أن الدولة في العراق بعناصرها الرئيسة تعاني من ازمات متشعبة ومتداخلة منها ما يرتبط بالهوية والانتماء ومنها ما يرتبط بالشرعية والمشروعية واخرى ترتبط بالشؤون السياسية -الامنية والاقتصادية والاجتماعية وشؤون الخدمات وغيرها. وفي ظل هذا الازمات، كيف نتحدث عن دولة وطنية؟..
السبب الجوهري في فشل النظام السياسي الحالي ليس عبر تسييس قرارات المحكمة الاتحادية لصالح طرف سياسي دون الآخر، أو في عدم وضوح تعريف الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة، أو حتى في صلاحيات مجالس المحافظات وانتخابهم للمحافظ، بل هو بالدرجة الرئيسة بسبب تغوّل سلطة البرلمان – ومن خلاله سلطة الأحزاب السياسية -على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للدولة العراقية..
هناك نظرة تشاركية بين تيارات الإسلام السياسي العراقي، حول مفهوم الدولة الحديثة وسيادتها، من حيث النظرة الهلامية التي تعتريها، التي يشهد عليها تبني معظمهم فكراً دينياً سياسياً أممياً عابرًا للوطنية ذا صبغة عالمية، والارتكان في ذلك إلى أفكار خط الإمام-ولاية الفقيه، والحاكمية، وهو ما يعتبره البعض وفقاً للتوصيف السياسي الحديث خيانة وطنية. مما أثار الجدل حول تطَّور علاقة الدين بالسياسة بشكل عام وقضايا مثل الحريات العامة وسيادة الشعب والعلاقة الممكنة مع الأنظمة السياسية العلمانية والمدنية والقوى الدولية ذات التأثير..
هناك قاعدة في النظام الديمقراطية تقول انه ( لا ديمقراطية حقيقية بدون معارضة سياسية فعلية) (ولا ديمقراطية حقيقية بدون تعددية حزبية)، وهذه القاعدة وللأسف الشديد لم ترتقي الى مستوى التطبيق الفعلي في العراق ما بعد (2003)، بالتالي فان المعارضة السياسية هي جزء مهم من الممارسات السياسية، وهي اطار تقويمي مهم وضروري للنظام السياسي، لاسيما في اطاره البرلماني أو النيابي، كذلك هي مؤشر اكيد على أن هذا النظام السياسي بلغ من الرقي والتطور الكثير، خصوصا ومع وجود اليات لتصحيح المسار أو الانحراف عن الخط العام، لكن ما يلاحظ بشكل مؤسف فعلا أن هناك عدم اكتراث بموضوع المعارضة السياسية..
الخلل تمثل في غياب المعارضة السياسية التي هي ركن من الاركان الاساسية لبناء النظام البرلماني، والسبب في عدم اختيار المعارضة السياسية في الغالب ناجم عدم رغبة جميع الاطراف السياسية، إن تخسر مكانها في السلطة لسببا او اخر، وبعد هذه المدة الطويلة من التجربة السياسية التي امتدت إلى (16) عام، وجدنا أن الاحزاب السياسية تتكلم عن المعارضة السياسية وهو خيار جيد بطبيعة الحال، لكنه وللأسف الشديد ناجم عن عدم رغبة الفرقة السياسيين في تحمل مسؤولية الفشل، أو عدم رغبتهم في ابداء الخلل الجوهري الذي عانت منه العملية السياسية العراقية..
هذا الرفض للنظام القائم، تمثل اشكالية كبيرة ربما تعرض عملية التحول الديمقراطي للإخفاق، وهذا الاخفاق هو مكمن الخطورة. حيث من المحتمل أن يعود بنا لمرحلة النظام الدكتاتوري اذا كان ضامن لإدارة الشأن العام وتحقيق الامن الخدمات. وعلى القوى السياسية ان لا تصبغ النظام القائم بصبغة الديمقراطية من خلال التعددية السياسية والحزبية والانتخابات، لان النظام القائم يوصف بانه نظام (ديمقراطية انتخابية) لذا عليها العمل عل تعزيز شرعية النظام السياسي عبر الانجاز الواقعي..
مارست اغلب القوى السياسية في الانتخابات وما بعدها قدرا من الخداع لإرادة الناخبين وتحريف اصواتهم المحدودة تجلى بصور عدة بعثت برسائل سلبية للجمهور ولجمت الضوء في نهاية النفق في امكانية تحقيق التغيير والاصلاح بعد أكثر من عقد ونيف من التدمير..
لا تقوم لدولة القانون والديمقراطية قائمة مالم تمتد ادوات الدستور لرصف ارض المساواة وتكافؤ الفرص بين ابناء الوطن الواحد، فالعراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي..