تفكيك الاستبداد لتحرير الاقتصاد مع اشارة للعراق

تفكيك الاستبداد لتحرير الاقتصاد مع اشارة للعراق
ان بناء الاقتصاد ونموه بشكل حقيقي ومستدام يستلزم وجود الحرية وترسيخ الديمقراطية الى جانب المؤسسات القوية وتفكيك الاستبداد بمختلف أنواعه. ومن هنا فإن مستقبل الاقتصاد العراقي مرهون بمدى قدرة البلد على تفكيك الاستبداد وتجذير الحرية والديمقراطية وتعزيز المؤسساتية، بوصفها المستلزمات الضرورية لبناء اقتصاد عراقي حقيقي ومستدام. ان بقاء الاقتصاد العراقي أسير الاستبداد يعني استدامة الادمان النفطي واستمرار الصدمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية

رغم أهمية الموارد والخطط في تحقيق التقدم الاقتصادي إلا أنها غير كافية لتحقيق ذلك التقدم والتجارب الدولية أثبتت ذلك.

إذ هناك الكثير من الدول تملك الكثير من الموارد ووضعت العديد من الخطط ومع ذلك لم تحقق إلا رفاهية اقتصادية دون تقدم اقتصادي حقيقي.

وبهذا الصدد تجب الإشارة الى اختلاف التقدم الاقتصادي عن الرفاهية الاقتصادية، لأنه من الممكن تحقيق الاخيرة دون تحقيق الاول كما هو حال البلدان الغنية بالموارد كالخليج العربي على وجه التحديد.

حيث يتطلب تحقيق التقدم الاقتصادي كل الظروف الذاتية كالنظام الاقتصادي والموضوعية كتوفر الديمقراطية لا الاستبداد سياسياً وحب العمل لا الاتكالية اجتماعياً وغيرها.

الاستبداد

ان المشكلة لا تتعلق بالموارد بقدر ما تتعلق بالاستبداد بمختلف أنواعه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. حيث يتمثل الاستبداد السياسي في عدم وجود أحزاب متعددة واحتكار السلطة والقرارات بيد حزب واحد فهو من يشرع ومن يقرر وينفذ ويقاضي بالنتيجة كل النتائج تصب لصالحه دون أن ينظر لمدى منطقيتها واقتصاديتها وأخلاقيتها وأنسانيتها.

كما ان الاستبداد الاقتصادي يعني هيمنة الدولة على الاقتصاد وضعف الحرية الاقتصادية ومحدودية القطاع الخاص وغياب المنافسة مما يعني حرمان الاقتصاد من بناء ذاته بشكل حقيقي.

كذلك الاستبداد الاجتماعي أي ثقافة المجتمع التي لا تفضل اقتصاد السوق وتفضل الاقتصاد القائم على الدولة، هذا الاستبداد ينعكس بشكل سلبي على اداء الاقتصاد.

ان تحالف هذه الانواع وتغذية بعضها للبعض الآخر، يمثل عقبة حقيقية أمام بناء الاقتصاد ونموه، خصوصاً مع العولمة.

لأن الاستبداد الاجتماعي يفضل قيادة الاقتصاد من قبل الدولة والاخيرة أقل كفاءة، مقارنة بالسوق والقطاع الخاص؛ من حيث الإنتاج والمنافسة مع الاقتصادات الدولية، مما يعني تراجع اداء الاقتصاد. 

كيف يُقيّد الاستبداد الاقتصاد؟

في الوقت الذي يسير الاستبداد السياسي والاقتصاد القائم على الدولة بشكل طردي يسير الاستبداد السياسي والاقتصاد القائم على القطاع الخاص بشكل عكسي.

لأن الأول يجعل الاقتصاد بيد الدولة وهذا ما يخلق مجالاً واسعاً أمام الاستبداد السياسي للتدخل والسيطرة على الموارد وتوجيه الاقتصاد وفقاً لما يراه هو لا وفقاً لما يراه أصحاب الخبرة والاختصاص، في حين لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للثاني أي إن القطاع الخاص يرفض التحكم به وتوجيهه وفقاً لتوجهات الاستبداد السياسي.

بمعنى إن الدولة تمتلك الموارد ووسائل الإنتاج ويقوم التخطيط المركزي برسم السياسة الاقتصادية للبلد في إطار ما يتطلع إليه القابع على سدة الحكم، فتصبح حياة الاقتصاد ومسيرته مرهونة بالسلطة التنفيذية.

والعكس صحيح، أي إن ما يضيّق المجال أمام الاستبداد ويحجّم من تدخله ويحرمه من السيطرة وتوجيه الاقتصاد هو الملكية الخاصة والحرية الاقتصادية والربح، حيث يسعى القطاع الخاص لزيادة ملكيته الخاصة وزيادة أرباحه وكلهما لا يتحققان في ظل غياب الحرية الاقتصادية التي يُصادرها الاستبداد من الوجود فيعمل القطاع الخاص للحد من الاستبداد وإيجاد الحرية الاقتصادية وزيادة ملكيته وأرباحه.

ومن أبرز التجارب بهذا الخصوص هي فنزويلا التي تُعد أكبر بلد نفطي في العالم لكنها تُعد من أسوء الاقتصادات اداءً في العالم نظراً لاستحكام الاستبداد فيها وبالمقابل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة رغم عدم امتلاكها موارد كبيرة إلا إنها أصبحت اقتصادات يُحتذى بها نظراً لاعتماد الديمقراطية وتهيئة الظروف الأخرى اللازمة لتحقيق التقدم الاقتصادي.

تفكيك الاستبداد لتحرير الاقتصاد

لا يمكن حصر تفكيك الاستبداد في أمر معين وحسب بل لابد من وجود حزمة متكاملة تعمل مع بعضها لمحاصرة الاستبداد وتفكيكه وفسح المجال أمام الاقتصاد للنمو والتمدد.

حيث يتطلب الأمر على اعتماد الديمقراطية السياسية بشكل حقيقي وبما يضمن عدم استئثار حزب معين بالسلطة وضمان التداول السلمي للسلطة وبما يعكس ارادة الجماهير.

ان وجود قواعد سليمة وتطبيقها بشكل سليم يعزز من ثقة الجماهير بالسلطة ويعضد مشروعيتها ويجعلها تستجيب للقرارات التي ستطلقها وتتفاعل معها.

كما ان الاهتمام باعتماد بمبادئ اقتصاد السوق كالحرية والاقتصادية والملكية الخاصة والمنافسة والحوافز ستعزز من دور القطاع الخاص في الاقتصاد ويصبح له ثُقل في رسم السياسات.

هذا الدور والثقل هو الذي يعمل على تفكيك الاستبداد ومنع نشوؤه مرةً أخرى، لأن القطاع الخاص يُريد أن يعمل في بيئة تحترم كيانه وتطلق حريته وتيسر أعماله وشؤونه لا العكس، وهذا لا يسمح عملياً بالاستبداد.

كما ان المجتمع الذي يمتلك ثقافة اقتصادية يعرف ان الدولة لا تحقق له تقدماً اقتصادياً متيناً مستداماً بل توفر له رفاهية اقتصادية غير مستدامة.

المجتمع الذي يعرف أهمية اقتصاد السوق سعرياً ونوعياً من ناحية وتوليد فرص العمل من ناحية أخرى ومواكبة الاقتصاد العالمي من ناحية ثالثة، لا يتنازل عنه وهذا يجفف منابع نشوء الاستبداد.

وأخيراً المؤسساتية، إذ لا يقل شأن المؤسساتية عن النقاط أعلاه من حيث تفكيكها للاستبداد ومنع ظهوره مستقبلاً، فكلما كانت المؤسساتية أكثر استقلاليةً كانت أكثر قوةً والاستبداد أكثر ضُعفاً.

المؤسساتية تعني عدم تركز السلطة في يد مؤسسة معينة وخصوصاً التنفيذية، بمعنى أن كل مهمة توكل لمؤسسة تعمل على تحقيقها دون تدخل المؤسسات الأخرى فيها إلا بقدر التعاون، مما يعني عدم قدرة مؤسسة معينة على الاستفراد بالسلطة والقرارات.

العراق والاستبداد والاقتصاد

رغم اتجاه العراق نحو الديمقراطية سياسياً بعد 2003 إلا أنه ما زال يعاني من الاستبداد اقتصادياً واجتماعياً الى جانب استمرار ضعف المؤسساتية. حيث ما زالت الدولة تهيمن على الاقتصاد من خلال سيطرتها على الارض والنفط والعمل والقرارات والمصارف بالتزامن مع انسحابها من النشاط الإنتاجي. بالإضافة لزيادة الفساد وانتشاره وعدم خلق بنية تحتية متطورة مما يعني تعقد بيئة استثمارية وعدم جاذبيتها.

ان هيمنة الدولة وانسحابها من الإنتاج وتعقد بيئة الاستثمار كلا الامرين دفعا لنتائج لا تقل خطورةً عن آثار الاستبداد ورُبما تفوقها.

وعلى مستوى المجتمع فمازال المجتمع العراقي يحبذ أن تقوم الدولة بقيادة الاقتصاد والعمل في كنفها دون ملاحظة الاخطار المحدقة التي ستنعكس بشكل سلبي على الاقتصاد والمجتمع معاً. بمعنى ان الاستبداد الاجتماعي العراقي يعيد إنتاج الاستبداد السياسي والاقتصادي. حيث ان الاقتصاد العراقي يعتمد على النفط الذي ستنخفض أهميته عاجلاً أم آجلاً بفعل البحث عن البدائل سواء من حيث منتجين آخرين أو من حيث بدائل أخرى الطاقة الشمسية وغيرها.

هذا الانخفاض يعني انخفاض أسعار النفط واللجوء للاقتراض او الضرائب وهذا ما سينعكس على الرفاهية الاقتصادية نظراً لعدم وجود تقدم اقتصادي حقيقي.

ورغم وجود المؤسساتية الهيكلية إلا أنها ما زالت تحتاج للمزيد من النضج والبلورة والعمل على تحقيق أهدافها بشكل واضح دون أي ضغوط وتدخلات.

فعلى سبيل المثال ما زالت مهمة الأمن والدفاع مرتبطة بالمؤسسة التنفيذية، في حين يُفترض وفق مبدأ عدم تركز السلطة لمنع نشوء الاستبداد، أن يتم جعل المؤسسة الأمنية مستقلة بذاتها وكذلك الدفاعية وهكذا بالنسبة للمؤسسات الاخرى.

وهذا لا يعني تفكيك الدولة بقدر ما يعني الاستقلال الوظيفي لتحقيق الاهداف المناطة بها بعيداً عن توظيفها لأسباب سياسية بحتة. إذ هناك الكثير من المؤسسات التي تحتاج إلى مزيد من الاستقلالية لتكون أكثر قوة على تحقيق الأهداف التي وجدت لأجلها، ان تعزيز المؤسساتية عامل حاسم في منع تركز السلطة ومنع ظهور الاستبداد.

الخلاصة:

 ان بناء الاقتصاد ونموه بشكل حقيقي ومستدام يستلزم وجود الحرية وترسيخ الديمقراطية الى جانب المؤسسات القوية وتفكيك الاستبداد بمختلف أنواعه. ومن هنا فإن مستقبل الاقتصاد العراقي مرهون بمدى قدرة البلد على تفكيك الاستبداد وتجذير الحرية والديمقراطية وتعزيز المؤسساتية، بوصفها المستلزمات الضرورية لبناء اقتصاد عراقي حقيقي ومستدام. ان بقاء الاقتصاد العراقي أسير الاستبداد يعني استدامة الادمان النفطي واستمرار الصدمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

حامد عبد الحسين الجبوري

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!