإيرانية-الصهيو امريكية لتعيد خلط الأوراق في سوق الغاز الطبيعي العالمي، إذ تحول من مورد طاقة حيوي إلى سلاح استراتيجي في قلب الصراع، ومع إعلان قطر حالة القوة القاهرة على صادراتها من الغاز المسال إثر توقف الملاحة في مضيق هرمز، قفزت الأسعار الأوروبية بنسبة تجاوزت 70% في غضون أيام، لتصل إلى مستويات لم تشهدها الأسواق منذ أزمة عام 2022، كما ارتفعت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في أوروبا إلى ما يقارب 55 يورو لكل ميغاواط/ساعة وسط حالة من عدم اليقين بشأن إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الصراع الدائر في الشرق الأوسط والذي ابقى مضيق هرمز مغلقاً، مما أدى إلى تقليص إمدادات الغاز الطبيعي من المنطقة، في حين لا يزال أكبر مصنع للغاز الطبيعي المسال في قطر مغلقاً، مع تقديرات بأن تستغرق أعمال الإصلاح من 3-5 سنوات، وتواجه أوروبا الآن منافسة متزايدة مع آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، إذ تسعى إلى إعادة ملء مخزوناتها المستنفدة من الغاز قبل حلول فصل الشتاء. 

شكل (2) متوسط أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا (مؤشر TTF) خلال المدة 2015- اذار/ مارس 2026- يورو لكل ميغاواط/ ساعة

لقد أحدثت الحرب مع إيران اضطراباً واسعاً في آفاق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، إذ أدت الأسعار المرتفعة والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للتصدير لدى قطر، واحتمالات تأخر الإمدادات الجديدة الى إثارة الشكوك حول الطلب المتوقع. 

وقبل الحرب، كان المحللون يتوقعون أن يرتفع المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة تصل إلى 10 % خلال عام 2026 ليصل إلى ما بين 460 مليون و484 مليون طن متري، مع توقع نمو الطلب بوتيرة مماثلة، ومع قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بوحدات التسييل في قطر، والتي أدت إلى خروج طاقة إنتاجية تبلغ 12.8 مليون طن سنوياً من الخدمة لمدة تتراوح بين 3-5 سنوات، وتتوقع (ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي) انخفاض صادرات قطر والإمارات العربية المتحدة بمقدار 33 مليون طن هذا العام، كما خفضت توقعاتها للإمدادات بنحو 19 مليون طن سنوياً خلال المدة من 2027 إلى 2029، بسبب التأخيرات المتوقعة في توسعة حقل الشمال في قطر ومشروعات الرويس للغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «أدنوك»، والتي لا تزال قيد الإنشاء.

3- أسعار الفحم والحرب: العودة الى مسارات التلوث 

في الوقت الذي كان فيه العالم يسير بخطى حثيثة نحو التحول الأخضر والطاقة المتجددة، جاءت الحرب لتعيد الفحم الحجري إلى عرشه المفقود كملك لقطاع الطاقة العالمي، ومع انسداد شريان مضيق هرمز وتوقف تدفقات الغاز المسال، لم يعد الفحم مجرد وقود ملوث للبيئة، بل تحول إلى صمام أمان استراتيجي تهرع إليه الاقتصادات الكبرى لتجنب الظلام الدامس.

لقد تسببت الحرب في رفع أسعار الفحم بنسبة تجاوزت 20% لتستقر عند مستويات قياسية حول 140 دولاراً للطن، في انعكاس مباشر لعجز الغاز الطبيعي عن تلبية احتياجات محطات التوليد. 

شكل (3) أسعار الفحم خلال المدة 2015- اذار/ مارس 2026/ طن متري

أما بالنسبة لباقي أنواع الفحوم الأخرى مثل فحك كوك فقد وصل سعره ما بين 210-240 دولار، في حين ارتفع سعر فحم اسيا (استراليا وإندونيسيا) بسبب الطلب المتزايد من الصين والهند.

وعلى الرغم إن الفحم حالياً أقل تقلباً لكنه على المدى الطويل يكون أغلى بسبب تكاليف النقل والشحن. 

4- أسعار وقود الطائرات خلال الحرب: انفجار أسعار الوقود

في الوقت الذي كان فيه قطاع الطيران العالمي يتطلع إلى مستويات قياسية من النمو في ربيع عام 2026، جاءت الحرب لتفرض صدمة سعرية غير مسبوقة، ومع تحول مضيق هرمز إلى ساحة صراع مباشر، قفزت أسعار وقود الطائرات مدفوعةً بمخاوف تعطل المصافي الكبرى في الخليج وتوقف سلاسل الإمداد الحيوية، كما إن اسعارهُ مرتبطة بشكل وثيق بأسعار النفط العالمية.

شكل (4) متوسط أسعار وقود الطائرات دولار/برميل خلال المدة 2016-تقديرات 2026 

 لقد تأثر أسعار وقود الطائرات بالعمليات العسكرية بشكل كبير اذ قفز سعر برميل وقود الطائرات بنحو 90% إذ وصلت الى نحو 175 دولار في غضون أيام قليلة وفقاً لبيانات منظمة النقل الجوي IATA.

5- الحرب وأسعار وقود السفن: سفن مُعطلة 

وضعت الحرب قطاع الملاحة البحرية أمام صدمة وقود لم يشهدها منذ عقود، فمع التهديد المباشر لمضيق هرمز واستهداف ناقلات النفط، لم تعد المشكلة تقتصر على ندرة الإمدادات، بل في قفزة تكاليف التشغيل، إذ أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار زيت الوقود عالي الكبريت HSFO ومنخفض الكبريت VLSFO إلى دفع تكاليف الشحن لمستويات قياسية، كما أدت مخاطر المرور في مضيق هرمز الى توجه السفن نحو موانئ بعيدة مثل سنغافورة وشرق آسيا مما رفع الطلب على الوقود وضغط على الأسعار.

شكل (5) أسعار وقود السفن خلال المدة 2016-تقديرات 2026 (طن متري/دولار)

وتشير بعض التقديرات الى إن وقود السفن المنخفض الكثافة تجاوز حاجز الـــــ 1200 دولار للطن في بعض الموانئ الاسيوية بسبب توقف المصافي الخليجية الكبرى عن التصدير نتيجة الاستهداف، مما جعل شركات التأمين ترفع اقساطها بنسبة وصلت الى 400% للسفن التي تصر على العبور بالقرب من مناطق النزاع.

6- اسعار الايثلين في خضم الحرب: تعطل مصانع البلاستيك

أدت قفزة أسعار النفط والغاز خلال الحرب الى أزمة صامتة ضربت المادة الخام الأكثر أهمية في العالم وهو (الإيثلين)، فقد شهد شهر مارس 2026 قفزات تاريخية في تكاليف الإنتاج، مما وضع صناعة البتروكيماويات العالمية أمام مفترق طرق خطير، فالإيثلين الذي يدخل في صناعة كل شيء بدءً من التغليف وصولاً إلى أجزاء السيارات والمنظفات يواجه ضغطاً مزدوجاً، إذ تعطلت إمدادات المواد الخام مثل النفثا Naphtha وهي المادة الأساسية لتصنيع الايثلين في أجزاء كبيرة من آسيا وأروبا مما أدى الى ضغوطات في الامداد 

شكل (6) أسعار الايثلين خلال المدة 2020- وتوقعات 2026

وتجدر الإشارة الى أن إيران تعد لاعباً اساسياً في أسواق الايثلين ومع تعرض بعض مجمعاتها البتروكيماوية الى ضربات او توقف تقني نتيجة الحرب وفقدان الامدادات أدت الى حدوث قفزة في الأسعار.

7- أسعار البنزين: ازمة تهدد بعودة التضخم 

 تحولت أسعار بنزين السيارات إلى كابوس يهدد القوة الشرائية للمستهلكين، بعد أن قفزت إلى مستويات قياسية تاريخية لم يشهدها العالم منذ عقود، مدفوعةً بالانقطاع المفاجئ لإمدادات الخام وتوقف كبرى مصافي التكرير في منطقة الصراع. وتشير الإحصاءات الى تأثر أكثر من 85 دولة حول العالم بارتفاع أسعار البنزين 

جدول (7) أسعار بنزين السيارات في كل من الولايات المتحدة الامريكية وأوروبا 

قفزت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 38% بالمقارنة مع الأسعار ما قبل الحرب، في حين قفزت في أوروبا بأكثر من 42%، كما إن الأسعار في الولايات المتحدة ترتفع بشكل يومي ما بين 5-10 سنتات يومياً، مما دفع إدارة ترامب الى إطلاق الاحتياطي الاستراتيجي من اجل تهدئة الأسعار.  

8- اسعار الهيدروجين في خضم الحرب: ضحية ارتفاع أسعار الغاز

برز خلال السنوات الماضية الهيدروجين كمصدر للطاقة بقوة وسط معركة مواجه التغير المناخي لخفض الانبعاثات والتقليل من الآثار السلبية للتغير المناخي. فهو يمثل أحد ركائز مستقبل الطاقة النظيفة والمستدامة واحد الخيارات التنافسية وأصبح أحد الحلول العالمية المطروحة للوصول الى الحياد الكربوني الصفري، كما يعد أحد مصادر الطاقة المميزة كونه مصدر صالح للوقود من خلال مساهمته في عملية تحول أو نقل الطاقة وتخزينها وهذا ما يجعله أحد المكونات الأساسية في الاقتصاد الدائري للكربون الذي يُسرع التحول الى أنظف أنواع الوقود وأكثرها استدامة. ويتمتع الهيدرجين بإمكانات هائلة بوصفه وقوداً يمكن استخدامه في إحداث تحول الطاقة العالمي، فهو يستخدم كوقود للسيارات وإنتاج الكهرباء وتوليد الحرارة، ويمكن أن يكون مادة خام أولية ووحدة أساسية في المنتجات الكيميائية الأخرى، مثل الأمونيا (وهي مدخل رئيسي في الأسمدة) والميثانول (الذي يستخدم في إنتاج البلاستيك). وتجدر الإشارة الى وجود أنواع مختلفة من الهيدروجين منها، الهيدروجين الرمادي والهيدروجين الأخضر والهيدروجين الازرق

شكل (8) متوسط أسعار الهيدروجين _الرمادي والازرق والاخضر خلال المدة 2020-توقعات 2026

إن الهيدروجين غير مرتبط مباشرة بأسعار النفط عالمياً ولكنه مرتبط بتكلفة الغاز الطبيعي والطاقة، ومع ارتفاع أسعار الغاز بسبب تداعيات الحرب ترتفع تكلفة انتاج الهيدروجين. 

ان الأسعار الحالية خلال الحرب انعكست بشكل جلي على الهيدروجين الرمادي والازرق، في حين إن ارتفاع أسعار الهيدروجين الأخضر فمرتبط بالتكاليف المرتفعة لمشاريع الطاقة المتجددة المتعلقة به.

9- أسعار اليورانيوم: البديل الاستراتيجي تحت ضغط النزاع 

 في خضم الانقطاعات المتتالية لإمدادات الغاز الطبيعي وقفزات أسعار الفحم خلال الحرب لم تكن أسواق المعادن الاستراتيجية بمعزل عن الصدمة، فقد سجلت أسعار اليورانيوم مستويات قياسية، اذ ارتفع بنحو 31% بالمقارنة مع مارس/ اذار 2025، وقد شهد السوق ارتفاعات في أسعار اليورانيوم ليصل الى ما يقارب 100 دولار لكل رطل في بداية عام 2026، وتشير بعض التوقعات الى إمكانية وصوله الى 130 دولار للرطل الواحد خلال المدة القادمة إذا ما ستمر النزاع، وذلك بسبب ازمة الغاز وزيادة الطلب على الطاقة النووية نتيجة للتوترات الجيوسياسية التي يعيشها العالم.

شكل (9) متوسط أسعار اليورانيوم للمدة 2020-توقعات 2026 (رطل/دولار)

لقد عززت الحرب القناعة العالمية بأن الطاقة النووية هي المصدر الأكثر صموداً امام اضطرابات سلاسل الامداد في الخليج، وقد تدفع استمرار الحرب العالم باتجاه بناء المفاعلات الصغيرة كبديل وطني للوقود المستورد وهو يمثل اليوم مصدر طاقة مستقر في عالم مضطرب.

ختاماً... إن الحرب القائمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني من جهة أخرى هي ليست ازمة جيوسياسية فقط بل شكلت ازمة وصدمة في أسواق الطاقة العالمية قد تعيد رسم خارطة أسواق الطاقة العالمية في المستقبل القريب. فقد أدى اغلاق مضيق هرمز الى قفزات غير مسبوقة في الأسعار لا سيما للنفط والغاز، ويبقى استقرار الاقتصاد العالمي واسعاره الطاقة فيه مرهوناً بمدى نجاح الدبلوماسية في خفض التوتر ووقف النزاع والعودة الى طاولة المفاوضات.


أ.م.د سلطان جاسم النصراوي

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!