هل امتلك العراق الحديث مشروع دولة خلال المائة عام الماضية؟ إذا كان الجواب بالنفي فما هو نمط التفكير والسلوك الذي ساد خلال هذا القرن في الحياة السياسية العراقية؟ وماذا ينبغي على النخب المثقفة والقوى السياسية والاجتماعية الحاكمة ان تفعل للنهوض ببناء الدولة والمجتمع؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن فهمها بصورة دقيقة دون العودة إلى ظروف نشأة الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، فهذه الدولة لم تولد نتيجة نضال وطني جامع قاده سكانها ضد سلطة أجنبية محتلة، كما هو الحال في كثير من تجارب بناء الدول الحديثة، بل جاءت نتيجة ترتيبات وتفاهمات استعمارية فرضتها مصالح القوى المنتصرة في الحرب، وبشكل خاص بريطانيا العظمى وفرنسا.
لقد عاش سكان العراق لما يقرب من ستة قرون ونصف تحت وطأة الاحتلالات الأجنبية المتعاقبة، منذ الغزو المغولي عام 1258 وحتى الاحتلال البريطاني عام 1917، في ظل ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية بالغة القسوة. وكانت أرضهم خلالها ساحة لتنازع الدول والإمبراطوريات وميدانًا لتصفية حساباتها، دون أن تتوافر الشروط اللازمة لتشكّل وعي وطني جامع أو هوية سياسية مشتركة قادرة على إنتاج دولة بالمعنى السياسي المتعارف عليه في الوقت الحاضر.
وعليه، فإن الدولة العراقية الحديثة لم تُبنَ استنادًا إلى حقائق اجتماعية أو تاريخية أو جغرافية ناضجة، بل تشكلت بوصفها كيانًا سياسيًا يخدم متطلبات المشروع الاستعماري في المنطقة أكثر مما يعكس إرادة السكان المحليين وحاجاتهم. لذلك جاء انبثاقها أقرب إلى تجميع بشري غير متجانس منه إلى مشروع وطني توافقت عليه مختلف المكونات الاجتماعية. وهذا الامر ادركه مبكرا الملك فيصل الأول، وعبّر عنه بوضوح في رسالته الشهيرة عام 1932 حين وصف حال البلاد -آنذاك- بالقول: " ان البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية، فهي والحالة هذه مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها"، وتمثل كتلا بشرية مختلفة المطامع والمشارب، ومملوءة بالدسائس... ليخلص الى نتيجة خطرة للغاية هي " لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد واباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائما للانقضاض على أي حكومة كانت".
ومثل هذا الطرح من قبل ملك العراق الاول يدل على غياب مشروع الدولة منذ بداية تشكيل العراق في مطلع القرن العشرين، وانعكس هذا الغياب سلبا على الحياة السياسية العراقية، فقد اصبح العراق من أكثر بلدان الشرق الأوسط اضطرابا وعدم استقرار، اذ شهد سلسلة طويلة من الانقلابات والاغتيالات والصراعات السياسية الدموية التي أدت خلال القرن المنصرم الى هلاك اثنين من الملوك، واثنين من رؤساء الجمهورية، وثلاثة رؤساء وزراء، وأربعة وزراء دفاع، ورئيس اركان، ووزير داخلية، وعشرات اخرين من الوزراء والقيادات العسكرية والسياسية، فضلا على مئات الألوف من الضحايا نتيجة الحروب والصراعات الداخلية والخارجية.
ان الحياة السياسية العراقية في القرن الماضي تأرجحت بين نمطين مدمّرين: نمط الاستقرار الأمني الهش المفروض بالقوة، ونمط الصراع السياسي العنيف غير المنضبط بقواعد دستورية أو مصالح وطنية عليا. ففي العهد الملكي (1921–1958) فُرض نمط الاستقرار بفعل الهيمنة الأجنبية وبعض الإجراءات القسرية للسلطة، بينما تحقق في العهد الجمهوري (1958–2003) عبر الحكم الاستبدادي والشمولي، لاسيما في عهد البعث (1968-2003). أما نمط الصراع العنيف، والذي شغل الحيز الأكبر من الحياة السياسية العراقية، فانه طبع الدولة والمجتمع بطابع العنف الصفري والانقسام الشديد.
لقد ساهم هذان النمطان في فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية، وتعطيل مشاريع التنمية، وإضعاف المؤسسات الدستورية، وتآكل منظومة القيم المدنية لصالح القيم التقليدية والولاءات الفرعية. كما أدّى سوء إدارة السياسة الخارجية الناجم عنهما إلى إدخال العراق في سلسلة حروب عبثية داخلية وخارجية انتهت باحتلاله من جديد على يد الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في مطلع القرن الحادي والعشرين، ذلك الاحتلال الذي لا زالت اثاره السلبية الكبيرة على الدولة والمجتمع بحاجة الى جهد ووقت طويل لمحوها وإزالة ترسباتها من الحياة والذاكرة العراقية.
صفوة القول: أثبتت تجربة القرن الماضي أن الاستقرار القسري والصراع السياسي الصفري العنيف كلاهما طريقان مسدودان، وأن استمرار غياب مشروع الدولة يعني بقاء العراق في دائرة التراجع وعدم الاستقرار. كما اثبتت أن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب وعيًا جديدًا من النخب المثقفة والقوى السياسية والاجتماعية الحاكمة بأهمية العمل الجاد على صياغة مشروع دولة وطني جامع، يرتكز على إيجاد هوية عراقية مشتركة، ومؤسسات دستورية فاعلة، وتغليب صارم لمصالح العراق العليا على المصالح الفئوية والولاءات الضيقة. لقد ضيع العراقيون قرنا كاملا من حياتهم نتيجة التخبط السياسي غير المبرر، والاخطاء الكبيرة التي لا تغتفر، ومن الحكمة إيقاف هذا التخبط، ومنع تكرار هذه الأخطاء حتى لا يضيع عليهم المزيد من الوقت.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!