الحرب في غزة ومستقبل أطراف محور المقاومة في المنطقة

تقرير وقائع الحلقة النقاشية التي نظمها مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية يوم السبت الموافق 11-11-2023

 

المشاركون:

الشيخ مرتضى معاش

السيد احمد جويد

ا. د. خالد عليوي العرداوي

السيد حيدر الاجودي

د. حميد الهلالي

السيد محمد الصافي

السيد عدنان الصالحي

 

محرر التقرير: الدكتور حسين احمد السرحان 

 

مقدمة 

بدأت الحرب في غزة بعد الهجوم الكبير والمفاجئ الذي شنته حركة حماس المسيطرة على قطاع غزة على المستوطنات الاسرائيلية القريبة من قطاع غزة، وهو هجوم الاول من نوعه من حيث التوقيت وتكتيك العمل المسلح. عادة ما كانت المقاومة تنتفض على الكيان المحتل بعد انتفاضة او حركة احتجاج كبيرة تتوج بعمل مسلح تشنه حركة حماس على اسرائيل وكان ربما بعلم واطلاع الدول والجهات المساندة والداعمة لها، ولكن الهجوم هذه المرة اختلف، اذ تؤكد بعض التقارير ان حماس لم تُعلم شركائها من دول وغيرها في الهجوم الذي شنته، وذهبت بعض التقارير الى ابعد من ذلك ان ليس كل القيادة العسكرية لكتائب القسام – الجناح العسكري لحركة حماس – متفقة على توقيت ونمط الهجوم.

تحمل الحرب في غزة دلالات متعددة ليس اقلها ان الاهداف التي تتبناها حماس هي إطلاق سراح المحتجزين الفلسطينيين، وانهاء الحصار على غزة، الا ان الهجوم الذي شنته حماس ضد اهداف مدنية وعسكرية بدا كأنه ذو اهداف أكبر من ذلك، كان يكون متعلق بالهدف الاستراتيجي لفصائل المقاومة الفلسطينية وهو القضاء على اسرائيل. وهذا ما تم فهمه من قبل اسرائيل والدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الاميركية. ولهذا يُلاحظ ردة الفعل الاسرائيلية العنيفة ضد قطاع غزة من على اهداف مدنية وعسكرية، فضلا عن الدعم الامريكي الذي وصِف بالمطلق والدعم الاوروبي.

توسع ساحة الحرب الى ابعد من قطاع غزة هو الشغل الشاغل لأطراف الحرب، والدول الاقليمية والدول الكبرى، ففي الوقت الذي ترى فيه حماس انه يخفف الضغط عليها، ترى فيه اسرائيل زيادة لكلفة الحرب ويزيد من الضغوط الامنية عليها، كما تنظر الدول العربية والولايات المتحدة والدول الاوروبية والدول الاقليمية الى ان توسع ساحة الحرب يزيد من كلفة الحرب والكلفة الانسانية والتداعيات الامنية في المنطقة، ومن الطبيعي ان كل من هذه الاطراف تنظر للموضوع بما يتناسب مع مصالحها المتنوعة اقليميا ودوليا. 

كذلك الحال بالنسبة لإيران، والاطراف المرتبطة بها في المنطقة، والتي تؤكد دائما على ابراز هويتها الاساسية ومهمتها الا وهي المقاومة ونصرة الشعوب المستضعفة وتحرير الاراضي المحتلة، وهي بذلك تشترك مع حركة حماس والفصائل الفلسطينية الاخرى وتتماهى معها في ذات الاهداف. 

الحرب في غزة مرحلة مصيرية، اذ ان الاهداف الاسرائيلية المعلنة والتي يجري التأكيد عليها باستمرار هو القضاء على حماس عسكريا وانهاء قدرتها على الحكم في قطاع غزة. ورغم ان حركة حماس لديها علاقات مع إيران وتتلقى الدعم منها (كما تشير التقارير الاعلامية والاستخباراتية)، كما لديها علاقات مع تنظيم الاخوان المسلمين العالمي في تركيا وقطر وغيرها، الا ان حماس تختلف مذهبيا وعقائديا عن إيران و "أطراف المقاومة" التابعة لإيران والمؤيدة لها في المنطقة، فضلا عن ان حماس تركز جهودها على مقاومة الاحتلال الاراضي الفلسطينية ولا تسعى وراء الاحتلال في دول المنطقة كالعراق وسوريا كما تشيع وتتبنى ذلك إيران وتوابعها في العراق وسوريا. عليه لابد من المحاولة لاستشراف مستقبل نهج المقاومة و" أطراف المقاومة" في إطار الاوضاع المتوترة التي تشهدها المنطقة. ونفترض ان مستقبل نهج المقاومة و " أطراف المقاومة" وفاعليتهم في المنطقة، وبالخصوص تجاه الحرب في غزة، مرتبط بتطورات الحرب ومتغيراتها.

في هذه الورقة نسعى الى وضع رؤية تحليلية موضوعية علمية كون المنطقة وبلدانها، ومنها العراق، تواجه تحديات جمة، واتساع دائرة الحرب وتوسعها جغرافيا او من حيث الاطراف المتصارعة يُنذر بأوضاع غاية في الخطورة، ولن تقتصر على الاراضي الفلسطينية فحسب بل تمتد لباقي دول المنطقة.

 اولا: مواقف أطراف المقاومة تجاه الحرب في غزة:

بداية لا يمكن التحليل والدراسة للمستقبل من دون تحليل الواقع وتشخيص متضمناته ولكل المتغيرات. على الجانب الاسرائيلي، فأنها ترى في هجوم حماس انه انتهاك صارخ وصنفته على انه عمل ارهابي ضد المدنيين في المستوطنات شبيه بأعمال تنظيم داعش الارهابي، وانه فشل لكل الجهود والامنية الاسرائيلية التي اعتمدت بعد حروب 2007 و2014. ولهذا سرعان ما ألتئم اليمين المتطرف في اسرائيل وشكل حكومة مصغرة للرد على حماس، بعد اكثر من سنتين و4 جولات انتخابية لم تنجح القوى السياسية في اسرائيل من تشكيل حكومة ائتلافية. ولهذا جاءت الفرصة المناسبة لعودة تسيّد اليمين المتطرف (تيار الحرب) في اسرائيل لتولي السلطة بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي تمكن من لم الشمل السياسي وتشكيل حكومة مصغرة. وقوى اليمين المتطرف لا تؤمن بحق الفلسطينيين في دولة على عكس التيار المعتدل (تيار السلام) الذي يؤمن بوجود دولة للفلسطينيين الى جانب الدولة الاسرائيلية وان يكون هناك سلام دائم بين الدولتين. ولهذا يمكن القول ان حماس وفرت فرصة للسلطات الاسرائيلية لتصدير ازماتها السياسية الى خارج اسرائيل واعادة الاجتماع مع الاحزاب المعارضة تمهيدا لترميم الوضع السياسي الداخلي. 

القوات الاسرائيلية تبنت منهج الارض المحروقة في سلوكها وتكتيكاتها العسكرية تجاه قطاع غزة، وهي تشن هجمات وقصف شديد القسوة على مناطق القطاع وخاصة الشمالية منها، وان توفر الدعم الامريكي والغربي وفر قوة ردع كبير لإسرائيل تجنبها فتح جبهات متعددة ضدها وخاصة جبهة الشمال (حزب الله اللبناني).

إيران، يسيطر عليها خطاب الدولة وليس خطاب الثورة، واصبحت المواقف تُعلن من قبل وزارة الخارجية. ويمكن القول انها باتت امام حقيقة ان شعارات المقاومة والتهديد غير واقعية وعليها ان تتبنى مواقف تتماشى مع الاحداث بما يحفظ لها هويتها التي تبنتها منذ عقود " هوية المقاومة". ولهذا سارت بنهجين الاول سياسي – اعلام (التهديد بتوسع الصراع في المنطقة)، والثاني دفع الاطراف الموالية لها لتوجيه هجمات ضد المصالح الامريكية في العراق وسوريا بسبب الدعم الامريكي لإسرائيل. الا ان تطور الاحداث اثبت ان إيران لا تريد توسع الصراع وقد اعلنت ذلك مرارا، رغم انتقال الحرب الى مرحلة الاجتياح البري الاسرائيلي للقطاع وهي المرحلة التي هددت إيران بتدخلها المباشر اذا تطورت الحرب الى الاجتياح البري. 

يبقى ان الهجمات على القوات والمصالح الاميركية في العراق وسوريا في تزايد وتشهد تصعيد خطير، وهذا يعني ان فترة الهدوء النسبي غير الرسمية قد انتهت. كما ان الهجمات المتجددة على القوات الاميركية والهجمات المزعومة والمؤكدة على اسرائيل من قبل جماعات في العراق وسوريا واليمن تشير الى جهود تبذلها " أطراف المقاومة" للضغط على الولايات المتحدة لتضغط على اسرائيل لخض تصعيدها على قطاع غزة. 

التطورات الميدانية منها توغل القوات الاسرائيلية بريا في شمال القطاع ووصولها الى مجمع الشفاء الطبي، وعمليات النزوح الكبيرة تجاه جنوب القطاع، وعدم استجابة اسرائيل للضغط الامريكي والدولي والرأي العام الدولي، يعني ان اسرائيل مصممة على انهاء حماس وخفض قدراتها البشرية والتسليحية وانتزاع المناطق التي تسيطر عليها. هذا الهدف عُد هدف استراتيجي للكيان المحتل، اذ يرى صانع القرار الاسرائيلي ان بعد الحرب ليس كما قبل الحرب سياسيا داخل اسرائيل، ولابد من منجز على الارض يغطي على الاخفاق الامني والعسكري الاسرائيلي اثناء وبعد الهجوم الذي شنته حركة حماس ضد المستوطنات الاسرائيلية، ولهذا يمكن القول ان الاحتلال الاسرائيلي سيستمر بنهجه العدواني حتى لو أطلقت حركة حماس جميع الرهائن، وهذا ما تدركه حماس الا انها توظف ازمة المخطوفين لتأجيج الشارع الاسرائيلي ضد حكومة نتنياهو المصغرة.

قواعد الاشتباك بين حزب الله جنوب لبنان واسرائيل لازالت ثابتة، والاخيرة تعتمد ردة الفعل في حال تعرضها لهجوم من حزب الله. وهذا ما يحصل، ولكن يؤشر ان اسرائيل قصفت هدف في لبنان على مسافة ابعد مما محدد بين الجانبين، ومع ذلك لم يصعد حزب الله الهجمات رغم تهديد امينه العام في خطابه الاخير.

مواقف "أطراف المقاومة" متباينة وفقا لطبيعة ادوارها ومكاسبها السياسية في البلدان المتواجدة فيها، ففي لبنان حقق حزب الله مكاسب سياسية على صعيد نظام الحكم والقرار السياسي الداخلي والخارجي في لبنان، وبالتالي لا يمكنه التخلي عنها إذا ما دخل مباشرة كطرف في الحرب. وايضا دافع اخر لعدم تدخله وهو الوضع الاقتصادي الخطير والقريب من الهاوية في لبنان. 

فصائل المقاومة في العراق، ايضا ذات مصالح مختلفة والكثير منها حققت مكاسب سياسية بعد انتخابات 2021 وأصبح لها تمثيل في مجلس النواب واعضاء في الحكومة، الا ان البعض منها تتبنى مواقف مغايرة للموقف الحكومي والثابت للعراق وهو المبادرة العربية التي أطلقت في قمة جدة 2002 وتم التأكيد عليها في قمة بغداد 2012 وهي العودة الى حدود عام 1967 وتشكيل الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ويجري الاعتراف بالدولة الاسرائيلية. كذلك تسويق ان الوجود الامريكي على انه وجود قوات احتلال وهذا ايضا يخالف الموقف الحكومي ويجري استهداف المصالح الاميركية وفقا لذلك رغم استهداف تلك المصالح قد توقف مع تشكيل الحكومة الحالية ولغاية بدء الحرب في غزة.

ثانيا: مستقبل أطراف "المقاومة" في المنطقة في ضوء المعطيات اعلاه. 

المعطيات اعلاه ومجريات الحرب وتطوراتها ومواقف الدول الفاعلية اقليميا ودوليا وطبيعة التفاعلات السياسية والاقتصادية والامنية تؤثر في مواقف " أطراف المقاومة" من الحرب في غزة، فضلا عن الرغبة الايرانية في عدم توسع الصراع لأسباب سياسية واقتصادية تتعلق بإيران. وهذين المتغيرين هما من يحدد مستقبل متبنيات المقاومة ومواقفها تجاه الحرب في غزة او مستقبل " أطراف المقاومة" في المنطقة التي تصنف على انها المنطقة الاكثر تواجدا للجماعات اللا دولتية في العالم. عليه يمكن حصر مستقبل تلك الاطراف بمشهدين: الاول، استمرار تواجدها وتأثيرها في المنطقة، والثاني تراجع واضمحلال وجودها مستقبلا.

1/ استمرار تواجدها وتأثيرها في المنطقة: وهنا نفترض ان " أطراف المقاومة " ستستمر بتأثيرها ولن يكون للحرب في غزة أي تأثير وجودي عليها. فهذه الاطراف لازالت غير داخلة في الحرب بكل مباشر سوى هجمات محددة. ويبنى هذا المشهد على معطيات عدة منها الامكانيات المادية والسياسية وحتى الاقتصادية للمجاميع المسلحة " أطراف المقاومة " في ظل دول هشة امنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، فضلا عن ان اغلبها يشارك في السلطة كما في العراق، او يؤثر على النظام الحاكم بشكل كبير كما في حزب الله في لبنان. كذلك يتسند الكثير من هذه المجاميع على قواعد شعبية مؤيدة لها دينيا. 

2/ تراجعها بشكل كبير: ففي الوقت الذي حصلت فيه دولة الاحتلال على الردع اللازم لتحييد أطراف المقاومة " وضمان عدم تدخلها بشكل مباشر في الحرب، في حين لم تتمكن تلك الاطراف من ان تتوافر على قوة ردع كافية تضمن تدخلها المباشر في الحرب من دون ان تتعرض لهجمات مدمرة، كما ان الهجمات التي شنتها ضد المصالح الاميركية في العراق وسوريا والتي بلغت ما يقارب من 60 هجوم منذ 17 تشرين الاول الماضي، عرض تلك الاطراف الى عقوبات فرضتها من واشنطن خلال اليومين الاخيرين. ورغم ان الرد الامريكي على تلك الهجمات لزال محدود بسبب ان واشنطن لا ترغب بخوض حرب مع إيران، والرسائل التي تبعثها طهران برغبتها بعدم توسع الحرب في غزة، الا انه يمكن ان يتطور اكثر ويشهد تصعيدا من قبل القوات الاميركية. كما انه يوصف الموقف الايراني انها تخلي عن الاطراف الموالية لها في المنطقة. فأيران التي تتبنى مبدأ " وحدة الساحات" الذي ينص على ضرورة تبني موقف مقاوم واحد في كل من العراق وسوريا ولبنان. 

كما ان بعض التحليلات توصف الحرب في غزة على انها صراع بين مشروعين اميركي وايراني، وان هناك ارادة عربية اقليمية ودولية في هزيمة المشروع الايراني في المنطقة. كما ان التوجهات والمصالح المتباينة بين تلك الاطراف واختلافها بين بلد واخر يعرضها الى عدم التنسيق وتغلب المصالح الضيقة على حساب اهدافها المعلنة.

التعليقات