العراق وإسرائيل... بين القطيعة والتطبيع: رؤية في ضوء المعطيات الراهنة والاحتمالات المستقبلية

قد لا يتحمل الواقع الراهن جرأة التساؤل عن مصير الوضع السائد بين العراق وإسرائيل بعد أن تلبد تاريخ العلاقة بين الطرفين بتركة مثقلة بالعداء والبغضاء والشك المتجذر، غير إن حلبة السياسة والزمن لا يعترفان إلا بسنن التطور والتغيير، ولا يخضعا لقانون غير قانون المصالح وحسابات القوى. وعندما تسير الاعتبارات السياسية على طريق المستقبل، تتهاوى أمامها كل الحسبات المطلقة والمستحيلة، لتغوص الأحكام في دوامة اللايقين، وتنفتح مصاريع الاحتمال على المتوقع والممكن، فمن كان بالأمس عدواً يضحى بالغد صديقاً وبالعكس. وعند هذا الحكم يضحى مباحاً وملحاً التساؤل عن مصير تلك العلاقة التي لم تقطف من فم الماضي والحاضر غير علقم الصراع والتناقض؟ وإذا كان السير إلى المستقبل القريب –بحثاً عن إجابة لهذا التساؤل- لا يقفز فوق معطيات الواقع، فإن هذا الأخير –بدوره- يخضع لاعتبارات وعوامل تتباين في أثرها بيم ما يكرس الحالة القائمة ويعمقها في المستقبل، وبين ما يمهد للتغيير على أرضية المصالح المستجدة وفرضيات الفعل والاستجابة. وعند استشفاف ملامح المستقبل القريب للحالة السائدة بين بغداد وتل أبيب بضوء معطيات الواقع، تتضائل أمامنا فرص التغيير في تلك الملامح لأن الواقع لم يزل مليئاً بتركه الصراع التاريخي الطويل بين الطرفين، والمخططات التآمرية التي وضعتها إسرائيل للنيل من مكانة العراق ووحدة شعبه وأرضه، وقد انعكس كل ذلك وترسخ بصورة وعي ومشاعر جمعية عدائية تمخضت عنها ردود فعل ومواقف شعبية رافضة ومناوئة لأي شكل من أشكال التطبيع أو التقارب مع هذا الكيان الذي أحتل فلسطين وتآمر على تدمير العراق وتفتيت قواه. وتتفاقم نسبة الكراهية الشعبية لإسرائيل ويزداد طريق التطبيع مع إسرائيل وعورة عندما نتوغل في أصول العقيدتين الإسلامية واليهودية اللتين تريان ضرورة العداء وحتمية المواجهة المستقبلية على أرض المقدس، وذلك ما نراه ماثلاً في قوله تعالى سورة المائدة: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين". (المائدة:51) وقوله في السورة ذاتها " لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا..." (المائدة: 82) وتأسيساً على تلك القاعدتين الشعبية والعقيدية اللتين تناصبان إسرائيل العداء، لن يغامر أي حزب سياسي عراقي داخل السلطة أو خارجها في الحاضر أو في المستقبل القريب على فتح صفحة جديدة من التعاون مع إسرائيل، أما تحسباً للكلفة الشعبية الباهضة والخسائر الانتخابية المترتبة على مثل تلك الخطوة، أو أعمالاً للنصوص العقائدية التي تحرم على المسلم التعامل مع من أغتصب أرضه، وهو الخط الذي من المفترض أن تتمسك به الأحزاب الدينية التي تهيمن على السلطة في العراق. من جانب آخر، فإن ما يعتصر الساحة العراقية الداخلية من محن وأزمات كفيلة بصرف اهتمام السياسيين العراقيين عن أية مغامرات خارجية من هذا الطراز وخاصة إذا كانت مثل تلك المغامرة محل جدل وانتقاد رسمي وشعبي داخلي مثل قضية التطبيع مع إسرائيل، لأن ترتيب الأولويات في مرحلة حرجة كالتي يعيشها العراق اليوم تستلزم معالجة الملفات الساخنة والعالقة في الساحة الداخلية كـ (الأمن، الخدمات، وإقرار القوانين والاتفاقيات المهمة) قبل الانصراف إلى معالجة ملفات أخرى لا تحض بالأهمية ذاتها حتى وإن كان من باب الاستجابة لرغبة أمريكية ملحة. ومثل هذا الأمر تستبعده الحصافة السياسية قبل أن تستبعده الوقائع حيث يتجنب السياسيون نكأ جرحٍ أو فتح ملف لم يزل العراقيون يدفعون ثمنه حتى اليوم تدميراً أو تمزيقاً لوحدتهم الوطنية استرضاءً لخطط إسرائيل التوسعية. وبذلك لم يبق من رصيد التطبيع أو التقارب مع إسرائيل إلا بعض المغامرات الفردية النادرة لبعض السياسيين العراقيين المغامرين كالتي فعلها بالأمر القريب السيد مثال الآلوسي، أو بعض المبادرات السياسية وغير السياسية المتوارية. ومع ذلك فإن رفع سقف الاحتمال باستيعاب نوع آخر من المتغيرات ضمن مساحة زمنية أكثر امتداداً في المستقبل، قد يؤدي بنا إلى توقع التطبيع العراقي مع إسرائيل عبر عدة مداخل: أولها مدخل الهيمنة العالمية الأمريكية عبر تأمين السيطرة وبسط النفوذ في المناطق الحيوية من وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا المضمار لن تأتمن الولايات المتحدة غير حليفته الإستراتيجية (إسرائيل) على مفاتيح الهيمنة على هذه المنطقة وتأدية دور الحارس لمصالحها الحيوية فيها بعد إعادة هيكلية خارطتها السياسية على نحو جديد يكرس الزعامة الإقليمية الإسرائيلية ويعمق الضعف والتشرذم والتبعية العربية تحت خيمتي السلام وتحقيق التكامل الوظيفي للشرق الأوسط الجديد. وضمن هذا النسق التراتيبي لن يخرج العراق عن حدود الدور المرسوم له إقليمياً ضمن المنظومة الشرق أوسطية الجديدة، وبداهةً سيكون التطبيع والتعاون الشامل مع إسرائيل المدخل المفترض لذلك الدور المرسوم في سياق ترتيبات القوى المهيمنة عالمياً وإقليمياً. ويتظافر مع ذلك المدخل العالمي، مدخل عربي ثان تدشنه خطى التطبيع التي تقطعها الدول العربية مع إسرائيل لاسيما بعد رفع أهم الحواجز من طريقها إلى إسرائيل والتي تتمثل أولها في الممانعة الإسرائيلية لفكرة إقامة الدولة الفلسطينية ضمن الحدود المقبولة عربياً وإسرائيلياً، ويتمثل آخرها في كبح جماح المقاومة العربية والإسلامية لمشاريع التطبيع، والتكامل الإقليمي مع إسرائيل. وعندئذ سيصفو المناخ الإقليمي من مكامن الرفض وعوامل الصراع، ويؤمن مسار التطبيع ويتسع نطاقه ليشمل دولاً كانت تحمل لواء المعارض لإسرائيل مثل (سوريا والسعودية والسودان والعراق وليبيا). وعلامات هذا الانتقال قد لاحت في الأفق، فليبيا باتت تتحدث عن (إسرائيل) وافق التعاون مع إسرائيل، وسوريا انخرطت في جولة من المفاوضات السرية مع إسرائيل حول أولوية استعادة مرتفعات الجولان، ولم تجد دول الخليج غضاضة في الإعلان بين حين وآخر عن رغبتها في مد جسور التعاون مع إسرائيل على أرضية إعادة الحقوق العربية المستلبة من إسرائيل ولن يخرج السودان عن هذا الإجماع العربي طالما كان يطمح إلى تضميد جراح وحدته الوطنية والتملص من الملاحقة القضائية الدولية لزعيمه على خلفية المجازر التي حصلت في دارفور. وبعد هذا كله لم يبق من فريق الممانعين العرب لفكرة التطبيع مع إسرائيل غير العراق الذي لم يعد لديه شيء ليخسره في حسابات إعادة رسم مجال العلاقة، مع إسرائيل بعد أن استهلك النظام السابق كل شعارات المواجهة مع إسرائيل، واستنزف الاحتلال الراهن كل قوى وعوامل الممانعة لفكرة التطبيع تلك. وبالتالي سيجد العراق في اجتماع العرب على مائدة التطبيع مع إسرائيل فرصة غير مسبوقة في العودة إلى الحضن العربي من البوابة الإسرائيلية/ الأمريكية فضلاً عن المداخل الأخرى التي سيجدها في استعادة عمقه العربي والإقليمي. أما المدخل الثالث إلى التقارب المستقبلي مع إسرائيل فينطلق من كردستان العراق ويستمد هذا الاحتمال واقعيته من خلفية التعاون الكردي الإسرائيلي الذي تمتد جذوره حتى عام 1958 أولاً، ومن أرضية المصالح المشتركة للطرفين في إيجاد الدولة الكردستانية المستقلة ثانياً ومع تصاعد أهمية الدور الذي يمارسه التحالف الكردستاني في حفظ التوازن بين مكونات العملية السياسية للعراق الجديد وضمان انسيابية الحراك السياسي داخلها، لن يتوان فريق المتعاطفين مع إسرائيل داخل السلطة السياسية من استثمار خبرة الأكراد وثقلهم السياسي المتصاعد في تذويب الجليد المتراصف في طريق التعاون مع إسرائيل وإعادة مد الجسور إليها. ولا يستبعد في هذا السياق تنامي أثر المتغير الاقتصادي والتقني في تدشين عهد جديد من العلاقة بين بغداد وتل أبيب بدلالة الحاجة إلى الإفادة من الخبرة التقنية الإسرائيلية في إعادة أعمار العراق وتسريع خطى التنمية فيه. ويمكن القول من غير مبالغة إن التعاون الاقتصادي بين الطرفين سيكون له قصب السبق على غيره من المجالات وتكون نقطة الشروع في هذا التعاون خلف كواليس السياسة وبعيداً عن أنظار الشعب العراقي حتى تستوثق أواصر العلاقة ويجري التمهيد لها وفق سياسة النفس الطويل والجرعات المتقطعة الخفيفة واستناداً إلى ذرائع مثل الحاجة إلى تناسي الماضي وشعاراته الجوفاء وفتح أبواب جديدة للمستقبل وإعلاء صوت العقل على صوت العاطفة، فضلاً عن الحاجة للإفادة من التجربة الإسرائيلية في إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة والدخول من موقع الاقتدار في شبكة الترتيبات الإقليمية للشرق الأوسط الجديد، هذا إلى جانب إمكانية التعاون بين الطرفين في مجال القضاء على الإرهاب وملاحقة الجماعات الإرهابية. كما يمكن الافتراض في سياق هذا المشهد المستقبلي بأن العراق لن يبادر إلى التطبيع مع إسرائيل بصورة منفردة أو مستعجلة أو علنية، وإنما ستأتي مبادرته المعلنة لذلك ضمن سياق المبادرة العربية الشاملة وتحت سقف الجامعة العربية، ويكون العراق في هذا الإطار جزءاً من منظومتين متداخلتين، منظومة الجامعة العربية ومنظومة للشرق الأوسط الذي يمثل فيها امتداداً للمصالح والترتيبات الأمريكية في المنطقة. وستسبق هذه المبادرة العلنية سلسلة من الخطوات والمبادرات المخفية التي سيمهد بها العراق الطريق إلى إسرائيل ويكون الاقتصاد ومكافحة الإرهاب أهم القواسم التي تذلل العقبات بين الطرفين في المستقبل وتقرب المسافات بينهما. وعلى الرغم مما تقدم، ليس ثمة ضمانة أكيدة من إطلالة مستقبل مشحون بالصراع مع إسرائيل خاصة مع إمكانية سيطرة المتطرفين أو الصقور على سدة الحكم في أحد البلدين. ومثل هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده من الأفق السياسي للعراق طالما تعثرت العملية السياسية فيه تحت فكي العجز المزمن والفساد المستشري في أجهزة دولة الحكومة وبالتالي لن تكون المحصلة غير مدٍ شعبي عارم يحمل بين جوانحه تياراً سياسيا متطرفاً إلى سدة الحكم سواء عبر نافذة الانتخابات أو غيرها، وقد تتلاشى الملامح الديمقراطية من التجربة الوليدة في العراق ليرسو مركبه السياسي على ضفة المتطرفين الذي يستغلون ظروف انتكاسة الديمقراطية للإنفراد بالسلطة وفرض إرادتهم وتصوراتهم والتي من المرجح أن تكون استعادة لتاريخ الصراع مع إسرائيل بحثاً عن التأييد الشعبي لمثل هذا التوجه، أو إشغالاً للرأي العام الداخلي والدولي عن متابعة البرنامج السياسي للقابضين على السلطة. وعلى الضفة الإسرائيلية لم ولن تنفك الحاضنة السياسية والآيدولوجية الصهيونية ذات الجذور الأصولية المتطرفة عن زج الصقور والمتطرفين إلى سدة الحكم طالما وجد مثل هؤلاء المباركة الشعبية داخل إسرائيل، والدعم الدولي الأمريكي (خاصة) خارجها، وما حصل مع شارون بالأمس القريب ليس مستبعداً أن يتكرر في المستقبل القريب أو البعيد عند توافر البيئة والظروف الداخلية والإقليمية والعالمية المناسبة لتحمل مثل تلك التوجهات العدوانية وعندها لن تكون الصورة -وفق هذا الاحتمال- غير استعادة مقيتة لحلقات الصراع والتنافس والتربص بين العرب ومنهم (العراق) وبين إسرائيل. إن استخلاص الحكم والعبرة من دروس الماضي والحاضر يفضي بنا إلى التوصية بعدم التسرع في فتح ملف العلاقة مع إسرائيل واستحداث صفحة جديدة فيه تنطوي على تناسي الماضي وتدشين أفق جديد من التعاون معها (أي إسرائيل) على الأقل في الوقت الراهن، إذ ليس من قبيل الحكمة – حتى مع قطع النظر إلى الماضي والحاضر- أن يفتح العراق الجريح أذرعته لإسرائيل بثقة مفرطة واطمئنان بلا ضمانات أو محاذير طالما استمدت وتستمد هذه الأخيرة قوتها من ضعف العراق وتفككه، واستمدت كذلك رؤيتها للواقع والمستقبل من عقيدة تؤمن بالتآمر والتوسع والإرهاب... ولنستذكر في ختام كلامنا حول هذا الشأن قوله تعالى من سورة المائدة "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين" (المائدة:57) وقوله تعالى في سورة البقرة "أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون" (البقرة:100).
التعليقات