هل يفضي التهديد المتبادل بين حزب الله وإسرائيل إلى المواجهة المباشرة؟

منذ السابع من تشرين الاول/ اكتوبر من العام الماضي ومع بداية الحرب الإسرائيلية في غزة، قفز حزب الله اللبناني وإسرائيل إلى مستوى جديد من المواجهة العسكرية والإعلامية سواء بالنوع أو الكثافة، إذ أخذت المواجهات غير المباشرة ترتفع تدريجيًا مع استمرار الحرب في غزة، وأخذ شبح حرب يهدد المنطقة بحرب شاملة، إذا ما اخذنا تهديدات الطرفين وطبيعة الدعم المزعوم لهما من قبل حلفائهم (الإقليميين والدوليين)، ولاسيما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإيران. وكأن بوادر المواجهة أخذت تقترب مع التصريحات التي القا بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي بقوله "نحن نقترب من نقطة القرار"، ومن قبله تحريض وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير على إحراق لبنان، وصولًا إلى إعلان الجيش الإسرائيلي على المصادقة على خطط عملياتية لهجوم واسع على لبنان يوم الثلاثاء الماضي 18/6 والاستعداد الكامل لقرار الحرب، ولاسيما مع الدفعة المعنوية التي تلقته حكومة الحرب برئاسة نتنياهو المتمثل بتسريب معلومات عن دعم أمريكي لها في حال دخلت في حرب على الجبهة الشمالية، بموازاة دعم الإيرانيين المستمرين لحزب الله وتهديد إسرائيل من أن «أي قرار متهور من النظام الإسرائيلي المحتل لإنقاذ نفسه يمكن أن يغرق المنطقة في حرب جديدة». على الرغم من أن إيران وحلفائها ربما لا ترغب في توسعة رقعة الصراع خارج غزة، وتحاول أن تنهي الحرب في غزة بأي طريقة كانت؛ لأن قرار الحرب ربما لا يخدم الجميع والمنطقة بشكل عام. فهل تشهد الأيام المقبلة مواجهة مباشرة بين اطراف الصراع، أم سيكون للأطراف الدولية والإقليمية، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وإيران موقف تهدئة من شأنه أن يفضي إلى هدنة في غزة بغية الوصول إلى حلول كافية، ودفع سيناريو المواجهة المباشرة والحرب الشاملة مرة أخرى؟ 

إنَّ سير الحرب يشهد تحولًا في الشرق الأوسط منذ شهر اكتوبر من العام الماضي، تحولًا من شأنه أن  يؤدي إلى اتساع نطاق الصراع في المنطقة، ولاسيما مع فشل الجيش الإسرائيلي في السيطرة على قطاع غزة، بالتزامن مع الاختلاف السياسي الإسرائيلي حول طبيعة إدارة القطاع بعد الحرب، فضلًا عن اختلاف الداخل الإسرائيلي حول قرار الحرب الذي اتخذه نتنياهو. ففي الوقت الذي بدأت فيه جهود إسرائيل الرامية إلى القضاء على حماس في رفح، بالتراجع إلى حدٍ كبيرٍ، بدأ الاهتمام يتحول إلى الشمال بعيداً عن غزة، وهناك خط حدودي طويل مع لبنان. على الرغم من أن قرار الحرب بين إسرائيل وحزب الله، ليس قرارًا فرديًا، أي بمعنى، أنه لا يمكن لإسرائيل أن تتخذ قرار الحرب بمفردها، دون دعم وموافقة أمريكية، وكذلك حزب الله، فهو لا يمتلك قرار المواجهة والحرب المباشرة بعيدًا عن الإرادة الإيرانية، وعليه فأن سيناريو الحرب والمواجهة الشاملة التي يهدد بها الطرفين "هي في الأصل" خاضعة لجملة عوامل ومصالح سياسية واقتصادية مترابطة ومتشابكة من شأنها أن تربك الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي وربما تنذر بحرب شاملة. ومن ثم فأن الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي، لا ينظر إلى طبيعة الحرب والنتائج النسبية التي تحققها، بقدر ما ينظر إلى تداعيات الحرب وما يمكن أن تسببه من تداعيات على المستوى الإقليمي والعالمي في منطقة مهمة جدًا وتحظى باهتمام عالمي مثل منطقة الشرق الاوسط. 

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإدارة بايدن الداعمة لإسرائيل، دخلت في الثلث الاخير من الموسم الانتخابي، وربما ستكون كل جهودها منصبة على المنافسة الانتخابية، ولاسيما بالنسبة لجو بايدن؛ لذا فأن قرار دعم إسرائيل لخوض حرب ضد حزب الله، ربما لا يدعم حظوظه الانتخابية وسيقوض من فرص انتخابه مرة أخرى بنسبة كبيرة. كذلك الحال بالنسبة لإيران، التي تشهد يوم الجمعة القادم انتخابات رئاسية مبكرة، بعد مقتل رئيسها الشهر الماضي بحادث سقوط الطائرة "المثير للجدل" ، وهناك حالة شك وعدم يقين على المستوى السياسي ووضع مابعد السيد خامنئي، فضلًا عن العقوبات الأمريكية التي تسببت بمشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة في الداخل الإيراني. لذا هناك قناعة لدى الطرفين بعدم انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، من شأنها أن تربك وضعهما الداخلي ومصالحهما والخارجية. إذ يعتقد بعض المتخصصين بإن لن تكون هناك مواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله وسيبقى الأمر في إطار المناورات والاشتباكات على وضعها الحالي، أي في إطار المحافظة على قواعد الاشتباك. لكن من الممكن أن تعطي الإدارة الأمريكية موافقتها على عملية عسكرية محدودة يمكن أن تقوم بها إسرائيل على جنوب لبنان بتمركز أو إعادة تمركز لقوات عسكرية داخل الحدود اللبنانية، ولاسيما أن مهمة عاموس هوكشتاين مبعوث الرئيس الأمريكي إلى بيروت وتل ابيب، قد فشلت بشكل كبير. وتظهر عدم رغبة المجتمع الدولي بالحرب بين حزب الله وإسرائيل من خلال الاتصالات المستمرة والزيارات المتواصلة إلى بيروت وتل أبيب والتحركات الداعية للحزب اللبناني إلى ضبط النفس، وممارسة الضغوط على الحكومة الإسرائيلية كذلك، وذلك عكس موقفه من حرب إسرائيل ضد حركة حماس، التي لم تلقي نفس هذه التحركات والرغبة بعدم الصدام. الا أن المشكلة التي ما زالت تعيق جهود المجتمع الدولي تتعلق بطبيعة حرب غزة وكيفية انهاءها، ولاسيما أن حزب الله اللبناني يربط نشاطه العسكري واستهدافه لإسرائيل باستمرار حرب غزة من عدمها؛ ولهذا فأن المناوشات العسكرية بين حزب الله وإسرائيل ربما تأخذ وقت طويل، وربما تتصاعد فرضية الصدام المباشرة خلال الشهرين المقبلين (تموز وآب) وتكمن خطورتهما؛ لكون إسرائيل تريد تنفيذ المنطقة العازلة عند الحدود تمهيدًا لإدخال سكان الشمال للمدارس في أيلول المقبل". لهذا من الممكن القول، أن المجتمع الدولي في حال نجح في كبج جماح إسرائيل العدوانية وتمكن من الحفاظ على الوضع القائم "على اقل التقادير" خلال الشهرين المقبلين، من الممكن أن يتمكن من دفع المواجهة بين الطرفين إلى وقت أكبر. واذا ما اراد الحفاظ على وضع الشرق الاوسط دون انزلاق الامور إلى ما يحمد عقباه، فالمجتمع الدولي مطالب وبقوة أن يجد حلًا سريعًا لحرب غزة وأن يتمكن من وقف العدوان الإسرائيلي عليها، الذي استباح كل الاعراف والتقاليد والقوانين الدولية والبشرية ونسف كل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان (الطبيعية والوضعية).

التعليقات