مسؤوليات الدولة في ظل الاقتصاد الإسلامي

تمارس الدولة دورا مهما في شتى مجالات الحياة ومجال الاقتصاد على نحو التحديد، وهذا التحديد يأتي من ضرورة تبني الدولة لنظام اقتصادي معين تُسيّر مختلف ما يقع تحت مظلتها على نحو هذا النظام، إذ لا توجد دولة في العالم لا تتبنى نظاماً اقتصادياً معيناً، فهي تمارس دور ما في الاقتصاد، من خلال تبنيها هذا النظام أو ذاك، سواء بشكل مباشر عند دخولها معترك النشاط الاقتصادي وإنتاج السلع والخدمات وممارسة التوزيع والتجارة...إلخ، أم غير مباشر من خلال توفير وتهيئة الأجواء المساعدة على سير النشاط الاقتصادي كما هو مطلوب، سواء كانت تلك الأجواء سياسية أم أمنية أم تشريعية أم إدارية ...إلخ. 

      أصبح مسار الدولة ومسؤولياتها في ظل الأنظمة الوضعية يتناوب بين أمرين التدخل تارة والحياد تارةً أخرى، ففي حال سيادة الفكر الرأسمالي المتبني للنظام الرأسمالي سيهاجم الدولة ويخرجها من دائرة الشؤون الاقتصادية ويفرض عليها أن تكون حيادية تجاه هذه الشؤون أي أنها لا تتدخل في الاقتصاد ويكون اللاعب الرئيس هو القطاع الخاص، ويكون دورها دور هامشي في نطاق محدود، يتمثل في تحقيق العدالة بين الأفراد والأمن الداخلي والوقوف بوجه الاعتداءات الخارجية. وعند سيادة الفكر الاشتراكي المتبني للنظام الاشتراكي سيهاجم القطاع الخاص ويدعو لتدخل الدولة بشكل مباشر في إدارة الاقتصاد وامتلاكها لكل وسائل الإنتاج وليس من متحكم في الاقتصاد إلا الدولة وما للقطاع الخاص إلا الركوع والانصياع لإرادة الدولة وإلا فما له من محيص.

مسؤوليات الدولة في الاقتصاد الإسلامي

        أما الإسلام فقد حدد مسؤوليات الدولة في الاقتصاد الإسلامي في ثلاثة أمور وكما أوضحها السيد محمد باقر الصدر في كتابة "اقتصادنا" ويمكن أجمالها كما يأتي:

أولاً: الضمان الاجتماعي

      فرض الإسلام على الدولة ضمان معيشة أفراد المجتمع الإسلامي ضماناً كاملاً. وهي عادة تقوم بهذه المهمة على مرحلتين: المرحلة الأولى تهيئ الدولة للفرد وسائل العمل، وفرصة المساهمة الكريمة في النشاط الاقتصادي المثمر، ليعيش على أساس عمله وجهده. فإذا كان الفرد عاجزاً عن العمل وكسب معيشته بنفسه كسباً كاملاً، أو كانت الدولة في ظرف استثنائي لا يمكنها منحه فرصة العمل، جاء دور المرحلة الثانية، التي تمارس فيها الدولة تطبيق مبدأ الضمان، عن طريق تهيئة المال الكافي، لسد حاجات الفرد، وتوفير حد خاص من المعيشة له. إن مبدأ الضمان الاجتماعي هذا يرتكز في المذهب الاقتصاد الإسلامي على أساسين هما:

الأول: التكافل العام، الذي يفرض فيه الإسلام على المسلمين كفاية، كفالة بعضهم لبعض ويجعل من هذه الكفاية فريضة على المسلم في حدود ظروفه وإمكاناته، وهذا الأساس لا يقتضي أكثر من ضمان إشباع الحاجات الحياتية الضرورية، إذ إن الحاجات غير الضرورية لا يجب على المسلمين كفالتها وضمانها إجماعاً. فإذا كان للمسلمين زيادة عن مؤونتهم، فلا يسعهم أن يتركوا أخاهم في حاجة شديدة، بل يجب عليهم إشباع تلك الحاجة وسدها.فالضمان الاجتماعي الذي يقوم على التكافل يتحدد بحدود الحاجات الحياتية للأفراد التي يعسر عليهم الحياة بدون إشباعها.

والثاني: هو حق الجماعة في مصادر الثروة، وعلى هذا الأساس تكون الدولة مسؤولة بصورة مباشرة عن ضمان معيشة المعوزين والعاجزين، بقطع النظر عن الكفالة الواجبة على أفراد المسلمين أنفسهم. وهذه المسؤولية لا تفرض على الدولة ضمان الفرد في حدود حاجاته الضرورية كما هو الحال في الأساس الأول، بل يفرض عليها أن تضمن للفرد مستوى الكفاية من المعيشة الذي بحياة أفراد المجتمع الإسلامي، لان ضمان الدولة هنا ضمان إعالة. وإعالة الفرد هي القيام بمعيشته وإمداده بكفايته. والكفاية من المفاهيم المرنة، التي يتسع مضمونها كلما ازدادت الحياة العامة في المجتمع الإسلامي يسراً ورخاءً. 

      وترتكز فكرة الضمان الاجتماعي في ضوء هذا المبدأ على إيمان الإسلام بحق الجماعة كلها في موارد الثروة، لان هذه الموارد الطبيعية قد خلقت للجماعة كافة، لا لفئة دون فئة (خلق لكم ما في الأرض جميعا) وهذا الحق يعني ان كل فرد من الجماعة له الحق في الانتفاع بثروات الطبيعة والعيش الكريم منها. فمن كان من الجماعة قادراً على العمل في أحد القطاعات العامة والخاصة، كان على الدولة أن تهيئ له فرصة العمل في حدود صلاحيتها. ومن لم تتح له فرصة العمل أو كان عاجزاً عنه... فعلى الدولة أن تضمن حقه في الاستفادة من ثروات الطبيعة، بتوفير مستوى الكفاية من العيش الكريم.

    وقد أفتى بعض الفقهاء كالشيخ الحر: بان ضمان الدولة لا يختص بالمسلم. فالذمي الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية إذا كبر وعجز عن الكسب، كانت نفقته من بيت المال. وقد نقل الشيخ الحر حديثاً 

عن الإمام على: انه مر بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين ما هذا؟ فقيل له: يا أمير المؤمنين انه نصراني. فقال الإمام: استعملتموه حتى كبر وعجز منعتموه!!. أنفقوا عليه من بيت المال.

ثانياً: التوازن الاجتماعي

     لا يمكن للدولة في ظل الاقتصاد الإسلامي أن تحقيق التوازن الاجتماعي دون الاعتراف بحقيقتين:

الأولى تتمثل في تفاوت أفراد النوع البشري في مختلف الخصائص والصفات، النفسية والفكرية والجسدية. فهم يختلفون في الصبر والشجاعة، وفي قوة العزيمة والأمل ويختلفون في حدة الذكاء وسرعة البديهة وفي القدرة على الإبداع والاختراع وغيرها. هذا التفاوت حقيقة كونية لا يمكن بأي حال من الأحوال رفضها وعدم الاعتراف بها.

 والحقيقة الأخرى، العمل هو أساس الملكية. فالذي يعمل هو الذي يملك ومن لا يعمل لا يملك، وبالتأكيد هناك بعض الاستثناءات، وفي ظل هاتين الحقيقتين (اختلاف الخصائص الفردية والعمل أساس الملكية) سيحصل التفاوت لا محالة، وهذا التفاوت يقره الإسلام ويرمي إلى تحقيق التوازن في ظل الاعتراف بهاتين الحقيقتين، فالتوازن الاجتماعي هو توازن بين أفراد المجتمع في مستوى المعيشة، لا في مستوى الدخل. والتوازن في مستوى المعيشة معناه: أن يكون المال موجوداً لدى أفراد المجتمع ومتداولاً بينهم، إلى درجة تتيح لكل فرد العيش في المستوى العام، أي أن يحيا جميع الأفراد مستوى واحداً من المعيشة، مع الاحتفاظ بدرجات داخل هذا المستوى الواحد تتفاوت بموجبها المعيشة، ولكنه تفاوت درجة، وليس تناقضاً كلياً في المستوى، كالتناقضات الصارخة في مستويات المعيشة في المجتمع الرأسمالي.

     وقد قام الإسلام من ناحيته لتحقيق هذا الهدف، بضغط مستوى المعيشة من أعلى بتحريم الإسراف، وبضغط المستوى من أسفل، بالارتفاع بالأفراد الذين يحيون مستوى منخفضاً من المعيشة إلى مستوى أرفع. وبذلك تتقارب المستويات حتى تندمج أخيراً في مستوى واحد، وقد يضم درجات ولكنه لا يحتوي على التناقضات الرأسمالية الصارخة في مستويات المعيشة.

وكما وضع الإسلام مبدأ التوازن الاجتماعي تكفل أيضا بتوفير الإمكانات اللازمة للدولة، لكي تمارس تطبيقها للمبدأ في حدود تلك الإمكانات، والتي تتلخص في الأمور الآتية:

1- فرض ضرائب ثابتة تؤخذ بصورة مستمرة، كالخمس والزكاة، وينفق منها لرعاية التوازن العام.

2- إيجاد قطاعات لملكية الدولة، وتوجيه الدولة إلى استثمار تلك القطاعات، لأغراض التوازن.

3- طبيعة التشريع الإسلامي، الذي ينظم الحياة الاقتصادية في مختلف الحقول. كمحاربة الاكتناز، وإلغاء الفائدة وتشريعه للإرث، ومنع الاحتكار وغيرها

ثالثاً: مبدأ تدخل الدولة

      تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، يُعد من المبادئ المهمة في الاقتصاد الإسلامي، التي تمنحه القوة والقدرة على الاستيعاب والشمول. لم يقتصر تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، لضمان تطبيق أحكام الإسلام، التي تتصل بحياة الأفراد الاقتصادية. فتحول مثلاً دون تعامل الناس بالربا، أو السيطرة على الأرض بدون إحياء، أو منع الاكتناز والاحتكار وغيرها، بل يمتد تدخل الدولة لملء منطقة الفراغ، التي وضعت لمواكبة التطور الذي يفرضه تطور أساليب الإنتاج (أو علاقات الإنسان بالطبيعة) على مجال التوزيع (أو علاقات الإنسان بأخيه) " فإن تطور قدرة الإنسان على الطبيعة... يطور وينمي باستمرار خطر الإنسان على الجماعة، ويضع في خدمته باستمرار إمكانات جديدة للتوسع، ولتهديم الصورة المتبناة للعدالة الاجتماعية"، فمع تطور الآلات، يمكن لقلّة من الأشخاص أن يمارسوا إحياء مساحة هائلة من الأرض. هنا يأتي دور الحاكم الإسلامي للحفاظ على العدالة. فمنطقة الفراغ ليست نقصاً، بل تبين قدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة، وحدودها تضم " كل فعل مباح تشريعياً بطبيعته" وليس للحاكم الإسلامي إباحة محرم أو الإحلال من واجب.

     ومن الأمثلة على ملء منطقة الفراغ، نهي النبي محمد(ص) عن منع فضل الماء والكلأ، وهذا النهي نهي تحريم كما يقتضيه لفظ النهي عرفاً إلا إن رأي جمهور الفقهاء القائل: بأن منع الإنسان غيره من فضل ما يملكه من ماء وكلأ، ليس من المحرمات الأصلية في الشريعة، كمنع الزوجة وشرب الخمر..ولذا فإن النهي صدر عنه بوصفه ولي الأمر. فهو ممارسة لصلاحياته في ملء منطقة الفراغ حسب مقتضيات الظروف لأن المجتمع المدينة كان بحاجة شديدة إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية، فألزمت الدولة الأفراد ببذل ما يفضل من مائهم وكلأهم للآخرين، تشجيعاً للثروات الزراعية والحيوانية، وهكذا.

التعليقات