إقليم كردستان العراق: تحديات ما بعد الاستقلال

لا يختلف اثنان على نوايا إقليم كردستان, وطموح الشعب الكردي,والقيادةالكردية في الانفصال عن حكومة بغداد, وهو حق مشروع وفق مبدأ حق تقرير المصير, وسعيهم إلى تطليق بغداد ‘‘ودياً‘‘ كما يزعمون. إذ استغلت القيادة الكردية مسألة التعاطف الغربي مع القضية الكردية في حقبة نظام صدام حسين وما بعدها, وكذلك استغلت سوء توتر العلاقة بين الحكومة العراقيةالسابقة والحكومات الغربية, لاسيما حكومة الولايات المتحدة وإدارتها, وأيضاً سوء العلاقة بين بغداد والدول المجاورة والإقليمية, لتسوق القضية الكردية إلى العالم الخارجي ومطالبتهم بحق الاستقلال وتقرير المصير, مستفيدة في ذلك من "سوء العلاقة", وافتعال الأزمات مع حكومة بغداد؛ لكي تقنع الغرب في قضيتها وحقها في الاستقلال عن بغداد, إلا أن القيادة الكردية لم تدرك جيداً بأن التعاطف الغربي لا يعني اعطاء الضوء الأخضر للانفصال عن بغداد؛لأنكردستان بحاجة إلى اعتراف ودعم دوليين إذا ما أرادت المضي في مسار الاستقلال. والأكراد بحاجة إلى دعم الدول المجاورة ايضاً,وايضاًهناك تحديات كبيرة ستواجه الإقليم بعد الاستقلال, وبالتأكيد ستكون لتلك التحديات وطريقة الانفصال أو الصورة التي سينفصل بها الإقليم عن حكومة بغداد تداعيات خطيرة, ولهذا يجب على القيادة الكردية إدراك هاتين النقطتين قبل التفكير بالاستقلال؛ لأن عامل الإدراك لهاتين النقطتين سوف يجعل الإقليم اكثر استقرار في حالة الاستقلال من حكومة بغداد. ولعل أبرز تلك التحديات هي أمنية وسياسية, وهي كالآتي: • التحديات الأمنية, سواء المتمثلة بمواجهة تنظيم "داعش", أو التنظيمات المتطرفة الأخرى, أو حتى التحديات التي ستواجه الإقليم في المستقبل من قبل سكان العرب السنة في إعادة مناطقهم التي هجروا منها بعد 10حزيران/يونيو2014,وعمليات التغير الديموغرافي التي حصلت بعد ذلك التاريخ, واستيلاء الأكراد على تلك المناطق؛ لأن ومنذاجتياحتنظيم"داعش" الموصل,حققالأكرادنجاحاتغيرمسبوقةفيالاستيلاءعلىالأراضيخارجحدودإقليم كردستان, وربما هذا سينذر بخطر أخر, وهو ما سيدفع العرب السنة للتحالف مع التنظيمات المتطرفة أو تنظيم "داعش" في تلك المناطق في استرداد حقوقهم أو مناطقهم التي هجروا منها. • مشكلة المناطق المتنازع عليها بين العرب والأكراد, إذ ستمثل تحدياً كبيراً بين العربوالأكراد, سواء في محافظة كركوك أو المناطق الحدودية بين العربوالأكراد ؛ لأن في حالة استقلال إقليم كردستان وبقاء تلك المشكلة –المناطق المتنازع عليها- وغياب الحل, بالتأكيد ستنذر بتداعيات خطيره جداً في مستقبل الإقليم, الأمر الذي يجعل تلك المناطق وحدودها تعاني من حالة عدم الاستقرار الدائم. • إدارة المناطق المتنازع عليها بعد الاستقلال, في ظل الحساسية الموجودة بين الأكراد والعرب هذا من جهة, من جهة ثانية مشكلة إدارة تلك المناطق داخلياً, المتمثلة بالإدارةالمشتركة بين الحزبيين الكردين, إذ أن هناك اختلافات كبيرة على إدارة تلك المناطق بين حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني؛لأن الحزبين الكرديين ربما تكون لديهما استراتيجيات متشابة، إلا أنھا غير منسقة ،لتعزيز سيطرتهما في مناطق نفوذھما, الحزب الديمقراطي الكردستاني في سھل نينوى ونقاط الوصول إلى المناطق التي يقطنھا الأكراد في سورية والاتحاد الوطني الكردستاني في محافظتي كركوك وديالى. • مشكلة رئاسة إقليم كردستان في ظل تمسك مسعود برزاني برئاسة الإقليم, ورغبة الاتحاد الوطني الكردستاني في التغير, هذا التمسك من المؤكد سينذر بمشكلات جمة بعد الاستقلال, وهي ظاهرة منذ الحين, وربما يكون احد تداعياتها هو استقلال السليمانية عن أربيل أذا ما تمسكت الاخير بالرئيس بارزاني؛ لأن حزب الاتحاد الوطني يسعى إلى المشاركة السياسية الفعالة في رئاسة الإقليم, في ظل تمسك مسعود بارزاني وأبناءه مسرور بارزاني (رئيس جهاز المخابرات) ومنصور بارزاني (القائد العام), والذين"رفضوا تسليح البيشمركة في كركوك؛ بسبب عدم تصويت كركوك لصالح حزب بارزاني السياسي", على حد تعبير الكاتب الأمريكي مايكل روبن. هذه النقطة ربما ستحدث شرخاً كبير في الرؤية السياسية الكردية. • الخلافات التاريخية والحادة بين الحزبين الكردين,الحزبالديمقراطيالكردستانيوالاتحادالوطنيالكردستاني, ومعارضه حركة التغير الكردية "جماعة غوران" لسياسة الحزبين في الإقليم. إذ ستظهر تلك الخلافات بشكل حاد وكبير بعد الاستقلال؛ لأن توّحد الهدف الكردي ضد الحكومة الاتحادية هو من يطغى على تلك الخلافات حالياً, فضلاً عن الاختلافات الأيديولوجية والسياسية بين الاحزاب الكردية. • الانتماءاتالسياسيةللبشمركةالعميقةجداً؛ لأن البيشمركة منقسمة أيديولوجياً وسياسياً بين الحزبين الكرديين, هذا الانقسام السياسي والأيديولوجي يغذيه الانقسام الحزبي الكردي, مما ينعكس بشكل سلبي على قوات البيشمركة, وهذاسيترك تداعيات مؤثرة جدا حول عدم مهنية البيشمركة؛ لأن توسيع نفوذ الحزب على المناطق المتنازع عليھا جزء لايتجزأ من حالة التنافس بين الحزبين الكرديين؛ مما ينعكس سلباً على حرفية ومهنية البيشمركة في المستقبل. • الانقسام الكردي في التحالفات الإقليمية بين إيران وتركيا, هذا التحالف سيكون له تأثير كبير بعد الاستقلال في ظل الاختلاف السياسي والاستراتيجي بين طهران وأنقرة, ودورهما في المنطقة, ومحاربة التنظيمات المتطرفة, والدور المتنامي للجمهورية الإيرانية بعد الاتفاق النووي مع دول (5+1), ومعارضتها لأقامه الدولة الكردية, كذلك الحال بالنسبة لتركيا. • المشكلة المستمرة مع تركيا في ظل وجود حزب العمال الكردستاني داخل اراضي إقليم كردستان" وحدات حماية الشعب", إذ عادت تلك المشكلة مرة اخرى إلى الواجهة بعد هدنه بين الطرفيين والتي نسفت مؤخراً, وهذا سيكشف للكرد والقيادة الكردية بأن تركيا حليف لا يمكن الوثوق بها؛ على الرغم من التقارب الكردي التركي في الفترة السابقة في ظل توتر علاقة أنقرة وأربيل مع حكومة بغداد السابقة؛ الامر الذي استغله مسعود برزاني في ذلك التقارب, إلا أن تركيا بعثرت ذلك التحالف والتقارب من جديد, فضلا ً عن عدم رغبة أنقرة باستقلال إقليم كردستان وما تمثله من تحدي في المستقبل, ومعارضتها في اقامة دولة كردية, ولعل التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والحكومة التركيةالتي تشير إلى أن موقف تركيا يزداد تصلباً بخصوص استقلال إقليم كردستان وإقامة الدولة الكردية. فقد قال أردوغان " إنه لن يسمح بإنشاء دولة كردية على الحدود التركية", ووصفت الصحف الموالية للحكومة "وحدات حماية الشعب" بأنها تشكل تهديداً أكبر من تنظيم ‘‘داعش‘‘. إذ يسعى اردوغان إلى حضر وحدات حماية الشعب الكردي, وهذا يغيض الإقليم كثيراً. • علاقة الإقليم بالمركز, والمشاكل التي لم تتم تسويتها حتى الآن, وربما تستمر تلك المشاكل إلىما بعد الاستقلال, كوضع محافظة كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها, وتسليح البيشمركة ومشكلة تقسيم الثروات الطبيعة, ومشكلة الاتفاقات النفطية.. وغيرها. • علاقة الإقليم الجيدة مع الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية, هي الأخرى مهددة,وتنذر بتحديات؛ لأن الولايات المتحدة تريد الإبقاء على إقليم كردستان جزء من العراق دون تشظي, على الرغم من الدعم الأمريكي للإقليم,وفي حالة اصرار الإقليم على الاستقلال, أو في حالة الاستقلال, ربما تتعكر تلك العلاقة بين الإقليم والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية. الأمر الذي لا يصب في مصلحة إقليم كردستان, ولربما يفتقد الأخير إلى صداقة الولايات المتحدة, فضلاً عن الموقف الأمريكيالداعم للسياسة التركية ضد حزب العمال الكردستاني, إذ وصفت واشنطن ‘‘حزب العمال‘‘ مؤخراً بالإرهاب. هذه التحديات بالمجملهي غير مكشوفة, وعادة ما تلجأ القيادة الكردية إلى تغطيتها خارجياًمن خلال خلق الازمات مع الحكومة الاتحادية, وافتعال الأزمات الخارجية؛ لتغطية على الانقسام الداخلي والحزبي بين قيادات الاحزاب الكردية, وقوات البيشمركة, إلا أن حكومة الإقليم وقيادتها إذا ما فكرت في الاستقلال, واستقرار الإقليم بعد الاستقلال, عليها التغلب على تلك التحديات ومعالجتها فعلياً, وليس الهروب منها من خلال دفنها وهي حيه, أو افتعال تلك الأزمات للتغطية عليها؛ لأن الاستقلال بهذا الشكل في ظل تراكم الازمات الداخلية,وبقاء التحديات الخارجية سيجعل الإقليم غير مستقراً أمنياً وسياسياً واقتصادياً, وسيشهد حالة من عدم الاستقرار الداخلي, فضلاً عن تفاقم تلك التحديات بشكل اكبر في ظل غياب الحلول الجذرية. فعلى قيادة الإقليم أن تكون اكثرحكمة في علاقتها مع بغداد, وأن تكون فاهمة ومدركة لطريقة الاستقلال عن حكومة المركز؛ لأن تحديات ومشاكل ما بعد الاستقلال اكبر من تحديات والمشاكل العالقة بين بغداد وكردستان في الوقت الراهن والتي من الممكن حلها مع الحكومة الاتحادية, لو كانت هناك جدية من الطرفين - المركز والإقليم-. وبهذا يمكن أن تصل القيادة الكردية إلى صيغة معينة ترضي الطرفين, ولا تلقي بضلالها على ما بعد الاستقلال.
التعليقات