ربما تطرح زيارة أمير قطر إلى طهران بهذا التوقيت، احتمالات كبيرة حول الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران، من أجل فتح محادثات مباشرة بين إيران وترامب، ولاسيما أن طهران، ربما تنتظر لحظة المفاوضات مع الرئيس الأمريكي، أو قد تتنظر فرصة مناسبة للوساطة، أو لمن يقوم بهذا الدور
قام أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، يوم الاربعاء الماضي 19 فبراير (شباط)، بزيارة رسمية إلى طهران، بهدف لقاء المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، ورئيس الجمهورية مسعود بزشكيان وبعض المسؤولين الإيرانيين الآخرين؛ لتبادل وجهات النظر بشأن العلاقة بين البلدين، ومناقشة أهم الملفات الإقليمية، ولاسيما تلك التي تتعلق بتطبيق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، والوضع في لبنان وسوريا بعد الاسد. وهي الملفات الأبرز التي تم مناقشتها وظهرت لوسائل الإعلام، إلا أن الاهم من ذلك، ربما لم يصل إلى الإعلام بشكل مباشر، وبقي محصورًا في دوائر صنُع القرار في قطر وإيران، وخاضع لخبرة المتخصصين في التحليل وربط الاحداث؛ الامر الذي جعل الجميع يتسائل عن زيارة أمير قطر إلى طهران في هذا التوقيت، ودلالاتها السياسية والدبلوماسية في المنطقة، ولاسيما في ظل الدور الذي تعلبه الدوحة في القضايا الإقليمية بالمنطقة، من جهة، وطبيعة علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى. فضلًا عن علاقتها الدبلوماسية الجيدة مع جمهورية إيران الإسلامية.
وتأتي زيارة أمير قطر إلى طهران في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، وسعي الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب إلى حل النزاعات الدولية، سواء في أوروبا، بين روسيا وأوكرانيا، أو في الشرق الاوسط، بين إسرائيل وفلسطين، فضلًا عن علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بإيران، وسعي إدارة دونالد ترامب إلى إيجاد حل تفاوضي بين طهران وواشنطن، وجلوس الاولى على طاولة المفاوضات بشأن ملفها النووي؛ الأمر الذي اعلن عنه الرئيس الأمريكي بعد تنصيه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية في ولايته الثانية، ورغبته في الوصول إلى حل تفاوضي بين الطرفين. إذ قال في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" الأمريكية، بشأن قبول إيران موضوع التفاوض، "أريد أن يكون لديهم (الإيرانيين) بلد عظيم وإمكانات كبيرة، الشعب مذهل، والشيء الوحيد الذي قلته عن إيران، هو أنهم لا يستطيعون امتلاك سلاح نووي". وأعرب أيضًا عن رغبته بإقامة حفل كبير في الشرق الاوسط، في حال قبلت إيران عرضه في الجلوس على طاولة المفاوضات. لذا يربط الكثير من المتخصصين والمهتمين بالموضوع، بين زيارة أمير قطر، ورغبة الرئيس الأمريكي في الوصول إلى حل تفاوضي بين الطرفين بشأن برنامج إيران النووي، بهدف الوصول إلى نقاط أو قناعة مشتركة، تلبي قناعة الطرفين المتخاصمين، أو في الاستماع إلى وجهات نظر القيادة الإيرانية – على أقل التقدير – ومعرفة مزاجها السياسي والدبلوماسي، بشأن موضوع التفاوض والوساطة القطرية ابتداءً. ولاسيما أن القيادة الإيرانية بحاجة كبيرة إلى هذا التفاوض في الوقت الراهن؛ لأن ذلك سيساعدها بالتأكيد على إنعاش الاقتصاد الإيراني القابع تحت ضغط العقوبات الأمريكية، ويسهم في وقف الانهيار الذي تتعرض له العملة الإيرانية مقابل الدولار الأمريكي.
وبهذا الاتجاه، تحَّدث المرشد إلى أمير قطر: بأن "طهران تتوقع المزيد من السياسة العدائية الأمريكية في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب، وأنه لا يوجد فرق بين رؤساء الولايات المتحدة". إذ وصف المرشد الإيراني تدخلات ترامب بشأن الوضع في المنطقة، بأنه كمن يصب المزيد من الماء البارد على أي انفراج محتمل. من جانب آخر، أشاد المرشد الإيراني بالدور القطري في المنطقة، معتبرًا أن "قطر تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الاستقرار الإقليمي". وكذلك أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: أن "العلاقات القطرية – الإيرانية تشهد تطورًا مستمرًا في مختلف المجالات"، مشيرًا إلى أن إيران تعتبر قطر "شريكًا إستراتيجيًا" في قضايا المنطقة. كما شدد على ضرورة تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والنقل، بما يخدم مصلحة البلدين.
وتحمل زيارة أمير قطر إلى طهران الكثير من الابعاد الإستراتيجية للمنطقة في الوقت الراهن، ولاسيما في ظل التطورات المتسارعة في غزة ولبنان وسوريا. فالتطورات الأخيرة في غزة، وتصاعد المواجهات بين حركة حماس والكيان الصهيوني، تجعل من قطر طرفًا فاعلًا في إدارة الأزمة، نظرًا لدورها البارز في دعم حقوق الفلسطينيين والتوسط في محادثات وقف إطلاق النار. فضلًا عن الأزمة المتفاقمة وتصاعد التوترات بين حزب الله وإسرائيل؛ تجعل من التقارب القطري – الإيراني، عاملًا مؤثرًا في المشهد السياسي. ولاسيما أن إيران وقطر تؤثران بطريقتين مختلفتين في لبنان؛ مما يجعل هذه الزيارة فرصة لتعزيز التنسيق وتجنب مزيد من التصعيد.
وعلى الرغم من أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نفى الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران، وقال: "إنه لا يوجد ما يشير إلى أن الدوحة تسعى إلى العمل كوسيط أو تحمل أي رسالة دبلوماسية من واشنطن". إلا أن الدوحة لها ما يؤهلها لهذا الدور، ولاسيما أنها تقوم بالوساطة بين حماس وإسرائيل حليفة الولايات المتحدة، إذ يسعى الجانبان إلى التوصل إلى وقف إطلاق نار هش في غزة. كما ساعدت في السابق، في التوسط في الانسحاب الأمريكي من أفغانستان مع طالبان. كذلك كانت وسيطًا رئيسًا للولايات المتحدة في النزاعات الإقليمية السابقة، بما في ذلك تبادل الأسرى بين إيران والولايات المتحدة في عام 2023. وبدا أن صانع القرار الأعلى في إيران، يركز على اتفاق التبادل الذي انتهى في عام 2023، الذي أفرجت طهران بموجبه عن السجناء الأمريكيين كما هو متفق عليه، لكن الولايات المتحدة منعت قطر من صرف 6 مليارات دولار من أموال الدولة الإيرانية التي صادرتها واشنطن. فضلًا عن ذلك، فقد اعلنت وزارة الخارجية القطرية في وقت سابق من الشهر الجاري: "أن الدوحة مستعدة لمساعدة الولايات المتحدة في التفاوض مع الجمهورية الإسلامية". وقد اشار الشيخ تميم لذلك – ولو بشكل غير مباشر – في تصريح عقب اجتماعه مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بقوله: إن "قطر تدعم أي جهد من شأنه تقريب وجهات النظر ويؤدي إلى حلول عادلة ومتوازنة ويضمن حقوق الشعوب ويعزز التنمية والازدهار في المنطقة". إذ يعد الأمير القطري، الذي يحافظ على علاقات وثيقة مع طهران وواشنطن، أهم رئيس دولة يزور البلاد منذ أن أشعلت حركة حماس المدعومة من إيران صراعًا إقليميًا استمر 15 شهرًا بين إسرائيل وإيران وحلفائها. وكان رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قد أعرب العام الماضي عن أمله في أن يؤدي اتفاق تبادل السجناء الذي أبرم في عام 2023 بين إيران والولايات المتحدة بوساطة الدوحة، إلى محادثات أوسع بين طهران وواشنطن بشأن البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية.
بالمجمل، ربما تطرح زيارة أمير قطر إلى طهران بهذا التوقيت، احتمالات كبيرة حول الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران، من أجل فتح محادثات مباشرة بين إيران وترامب، ولاسيما أن طهران، ربما تنتظر لحظة المفاوضات مع الرئيس الأمريكي، أو قد تتنظر فرصة مناسبة للوساطة، أو لمن يقوم بهذا الدور. فمن الممكن جدًا أن تسعى طهران إلى نسج مسار المفاوضات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولجأت إلى وساطة الدوحة، التي لعبت هذا الدور في العديد من ملفات المنطقة – كما ذُكرت أعلاه. في وقت وقع ترامب مذكرة تطبيق سياسات الضغط الأقصى، فضلًا عن توقيع عقوبات على أطراف مرتبطة بقطاع النفط؛ لذا تخشى القيادة الإيرانية، العودة لبيع نحو 300 ألف برميل يوميًا كما اعتادت في ولاية ترامب الأولى بدلًا من نحو مليون و700 ألف برميل خلال ولاية جو بايدن. لهذا تبدو زيارة أمير قطر إلى طهران لها دلالات واضحة وذات صلة بهذا الموضوع، حتى وأن لم تُعلن بشكل مباشر. وقد تكشف الايام المقبلة عن هذا الدور بشكل واضح، ولاسيما في حال تمَّكنت قطر والجهود الدولية والإقليمية من تنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة بنجاح.
اضافةتعليق