منذ اندلاع الاحتجاجات في وبيان اسبابها الاقتصادية ، وما رافقها من مواقف سياسية داخل إيران، وطبيعة المواقف الدولية والاقليمية، تتجلى صورة واضحة تعبر عن ان النظام الحاكم في إيران يعيش مواجهة ازمة مركبة ومعقدة تداخل فيها الانشطة والمواقف محليا واقليميا ودوليا. وواضح ان النظام في إيران لأول مرة – منذ عام 1979 - يواجه حركة احتجاجية واسعة بهذه المديات من الفئات الاجتماعية المشاركة والمدن التي غطتها الاحتجاجات.
حتى نُدلّل ان الاحتجاجات الحالية تختلف عن سابقاتها، وجعلت النظام الإيراني في مواجهة ازمة مركبة، ينبغي التوضيح ان الاحتجاجات الحالية تتصف بكونها ذات امتدادات افقية على مستوى المدن التي شملتها، والفئات التي شاركت فيها. واذا كانت الاحتجاجات السابقة ، كما في 2009 و 2018، لم يشارك فيها البازار الإيراني – الفاعل المهم والمؤثر في دعم الثورة الاسلامية عام 1979 ، فأنه في الاحتجاجات الحالية كان المحرك الاول لها، وذلك يرتبط بالسبب الرئيس للاحتجاج الا وهو الوضع الاقتصادي المتردي وانهيار قيمة الريال والتومان الإيراني امام الدولار الاميركي. كذلك تميزت هذه الاحتجاجات بأنها بدأت مطلبية ( مطالب اقتصادية )، الا انها تطورت الى ان تكون مطالب سياسية استهدفت النظام الحاكم وطالبت بزواله كونه المتسبب في هدر مليارات الدولار على وكلاءه في المنطقة، كما يصفه المحتجين. كذلك تأتي هذه الاحتجاجات في مرحلة شهدت المنطقة – ولازالت – تغييرات كبيرة بدأت منذ تشرين الاول 2023، وكان لهذه التغييرات والتطورات انعكاساتها على الداخل الإيراني.
وبسبب اتساع نطاق الاحتجاجات، وطبيعة المعادلة الاقليمية والدولية والتطورات التي شهدتها المنطقة، وضعت الاحتجاجات الحالية الدولة الإيرانية امام تحديات كبيرة على مستويات ثلاثة (شعبية، وتحديات انقسام داخل النظام، وتحديات خارجية). وقبل الخوض في تفاصيل هذه التحديات، ينبغي القول انه حتى مع انتهاء الاحتجاجات، ستبقى هذه التحديات قائمة وان تراجعت مخاطرها، وستبقى نقاط ضعف اضافية يمكن ان يجري استغلالها محليا واقليميا ودوليا. وهذه التحديات هي:
التحدي من داخل النظام الحاكم (الانقسامات داخل النظام):
لوحظ في مرحلة ما قبل الاحتجاجات، تصريحات لبعض زعامات التيار الاصلاحي كرئيس الجمهورية مسعود بازشكيان، ان يحمل الحكومة الإيرانية ما وصلت له الاوضاع الاقتصادية واشار غير مرة الى ان المرحلة تتطلب سياسة خارجية تختلف عن المرحلة السابقة، في وقت تصر قيادات النظام المتشددة من قيادة المرشد الاعلى والحرس الثوري على البقاء في جبهة المواجهة مع الولايات المتحدة وعدم التنازل او التفاوض حول ملفات (البرنامج الصاروخي، والملف النووي واستمرار التخصيب).
وهذا يشير ، بعبارة اخرى، الى تصاعد رؤية واقعية بعيدة عن الشعارات والتغني بالقوة، والاكتراث اكثر الى مصلحة الدولة الإيرانية وبقاء الايديولوجية الاسلامية الحاكمة عبر التعامل بمرونة مع الخصوم الولايات المتحدة واسرائيل، مقابل رؤية متشددة تحصر مصالح الدولة الإيرانية ووحدتها بمصالح نظام الحكم وايديولوجيته الاسلامية واستمرارهما، وكأنهما الضمانة لوحدة إيران.
انتهاء الاحتجاجات لا يعني رأب الصدع بين التيارين الاصلاحي والمتشدد في إيران، بل هو اقرب الى تجميد الاختلاف بينهما.
التحديات الاقتصادية:
العقوبات الاقتصادية منذ عام 2009 ولغاية اليوم شملت اشخاصا وشركات وبنوك، وتصاعدت حدتها واصبحت أكثر عبئا على الاوضاع الاقتصادية داخل إيران بعد عام 2018 بعد شمول عدد من البنوك في إيران والمؤسسات المالية والاقتصادية التابعة للحرس الثوري. وبعد التطورات الاخيرة في الملف النووي وفشل المحادثات النووية، أُعيد تفعيل آلية الزناد.
تعد "آلية الزناد" جزءا أصيلا من الاتفاق النووي والقرار الأممي 2231، إذ تتيح لأي طرف من أطراف الاتفاق إخطار مجلس الأمن بعدم التزام إيران بتعهداتها النووية. وبموجب هذه الآلية، لا تحتاج إعادة فرض العقوبات إلى توافق داخل المجلس، وبعد انتهاء مهلة الثلاثين يوما من دون التوصل إلى قرار جديد، دخلت العقوبات السابقة حيز التنفيذ تلقائيا، من دون أن يكون لروسيا أو الصين حق تعطيل ذلك باستخدام الفيتو.
وهذه العقوبات لازالت سارية المفعول، وزيادة على ذلك، ستستمر الولايات المتحدة وحلفائها فرض مزيد من العقوبات على الاشخاص والمؤسسات الإيرانية واستمرار لسياسة الضغوط القصوى التي اوجدها ترامب في فترة رئاسته الاولى 2016- 2020. وهذا يعني ان استمرار العقوبات يعني استمرار ازمة التومان الإيراني وانهيارات اكثر له امام الدولار الاميركي. مما يعني ان سبب الاحتجاج الرئيس لم يتلاشى ولم تجري معالجته من الاساس، وسيبقى يؤرق صانع القرار الإيراني ومنظومة الحكم في إيران.
التحدي الاقتصادي الاخر والابرز هو الفساد. فالفساد في إيران تم مأسسته في اطار سياق عمل مؤسسات مهمة ومؤثرة في ادارة الدولة. ورغم التأكيدات الإيرانية بين الفينة والاخرى على مواجهة الفساد، الا انه لازال القيادة الإيرانية بعيدة عن المواجهة، اما بسبب انها منشغلة بالاهداف الكبيرة وهي (البرنامج النووي ، وبرنامج الصواريخ ، ودعم وتعزيز قوة وكلاء او اذرع إيران في المنطقة)، او ان المواجهة تعني انهيار المؤسسات، فالفساد ترسخ ضمن سياقات الاداء فيها.
التحديات الدولية
مع مرور ايام على الاحتجاجات في الكثير من المدن الإيرانية، بدأت تبرز الى السطح المواقف الدولية المنددة والمستنكرة لتعامل السلطات الإيرانية مع الاحتجاجات ومنها المواقف الاوربية ومواقف الامم المتحدة.
الموقف البريطاني جاء واضحا بشدة رفضه لطريقة التعامل مع الاحتجاجات متهما النظام الإيراني قال نائب وزير الخارجية البريطاني وعضو البرلمان السابق، بيل راميل، إن النظام الإيراني قد يكون استخدم مواد كيميائية أو سامة لقمع الاحتجاجات الأخيرة في إيران. وأوضح أن استخدام مواد كيميائية ضد المحتجين قد يشكل جريمة خطيرة بحق المدنيين. وأشار الى أن أي انتهاك لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تعد إيران من الدول الموقعة عليها، قد يترتب عليه تداعيات قانونية وسياسية واسعة على طهران.
الاهم والاكثر مباشرة ووضوح في المواقف الدولية هو الموقف الاميركي الذي اكده الرئيس الاميركي دونالد ترامب اكثر من مرة على ان الولايات المتحدة لن تقف من دون محاسبة النظام الإيراني على تعامله مع المحتجين و" آلة القتل الواسعة" وفقا لتعبير الاعلام الاميركي.
الموقف الاميركي لا يُقرأ من خلال التصريحات والبيانات من قبل رأس الادارة الاميركية فحسب، بل من خلال تلك البيانات يتضح امرا هاما مفاده ان الادارة الاميركية تنظر للنظام الإيراني بمقاربة ايديولوجية وترى ان الدولة الإيرانية تُختصر بالمرشد الاعلى شخصيا – بعدّه مرجعا دينياً، والصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها وفق الاطار الدستوري الإيراني. وهذا الامر يجعل من إيران أسيرة المرشد الاعلى وانماط تفكيره، فضلا عن هدف الدولة ومؤسساتها وسلطاتها هو المحافظة على النظام الايديولوجي وهو هدف مقدم على هدف المحافظة على الدولة، وكأن بقاء وديمومة الدولة الإيرانية مرتهن ببقاء النظام ورأس النظام المرشد الاعلى.
هذه الانطباع يجعل الولايات المتحدة ترى ان إيران، وبسبب ايديولوجية النظام وسلطاته الرئيسة، لن تكون ضمن استراتيجية السلام في المنطقة التي طرحتها الادارة الاميركية وفق اسلوب " السلام بالقوة "، كما ان إيران بما تحتويه من موارد وتأثير في الاقتصاد العالمي، وفي ظل سلطة المرشد الاعلى، بعيدة عن الاستفادة منها في خدمة الاقتصاد العالمي( سوق الطاقة)، وبعيدة عن الاستثمارات الاميركية وامكانية الافادة منها اقتصاديا، بل ما يجري تحت سلطة المرشد الاعلى هو مساهمة واضحة في الاخلال بالسلام والامن الاقليميين، وان بقاءها خارج معادلة السلام الاقليمي هو تقويض لتلك المعادلة وتهديد نشيط لها، وفقا للمدرك الاميركي. وفي هذا الاطار يمكن تفسير تصريحات وبيانات ومواقف ترامب من تغيير النظام في إيران، او ان إيران بحاجة الى قيادة جديدة.
في نفس الوقت، تدرك الادارة الاميركية ان النظام الإيراني، وبعد ما يقارب من 50 سنة على وجودة كحاكم ، نجح في ترسيخ وقاعد اداء ثابته في بناء مؤسساته الامنية وفق عقيدة دينية جعلت الكثير من " الشعب الشيعي" في إيران يرى في تلك المؤسسات تجسيدا لطموحاته في بناء دولة قوية قادرة على مواجهة اسرائيل والولايات المتحدة، وهو الشعار الذي رفعته الدولة الإيرانية منذ الثورة الاسلامية 1979. كما تُدرك ان النظام الحاكم، وبفعل السيطرة الكاملة – بفعل ادواته الامنية التي يصل تعداد افرادها الى اكثر من خمسة ملايين عنصر – على الشعوب الإيرانية، جعلت من الدولة ذات ارتباطات جيوسياسية مع شعوب الدول المجاورة. زيادة على ذلك تُدرك واشنطن ان قدرة طهران الكبيرة على التعبئة الشعبية المضادة ضد اية حركة احتجاجية تستهدف نظام الحكم، قادرة على خلق فوضى عارمة في الاراضي الإيرانية، وان تغيير النظام يخلق فراغات كبيرة في اقليم الدولة الواسع، وبفعل الارتباطات مع الشعوب الاخرى، ربما يكون ذلك محفزا للتدخل الخارجي من اطراف اقليمية عدة تحت يافطة حماية المكونات.
ولهذا ما طرحه ترامب من هدفه الاستراتيجي في اسقاط النظام هو هدف واضح، ولكن يتضح من تأجيل الضربة العسكرية في الساعات الاخيرة ان الادارة الاميركية وجدت ان توجيه الضربة لن يكون كافيا لإسقاط النظام وخلق نظام جديد يتسلم مباشرة من دون مرحلة فوضى تظهر فيها واشنطن المتسبب فيها امام الرأي العام العالمي، في وقت يتغنى ترامب بدورة في حلحلة العديد من الصراعات المسلحة.
ولهذا وضح ترامب انه يريد اضعاف النظام الحاكم في إيران حتى يصل الى مرحلة تكون فيه الضربة العسكرية قادرة على تغيير النظام، وبهذا يمكن ان نفسر العقوبات التي فرضتها واشنطن مؤخرا على علي لاريجاني وبعض قيادات الحرس الثوري، والتعرفية الكمرية على شركاء إيران التجاريين ، وربما سنشهد في الايام القادمة تشديد اكبر للعقوبات الاقتصادية وشل النظام الاقتصادي للدولة الإيرانية، كما يمكن ان نشهد ايضا اضعاف وتحييد لوكلاء إيران في المنطقة وتجريدها من ادواتها، وهذا ما يجري في لبنان وحتى مع العراق، حيث تصريحات المبعوث الخاص لترامب الى العراق مارك سافايا ومطالبة الولايات المتحدة بعدم تمكين الجهات السياسية الموالية لإيران من ان يكون لها دور في الحكومة القادمة ونزع سلاح الفصائل ودمج الحشد الشعبي.
كل هذا، ولازالت الادارة الاميركية تلوح بالحل العسكري وانه لازال مطروحا على الطاولة، وكل الخيارات متاحة، اذ توجهت حاملة الطائرات الاميركية الكبيرة يو يو اس لنكولن من بحر الصين الجنوبي وتوجهت الى الشرق الاوسط، فضلا عن اعلان الجيش الاميركي انه يجري تحريك مجموعات ضاربة من حاملات طائرات ومدمرات الى المنطقة رغم تجميد ترامب قرار الضربة على إيران.
بالمحصلة ما نتج بعد هذا التوتر وانتهاء الاحتجاجات هو ليس انتصارا لإيران، بقدر ما هو وضع لطهران على جادة الازمة المركبة والعمل على تكريس اسباب الاحتجاج والرفض للنظام الحاكم على مستوى الداخل. فالانقسامات السياسية واختلاف الرؤى فيما يخص السياسة الخارجية وادارة شؤون البلاد الاقتصادية والصعوبات المعيشية للمواطنين، والتحديات الدولية والعقوبات الدولية، وضعت النظام الحاكم امام تحديات خطيرة غير ظاهره الا انها تمكنت من التوغل الى داخل النظام، وستزيد من هشاشته، وهذا الامر أخطر كثيرا من الحرب او الضربات العسكرية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!