هل تستطيع البلدان النامية إدارة الاقتصاد العالمي؟

67612012-09-21
كمبريدج ـ في الأيام الأولى من الأزمة المالية العالمية، كان هناك بعض التفاؤل المستند إلى اعتقاد مفاده أن البلدان النامية سوف تتفادى دورة الانحدار التي عصفت بالبلدان الصناعية المتقدمة. ففي هذه المرة لم تنخرط البلدان النامية في الشطط والتجاوزات المالية، وكانت العوامل الاقتصادية الأساسية لديها تبدو قوية راسخة. ولكن هذه الآمال تبددت مع نضوب معين الإقراض الدولي وانهيار التجارة، فانزلقت البلدان النامية إلى نفس الدوامة التي انزلقت إليها الدول الصناعية. ولكن التجارة والتمويل العالميين انتعشا الآن، وبدأنا نستمع حتى إلى أحاديث عن نُسَخ أكثر طموحاً من هذا السيناريو. فيقال إن البلدان النامية تتجه نحو نمو قوي، رغم تكهنات الخراب والدمار التي عادت إلى أوروبا والولايات المتحدة. والأمر اللافت للنظر حقاً هو أن العديد من الناس ينتظرون من العالم النامي أن يتحول إلى قاطرة النمو التي تجر الاقتصاد العالمي. ومؤخراً أصدر نائب رئيس البنك الدولي أوتافيانو كانوتو ومعاونوه تقريراً مطولاً يعزز من الحجج الداعمة لهذا التشخيص المتفائل. هناك العديد من الأسباب الوجيهة التي تجعل هذا التفاؤل معقولا. فقد نجحت أغلب البلدان النامية في تنظيف بيتها المالي والضريبي ولم تعد تتحمل أعباء ديون ثقيلة. والحكم بشكل عام آخذ في التحسن إلى جانب نوعية وجودة صنع القرار السياسي واستنان التشريعات. والآن أصبحت إمكانيات نقل التكنولوجيا عبر المشاركة في شبكات الإنتاج الدولية أعظم من أي وقت مضى. فضلاً عن ذلك فإن النمو البطيء في البلدان المتقدمة لا ينبغي له بالضرورة أن يشكل عبئاً على أداء البلدان النامية. فالنمو الطويل الأجل لا يعتمد على الطلب الخارجي، بل يستند المعروض المحلي. ويُعَد النمو السريع المستدام نتيجة للحاق البلدان الفقيرة بمستويات الإنتاجية في البلدان الغنية ـ وليس نتيجة للنمو في البلدان الغنية. فبالنسبة لأغلب البلدان النامية أصبحت "فجوة التقارب" هذه الآن أوسع من أي وقت مضى منذ سبعينيات القرن العشرين. وعلى هذا فقد أصبحت إمكانيات النمو أعظم بنفس القدر. ولكن الأنباء الطيبة تتوقف عند هذا الحد. إن النمو المستدام يتطلب الاستعانة باستراتيجية نمو واضحة، وأغلب البلدان النامية لم تتبن حتى وقتنا هذا استراتيجيات نمو قادرة على وضعها على طريق التقارب الاقتصادي على نحو لا رجعة فيه. وبالنسبة للعديد من هذه البلدان، كان النمو الاقتصادي في العقدين الماضيين معتمداً على تركيبة من عاملين: التعافي الطبيعي من الأزمات المالية السابقة (كما كانت الحال في أميركا اللاتينية) أو الصراعات السياسية والحروب الأهلية (كما هي الحال في أفريقيا)، وارتفاع أسعار السلع الأساسية. ومن غير الممكن الاعتماد على أي من العاملين في تحقيق التحول المنتج الذي تحتاج إليه البلدان النامية. ولنتأمل هنا على سبيل المثال نموذج النمو في أميركا اللاتينية على مدى العقدين الماضيين. لقد أسهمت المنافسة العالمية في صياغة هيئة العديد من الصناعات في المنطقة وتعزيز مكاسب الإنتاجية الملموسة في القطاعات المتقدمة، ولكن هذه المكاسب ظلت محدودة في إطار شريحة ضيقة من الاقتصاد. والأسوأ من ذلك أن العمل انتقل من أنشطة أكثر إنتاجية وقابلية للتداول (في التصنيع) إلى أنشطة (وخدمات) غير رسمية وأقل إنتاجية. وفي أغلب بلدان أميركا اللاتينية عمل التغير البنيوي على الحد من وليس تعزيز النمو الاقتصادي. ولأنه الحكومات الآسيوية كانت تميل إلى دعم قطاعاتها الحديثة القابلة للتداول بدرجة أكبر، فإن أغلب البلدان الآسيوية تمكنت من تجنب هذا الداء، وبالتالي كان أداؤها أفضل كثيرا. ولكن حتى النموذج الآسيوي ربما بلغ حدوده القصوى. ويتعين على الصين بصفة خاصة أن تواجه حقيقة مفادها أن بقية العالم لن يسمح لها بالاحتفاظ بفائض تجاري إلى الأبد. والواقع أن عملة الصين المقومة بأقل من قيمتها، والتي عملت على دعم الصناعات التحويلية في الصين، كانت بمثابة المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي الذي حققته البلاد على مدى الأعوام العشرة الماضية. والارتفاع الكبير في قيمة الرنمينبي من شأنه أن يقلل من أو حتى يقضي على هذا الدعم للنمو. وبعيداً عن التوقعات الخاصة بنمو البلدان النامية، فهناك سؤال أعمق. هل يتمكن الاقتصاد العالمي في ظل اكتساب البلدان النامية لقدر أعظم كثيراً من الثِقَل من تعزيز ذلك النوع من الحوكمة العالمية القادرة على الحفاظ على بيئة اقتصادية مضيافة؟ إن اقتصاد الأسواق الناشئة لم يظهر حتى الآن ذلك الشكل من أشكال الزعامة العالمية التي قد تشير إلى إمكانية الرد على هذا السؤال بالإيجاب. ولا تزال المؤسسات العالمية في أيامنا هذه ـ صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية ـ تُعَد إلى حد كبير نتاجاً للزعامة الأميركية عند نهاية الحرب العالمية الثانية (رغم أنها خضعت بوضوح لتغير كبير منذ ذلك الوقت). ولقد عكست هذه المؤسسات المصالح الأميركية، ولكنها عملت أيضاً على تقنين قواعد سلوكية معينة ـ اتخاذ القرار على أساس قواعد ثابتة، وعدم التمييز، والتعددية، والشفافية ـ وهي القواعد التي عملت أيضاً على تقييد القوة الأميركية في نهاية المطاف. بيد أن بعض البلدان، مثل البرازيل والصين والهند وجنوب أفريقيا، أظهرت حتى الآن أقل القليل من الاهتمام بالإسهام في بناء أنظمة عالمية، مفضلة البقاء على وضعها كمستفيدة بالمجان. ويذهب خورخي كاستانيدا، وزير خارجية المكسيك الأسبق، إلى ما هو أبعد من هذا، فيزعم أن هذه البلدان كانت تعارض القواعد العالمية بشكل منهجي، في مجالات تتراوح من تغير المناخ إلى التجارة الدولية. ولكن خشية أن نبالغ في القسوة على البلدان النامية، فلنتذكر أيضاً أن علماء السياسة طالما أعربوا عن انزعاجهم إزاء احتمالات تسبب المزيد من توزع القوة الاقتصادية في إنتاج اقتصاد عالمي أقل استقرارا. وإذا تحول مركز ثِقَل الاقتصاد العالمي بشكل كبير نحو البلدان النامية، فإن هذا التحول لن يكون سلسا ـ بل وقد لا يكون تحولاً حميدا. وختاما، هناك أمران نستطيع أن نثق في صحتهما بقدر عظيم من اليقين: الأول أن البلدان التي تتبنى استراتيجيات نمو ترتكز على حفز التغيير البنيوي المحلي هي وحدها القادرة على الأداء بشكل طيب. والأمر الثاني أن أحجية الحوكمة العالمية ـ كيفية إدارة اقتصاد عالمي جامح صعب المراس ـ سوف تتزايد تعقيداً بكل تأكيد.
التعليقات