الاتفاقات السياسية والامن الوطني العراقي: كركوك أنموذجا

اعداد وتحرير: د. حسين احمد السرحان

ايلول-سبتمبر 2023

 

عقد مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ملتقاه العلمي الشهري لشهر ايلول الجاري، وذلك في يوم السبت الموافق 9/9/2023، اذ تم التطرق فيه الى الاحداث المؤسفة التي حصلت في كركوك بعد محاولة قوات من الحزب الديمقراطي الكوردستاني استعادة السيطرة على مقراتها التي خسرتها بعد استفتاء الاستقلال الذي اجرته حكومة الاقليم، وقد جاءت هذه الخطوة مستندة الى ما يسمى باتفاق تشكيل حكومة السيد السوداني بعدها شرطا من شروط انبثاق تحالف ادارة الدولة وتشكيل الحكومة الحالية، لذا حمل الملتقى عنوانا ذا صلة الا وهو (الاتفاقات السياسية والامن الوطني العراقي: كركوك أنموذجا). 

 

المشاركون في حوار الملتقى:

الشيخ مرتضى معاش

السيد باسم الزيدي

السيد حيدر الجراح

السيد محمد الصافي

السيد احمد جويد

السيد صلاح الجبوري

السيد حامد الجبوري 

 

مقدمة:

منذ التغيير السياسي في العراق عام 2003 وتشكيل الحكومات المتعاقبة وحتى الحكومة الحالية، كانت للاتفاقات السياسية بين القوى الرئيسة المتحكمة بالمشهد السياسي هي الاساس التي تجتمع عليها تلك القوى. وتكون وثيقة اتفاق يجري تضمينها لاحقا في البرنامج الحكومي ويتعهد رئيس الحكومة والقوى الاخرى بالالتزام بها، وعلى اساس ذلك يجري التصويت عليها ويتم منح الثقة للحكومة بالاستناد الى تلك الوثيقة اللا قانونية. وكل الاتفاقات التي جرت يمكن تقييمها على انها وضعت لضمان المصالح الفئوية الضيقة (القومية والحزبية وأحيانا الشخصية لبعض " القيادات"). وكل ذلك بسبب من فقدان الثقة بين تلك القوى، وضمان عدم تأثر تلك المصالح بالتأثيرات الداخلية.

نظريا، الاتفاقات السياسية سلوك القوى السياسي والاحزاب والتحالفات بدوافع سياسية بأتجاه تعزيز موقف تلك القوى والاحزاب والتحالفات في النظام السياسي وحصد مزيد من المكاسب في السلطة، وهذا هدف مشروع طالما انه الهدف الرئيس لأي حزب هو الوصول للسلطة. ويكون الاساس في الاتفاق هو المشتركات بين حزبين او اكثر.

والاتفاقات السياسية تحصل قبل الانتخابات كأن تكون باتجاه تشكيل تحالف انتخابي او قائمة انتخابية، واحيانا تحصل الاتفاقات بين الاحزاب بعد الانتخابات ولاسيما في الانظمة السياسية التي تعتمد تشكيل حكومات ائتلافية او حكومات اغلبية سياسية او اغلبية وطنية. لكن لابد من ملاحظة ان الاحزاب القوى السياسية لديها خلفيات فكرية وايديولوجية، ورؤية سياسية، وبرامج انتخابية واضحة ذات اهداف قطاعية مرحلية واهداف سياسية كبيرة. والتنافس او الاتفاق يكون وفق تلك الرؤى والبرامج، وكلها تهدف بشكل اساس لبناء وتعزيز مؤسسات الدولة وتقويم الاداء المؤسساتي وتعضيد الامن الوطني للدولة. ولكن اختلاف او اتفاق الرؤى السياسية او اختلافها يكون هو الحاكم في تلاقي الاحزاب او القوى السياسية، وبالتأكيد بأتجاه المصالح الوطنية داخليا وخارجيا، والاختلاف يكون بالطرق والوسائل بين تلك القوى السياسية باتجاه تحقيق تلك المصالح. 

في العراق الحالة مختلفة تماما، بعد ان مر بعقود من الاستبداد وثقافة الاستبداد والخوف بين المكونات ومن سيطرة كاملة لمكون واحد على حساب الاخرين، وانعدام الثقة بالأخرين حتى داخل احزاب المكون الواحد، فضلا عن انعدام الرؤية والبرامج السياسية وعدم وجود احزاب سياسية حقيقية، وفقدانها لمفهوم المصالح الوطنية، والتأثيرات الخارجية من اللاعبين الاقليميين والدوليين وجعلهم أطراف في معادلة الحكم، كلها تدفع بأتجاه ايجاد اتفاقات سياسية لضمان المصالح الفئوية بعيدا عن المصالح الوطنية.

هذه الاتفاقات لا يمكن تصنيفها على انها وطنية، فعادة ما يتم ضرب الدستور من خلالها، وتغييب او تحييد الارادة الشعبية التي تتجسد بالانتخابات باتجاه المصالح القومية والحزبية. ففي عام 2010، على سبيل المثال لا الحصر، كان اتفاق اربيل بين الاحزاب " الشيعية والكردية" الاساس الذي تم بموجبه تشكيل الحكومة وتجديد الولاية لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي بتشكيل الحكومة. اذ تضمن الاتفاق نقاط غير دستورية منها السماح لحكومة اقليم كردستان العراق بتصدير النفط وفق قانون النفط والغاز في الاقليم لحين اقرار قانون النفط والغاز الاتحادي، فضلا عن نقاط اخرى تتعلق بتقاسم المناصب وتحييد القائمة العراقية. 

كذلك يلاحظ ان رئيس الحكومة الاسبق عادل عبد المهدي ايضا طلب من التحالف الكردستاني ورئيس الاقليم مسعود البرزاني احياء اتفاق اربيل في 2018 لضمان تصويت التحالف الكردستاني لحكومته وبرنامجه الحكومي.

الاضطرابات الامنية وتصارع الارادات الحزبية كانت كافية لكشف الاتفاقات السياسية بين احزاب السلطة في ائتلاف ادارة الدولة الذي هيمن على مجلس النواب وتشكيل الحكومة بعد انسحاب التيار الصدري من مجلس النواب. 

الهيمنة الحزبية حلت محل حكم القانون، هذه هي الخلاصة المؤكدة وهي تنسحب على كل الاتفاقات السياسية بين " احزاب" السلطة وعادة ما يفرضها احزاب المكون الاكبر. فالأخيرة هي من ساهمت – على مدى تشكيل الحكومات السابقة – في فرض الهيمنة والاتفاق الحزبي المصلحي على حساب حكم القانون والدستور. 

لذلك، ووفق حكم الاحزاب، وليس حكم القانون، نلاحظ ان العراق وشؤونه المختلفة تحول الى ازمة مستمرة حتى بات يوصف النظام الحاكم انه نظام ازمة. كما ان تلك الاتفاقات، ولأنه غير قانونية، يتم تبريرها بتأويلات وتفسيرات مختلفة للنصوص الدستورية. كما انها تتجاوز الارادة الشعبية وانماط التعايش بين المكونات لمصالح حزبية، اذ يمكن القول ان الاتفاق الاخير هو اتفاق تسليم محافظ كركوك لحزب.

جانب اخر، ان الاتفاقات بين القى السياسية غير وطنية وورائها عقلية ليست استراتيجية وانما تفكر بإجراءات تكتيكية لزيادة مكاسبها على حساب البلد والمصالح العامة والامن الوطني للدولة. فـ "الاحزاب الشيعية" ذات نهج دوغمائي يقابلها عقلية " احزاب كردية" براغماتية تثري ذاتها على حساب ما تسميه الشعب الكردي. 

كما ان الاتفاقات السياسية تلغي الارادة الشعبية وتصادر امل الجماهير بإمكانية التغيير السياسي والاصلاح السياسي، فكل الحكومات بعد 2010 جاءت باتفاقات سياسي بعيدا عن الارادة الشعبية التي جسدتها الانتخابات التي ينفق عليها مليارات الدنانير وتستحوذ على جهد كبير من مؤسسات الدولة المعنية وذات العلاقة. ولا يقتصر الامر على ذلك، بل قبل الانتخابات نجد ان " القوى السياسية" تجهد نفسها على وضع نظام انتخابي يناسب ارادتها ورؤيتها اللا وطنية ويلغي دور كثيرا من الاصوات. ولهاذ يمكن القول ان الاتفاقات السياسية على كل قانون انتخابات ونظام انتخابي، وادارة انتخابية " مفوضية الانتخابات" هي من تسببت بكل هذه الفوضى السياسية والامنية والاقتصادية، فضلا عن كونها عرقلت عملية الانتقال الى النظام السياسي الديمقراطي في البلاد. 

هل يمكن توجيه اتفاقات " القوى السياسية" باتجاه ترصين بناء الدولة؟ 

يمكن الشروع بتحقيق هذا الهدف عبر الاتي: 

- تعزيز استقلالية القضاء ومهنيته بموضوعية وتفعيل الادعاء العام واللجان الرقابية وعدم التأثير السياسي والحزبي عليها، هو أحد السبل الرئيسة لضمان ان تكون الاتفاقات السياسية في إطار الدستور والقانون وتحافظ على السلم والامن المجتمعي.

- كما ان تحرير التنظيمات السياسية من زعاماتها التقليدية المتسلطة على كوادرها وتشكيلاتها والتي تسيطر عليها ذهنية التحكم وايمانها بقدرتها على التأثير على مؤسسات الدولة السياسية والرقابية والقضائية. حيث انها " زعامات" تسيطر عليها عقلية المعارضة والتحكم المطلق بالسلطة وتقوية شوكة وامكانيات الحزب المالية والسياسية.

- وضع نظام انتخابي ثابت وفق اسس تمنح حرية التعددية السياسية والحزبية، وتسمح بمزيد من المشاركة السياسية من قبل الجماهير، اذ ان الجماهير الحزبية لا تشكل سوى نسبة قليلة من الجماهير في البلاد.

- اعادة تنظيم الدولة ومؤسساتها على اساس المواطنة والانتماء للوطن بعيدا عن الانتماءات والهويات الفرعية (القومية والدينية)، ويتم ذلك من خلال اعادة النظر بالتشريعات والانظمة والسلوكيات السياسية. 

- كما ان اعتماد مبدا المواطنة والايمان المطلق بها يضمن اعادة تنظيم الاحزاب السياسية الحالية لتكون عابرة للقومية والمذهبية والمناطقية وان تكون تشكيلاتها جامعة لكل المكونات وعبرة عن كل المكونات. وبهذا نضمن توافر اهم عنصر من عناصر النظام السياسي الوطني.

- ابعاد التأثيرات الخارجية (الاقليمية والدولية) عن الاوضاع المحلية وسلطات ومؤسسات الدولة والذي من شأنه ضمان استقلالية القرار السياسي-الامني والاقتصادي بما يقود الى تعزيز مصالح الامن الوطني العراقي.

- الاصلاح الاقتصادي ومواجهة الفساد والفاسدين بحزم، بوابة اساسية لضمان اعادة توزيع الموارد وتوفير العدالة الاجتماعية.

- الاهتمام بالتربية والتعليم العالي ووضع مناهج جديدة للتنشئة الاجتماعية والتنشئة السياسية في البلاد وفق مبادئ المواطنة والشفافية والتمكين والعدالة الاجتماعية.

- تعزيز المؤسسات الرقابية والاعلام ومنظمات المجتمع المدني لتكون بمستوى مسؤوليتها في تقويم العمل السياسي والتنبيه على أية ممارسات غير وطنية حتى لو كانت من قبل الاحزاب السياسية، وذلك عبر ابعاد التأثير الحزبي عليها والحد من التحكم الحكومي (الاداري والامني) بها. 

التعليقات