تعثر الديمقراطية وتأثيره على مصالح الكُرد في العراق

شارك الموضوع :

لا شك ان الشعب الكُردي من الشعوب العظيمة في الشرق الأوسط، وأنه تحمل الكثير من المعاناة في تاريخه وهو يطالب بحقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية، وكانت -ولا زالت- الديمقراطية هي طوق النجاة للتخلص من معاناته والتمتع بحقوقه، ولكن عندما توفرت الفرصة له ليحكم نفسه بحرية داخل عراق فدرالي تعددي فرطت قياداته بطوق نجاته وركضت مغمضة العينين وراء سياسات وممارسات للحكم تسببت لها بالأذى عبر التاريخ، وجردتها من فاعليتها وقوة تأثيرها.

على الرغم من مضي أكثر من ثلاثة أشهر على انتخابات الدورة السادسة لبرلمان أقليم كُردستان العراق والتي جرت في العشرين من شهر تشرين الأول 2024 الا أن القوى السياسية الكُردية لم تتمكن لحد الان من حسم الجلسة الأولى المفتوحة لبرلمان الإقليم الجديد باختيار رئاسته، والبدء بتشكيل حكومته وفقا للاستحقاقات الانتخابية؛ نتيجة الخلافات بين القوى السياسية الفائزة، ولاسيما بين الحزبين الرئيسيين: حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني، والحزب الديمقراطي الكُردستاني، مما يكشف عمق الازمة السياسية المستفحلة التي يمر بها الإقليم، وتعثره الواضح في ترسيخ مساره الديمقراطي.

ان تعثر الديمقراطية من خلال عدم احترام التوقيتات الدستورية، وخذلان الناخبين بعد عملية انتخابية وُصفت بأنها "مصيرية" ليس أمرا جديدا على الكُرد؛ لأنهم عانوا منه لوقت طويل، فبعد انتخابات الدورة الأولى سنة 1992 لم تصمد حكومتهم الديمقراطية الا سنتين فقط لتندلع بعدها حرب أهلية قاسية راح ضحيتها الالاف، وتسببت بتهجير الاف أخرين، كما أعطت المبررات لتدخل الاخرين في شؤونهم الداخلية، ولم تتوقف تلك الحرب المدمرة الا في سنة 1998 بعد الاتفاق على تقسيم الموارد والنفوذ بين الحزبين الرئيسيين بضغط هائل على الطرفين قامت به الولايات المتحدة الامريكية.

 لقد استمرت العملية الديمقراطية بالتلكؤ في الإقليم؛ اذ لم يتوجه الناخبون الى انتخابات الدورة الثانية الا في كانون الثاني 2005، أي بعد ثلاثة عشر سنة من انتخابات الدورة الأولى. وفي حين جرت انتخابات الدورات الثالثة والرابعة والخامسة تقريبا ضمن توقيتاتها الدستورية، الا انها لم تسهم فعليا في القضاء على الصراعات الحزبية التي تعكر صفو الحياة السياسية للكُرد، مما تسبب بتأخير انتخابات الدورة السادسة الاخيرة لسنتين في مخالفة صريحة للتوقيتات الدستورية، وهذا ما كشفت بطلانه المحكمة الاتحادية العراقية في قرارها الصادر بتاريخ 30 أيار 2023.

ان الديمقراطية في كُردستان العراق كانت وما زالت ضحية التجاذبات السياسية، والتقاطع الشديد في المصالح بين القوى الرئيسة، وهذا الامر ترك تأثيره السلبي على فاعلية المؤسسات الدستورية، وأظهر ضعفها في الاستجابة لحاجات وطموحات المواطنين، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة من خلال استمرار الاحتجاجات والأزمات داخل الإقليم، وتصاعد الشكوى بين مواطنيه من غياب العدالة الاجتماعية، وعدم تكافؤ الفرص، وتجذر أزمة عدم الثقة بين القوى السياسية نفسها من جانب، وبين المواطنين والسلطة من جانب آخر.

هذا الإهمال المقصود او غير المقصود لقواعد واحكام العمل الديمقراطي من قبل القيادات الكُردية شكل -ولا زال- واحدا من أكبر الأخطاء التي ترتكبها هذه القيادات، ليس الان فقط، بل وخلال تاريخ الكُرد النضالي البعيد منذ مطلع القرن العشرين المنصرم، فانشغال هذه القيادات المبالغ فيه بصراعاتها السياسية أفقدها وحدتها الداخلية على مستوى القيادة والقاعدة، واسهم بخسارتها فرصا كثيرة توفرت لها لتحقيق اهداف وطموحات شعبها، كما أضعف بشكل مستمر قدرتها التفاوضية امام خصومها المحليين والدوليين.

لقد ساد الانطباع على نطاق واسع – داخل العراق وخارجه- بعد سقوط صدام حسين سنة 2003 ان تجربة الحكم الديمقراطي في اقليم كُردستان يمكن ان تزدهر كثيرا لتكون المحرك الأساس لترسيخ وتعزيز الديمقراطية في عموم العراق، ولتشكل عنصر جذب وتشجيع للحكم الديمقراطي بين جميع دول الشرق الأوسط، مما اعطى القيادات والسياسات الكُردية إمكانية إضافية لتعزيز دورها عراقيا ودوليا، ولكن للأسف فشلت هذه القيادات في استثمار هذه الميزة التنافسية، بل تسبب اهمالها بفقدانها التدريجي لقوة الجذب والتأثير، فظهرت للعالم وكأنها لا تختلف كثيرا في طريقة حكمها عن تجارب حكم اقرانها من القيادات في الشرق الأوسط، بل بدأت الكثير من التقارير والدراسات الدولية تقتحم مراكز صنع القرار ومنصات الرأي العام المحلي والدولي وهي تتحدث عن ارتفاع مؤشرات الفساد، والاستبداد، والتضييق على الحقوق والحريات، وتعطيل الدستور، والانقسام الحزبي الشديد داخل الإقليم، فتراجعت تجربته الديمقراطية كثيرا عن سقف الطموحات التي كانت متوقعة لها. 

وما زاد الامر خطورة هو ليس فقط تآكل الصورة التي توقعها الاخرون عن تجربة الحكم الديمقراطي الكُردي، بل تراجع الايمان والثقة لدى المواطن الكُردي نفسه بنظام حكمه، فهو اليوم محبط كثيرا من أداء قياداته، وفاقد للأمل بإمكانية تحسن ظروفه العامة... وهذا ما تكشفه معدلات الهجرة العالية للمواطنين الكُرد، فضلا عن استعداد الكثير منهم للهجرة لو توفرت له الفرصة المناسبة.

لا شك ان الشعب الكُردي من الشعوب العظيمة في الشرق الأوسط، وأنه تحمل الكثير من المعاناة في تاريخه وهو يطالب بحقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية، وكانت -ولا زالت- الديمقراطية هي طوق النجاة للتخلص من معاناته والتمتع بحقوقه، ولكن عندما توفرت الفرصة له ليحكم نفسه بحرية داخل عراق فدرالي تعددي فرطت قياداته بطوق نجاته وركضت مغمضة العينين وراء سياسات وممارسات للحكم تسببت لها بالأذى عبر التاريخ، وجردتها من فاعليتها وقوة تأثيرها.

شارك الموضوع :

اضافةتعليق


جميع الحقوق محفوظة © 2023, مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية