لم تكن أحداث فبراير 2026 مجرد تصعيد عسكري عابر في تاريخ منطقة مثقلة بالأزمات، بل كانت لحظة مفصلية أعادت ضبط تشكيل مسارات القوة ونسيج التفاعلات السياسية في الشرق الأوسط. فالمواجهة التي قادتها الولايات المتحدة الامريكية بمعية الكيان الصهيوني ضد إيران، لم تكن سوى محاولة لفرض واقع جيوسياسي جديد في المنطقة بالقوة الصلبة. غير أن النتائج الميدانية التي أعقبت الصدمة الأولى، والتي وسعت دائرة الصراع والدمار الى مستوى الحرب الإقليمية وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز وما نجم عن ذلك من ازمة ذات ابعاد عالمية، قد كشفت عن حدود وقواعد جديدة للقوة في التفاعلات على المستوى الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط بل والعالم أيضا من دون مبالغة.
ففي المقام الأول كشفت هذه المواجهة عن تآكل فادح في الشرعية الدولية وتلاشي فاعلية المنظمات الدولية، مما شرعن "منطق القوة" كحاكم وحيد للتفاعلات الدولية، وأسس لواقع دولي جديد يتسم بتعددية الأقطاب، حيث لم تعد واشنطن اللاعب الوحيد القادر على رسم خرائط المنطقة.
وفي المقام الثاني، اشرت هذه المواجهة الدامية بين القوتين نهاية عصر القوة التقليدية الغاشمة وبداية حقبة القوة الذكية الخاطفة؛ ذاك ان التفوق العسكري لم يعد يقاس بعدد القطع البحرية أو حجم الترسانة التقليدية ولا حتى بشجاعة الجنود وعددهم واستعدادهم، بل بالقدرة على إدارة الطيف الكهرومغناطيسي، وسرعة الخوارزميات، والأتمتة الشاملة، فالنصر في هذا النسق الجديد من الحروب بات حليف من يمتلك تكتيكات "الاستنزاف اللا متناظر، والهيمنة الإدراكية".
لكن هذه الحرب قد كشفت- بالمقابل- عن فجوة استراتيجية عميقة بحسابات القوى الكبرى؛ فالتفوق التقني الأمريكي، لم يترجم بالضرورة إلى نصر استراتيجي مستدام، بل أوقع القوة المهاجمة في فخ الإنهاك المتبادل؛ فقد أظهر النظام الإيراني قدرة لافتة على إعادة التموضع والاعتماد على بنية هيكلية مرنة ولامركزية، مما جعل هدف تغيير النظام مطلباً بعيد المنال رغم فداحة القوة المسلطة، وحوّل الصراع إلى حالة من المطاولة والمناورة التي استنزفت قدرات الخصوم تكتيكياً ومادياً.
كما ازاحت هذه المواجهة الخطوط الفاصلة بين البعد الاقتصادي والبعد الأمني؛ فقد أدى إغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط واضطراب سلاسل التوريد العالمية؛ فعادت الى الواجهة من جديد السردية الازلية حول شمولية الحرب واثارها فبرز "أمن الطاقة" كمحرك رئيس لإعادة رسم الخرائط الاستراتيجية بل واطفاء لهيب المواجهة العسكرية بضغوط ازمة الطاقة العالمية. هذا الواقع فرض ضرورة إيجاد "هندسة أمنية جديدة" تركز على البعد الاقتصادي للمواجهة العسكرية والنطاق العالمي لاي حرب إقليمية، واستبدال الخطاب الأيديولوجي المتشنج بـ "لغة الأرقام والمصالح".
على المستوى الاستراتيجي والإقليمي، تمثل هذه المواجهة صداماً وجودياً بين مشروعين متناقضين أيديولوجياً واستراتيجياً. فمن جهة، سعى المشروع الإيراني إلى تكريس نظام إقليمي بديل قائم على سردية المقاومة والثورة المستمرة المرتكزة الى خطاب عقائدي لاستنهاض الهمم واختراق الحدود التقليدية لسيادة الدول واستبدال الولاءات الوطنية بأخرى مذهبية عابرة للحدود والقوميات تحت عنوان " تصدير الثورة ووحدة الساحات وولاية الفقيه "، وبالحساب الاستراتيجي فان التمدد الإقليمي لمشروع المقاومة المتقدمة، يعد ضمانا للأمن القومي الإيراني عبر تكتيكات الدفاع المتقدم والمشاغلة واستنزاف قوى الخصم. وفي المقابل، اندفع المشروع الصهيوني/الامريكي نحو إعادة هندسة المنطقة وفق رؤية "الاندماج الأمني والتقني" التي تهدف إلى دمج إسرائيل في نسيج المنطقة عبر تحالفات "إبراهيمية" صلبة يقودها الكيان بمباركة امريكية، بعد تطويق النفوذ الإيراني بحزام من القواعد والمنظومات الدفاعية ثم قطع أذرعه وتفكيك دفاعاته المتقدمة تمهيدا لإضعافه والاجهاز عليه بضربات عسكرية متلاحقة ومدمرة وحصار خانق. هذا التدافع بين تمدد مشروع المقاومة وتوسعية المشروع الصهيوني الابراهيمي للشرق الأوسط الجديد جعل الحرب الوسيلة النهائية لفض الاشتباك بين تلك المشاريع المتقاطعة. الامر الذي ألغى فرضية مغادرة القوة الصلبة الى القوة الناعمة في الادبيات السياسية المعاصرة على الأقل بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط المشتعلة بنيران الطاقة والسلاح، فبقي الاخير ساحة لتصفيات حسابات معلقة بين حلم السيادة الإقليمية المستقلة وواقع النظام الأمني المرتبط بالغرب.
وبخلاف اغلب الحسابات الاستراتيجية التقليدية في تقديم الربح الإسرائيلي المتحصل من احتواء مشروع المقاومة الإيراني وتحجيم قدراته على المدى القريب، فان الحسابات المتأنية تفضي الى اصطدام الطموحات الإسرائيلية المستقبلية بحواجز الحذر العربي الشديد من انفجار الاطماع التوسعية الصهيونية والرغبة الجامحة في قيادة المنطقة بمنطق القوة الغاشمة لا بمنطق التعاون والتكامل الاقتصادي، تبعا لذلك صارت دول المنطقة ترى في الاندفاع الإسرائيلي تهديداً للاستقرار الإقليمي لا يقل خطورة عن الطموحات الإيرانية. بل ان تراجع مناسيب الثقة العربية في حقيقة النوايا والاطماع الإقليمية الإسرائيلية، قد دفع ببعض قواها بضمنها دول الخليج العربي الى مراجعة حساباتها وانماط تحالفاتها وعلاقاتها مع القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء، لما أدركت بجلاء ان المظلة الأمنية الأمريكية لم تكن كافية لضمان امنها من لهيب نيران القوى الغازية، بدلالة انشغال واشنطن عنها- اثناء المواجهة مع إيران - بتامين قواعدها وحماية ارض الكيان الصهيوني.. هذا الإدراك ولد ما يمكن تسميته بـ "عقيدة التحوط الاستراتيجي"، حيث بدأت هذه الدول- فعليا- في إعادة تموضعها الاستراتيجي واتخاذ مواقع وسطى ومرنة بين ارتباطها الدفاعي بالغرب وارتباطها الاقتصادي بالشرق عبر وتنويع مصادر تسليحها واستقدام قوى غير أمريكية لحمايتها. وبذلك قدمت هذه الحرب وما انتهت اليه فرصة غير مسبوقة للقوى الدولية الكبرى ليس الصين وروسيا فحسب بل والاتحاد الأوربي أيضا للوثوب الى المنطقة بذريعة الدواعي الأمنية وحماية منابع ومعابر الطاقة وتوفير الضمانات من عودة التوتر الى المنطقة مستغلين الحرج الذي تعرضت له واشنطن من جراء الفجوة الفادحة بين مستوى التهديد وقدرة مظلتها الأمنية على الاستجابة. والمستقبل القريب سيفتح أبوابا أخرى في المنطقة للنفوذ الصيني والاوربي في مجالات إعادة الاعمار، بل واستدراج المنطقة الى نطاق مبادرة "الحزام والطريق" بوسائل القوة الناعمة والتقانة الصينية فائقة التطور في السلاح والبنية التحتية على حد سواء.
كما قدمت ( أي الحرب ) فرصا وكشفت عن أدوار جديدة لقوى إقليمية صاعدة وواعدة سعت الى استغلال نيران الحرب في تطوير شبكة نفوذها وتحالفاتها مع دول المنطقة وخاصة دول الخليج العربي وتقوية شوكتها ضد العدو المشترك، بل ان هذه القوى قد ذهبت الى ابعد من ذلك في تشكيل تحالف إسلامي إقليمي رباعي يضم كل من (السعودية ومصر وتركيا والباكستان) ، ليس لمواجهة تلك الاطماع والنوايا التوسعية الإسرائيلية وتعويض فراغ القوة الذي خلفته ايران ومن قبلها سوريا والعراق فحسب ، بل وتنسيق المواقف والمصالح لإرساء نواة مشروع إقليمي إسلامي منفتح على دول المنطقة بهدف تحقيق التكامل الاقتصادي وتعزيز البنية الأمنية لدول المنطقة في مواجهة التهديدات الإقليمية والدولية الانية والمستقبلية ؛ لاسيما وان هذه القوى الإقليمية قد أفادت مسبقا من إدارة الازمة في ممارسة دبلوماسية الوساطة والابواب الخلفية ؛ فقدمت نفسها كجسر دبلوماسي فعال ليس في احتواء الازمة فحسب، بل وتوظيفها لتطوير دورها ومساحات نفوذها الإقليمي واشغال ما خلفته هذه الحرب من فراغات في القوة لتحقيق مشروعها الإقليمي البديل بعد ان نجحت الى حد بعيد في توفير مسارات بديلة للمواجهة الصفرية وتقديم مسارات بديلة امنة لنقل الطاقة .
وفي غمرة تداعيات الحرب وحسابات القوى الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط، يتوارى دور العراق خلف جدار متداعٍ من الهشاشة البنيوية والفصام الوظيفي في جسد الدولة وعقيدتها الأمنية حيث انقسمت المؤسسة العسكرية بين ولاءات مؤسساتية وأخرى أيديولوجية، مما جعل قرار الحرب والسلم مختطفاً بين مطرقة الالتزامات الدولية وسندان الانتماءات العابرة للحدود؛ إذ وجد الجيش العراقي نفسه في موقف حرج أمام اختراقات الطرفين المتصارعين، حتى تحولت الأراضي العراقية من ساحة "دفاع" إلى "صندوق بريد" دامٍ، وأكد أن السيادة العراقية لا تزال مفهوماً نظرياً يفتقر إلى القوة الصلبة التي تحميه من التجاذبات الإقليمية.
أما في دهاليز المطبخ السياسي، فقد سقطت ورقة التوت عن سياسة "النأي بالنفس" التي طالما تغنت بها النخب الحاكمة، فالحرب كشفت أن هذه السياسة لم تكن خياراً استراتيجياً بقدر ما كانت "هروباً إلى الأمام" وعجزاً عن صياغة علاقات متوازنة؛ حيث أدى الضغط العسكري إلى تشظي التحالفات السياسية وتحولها إلى كانتونات متناحرة يبحث كل منها عن مظلة خارجية تحميه، مما رسخ صورة العراق كدولة "تابعة" لا شريكة في التوازنات الإقليمية.
إلا أن الضرر الأكثر عمقاً كان في البنية الاجتماعية، اذ أعادت الحرب إحياء الانقسامات الهوياتية الكامنة، فتحول الانقسام حول الحرب إلى شرخ وجداني بين مكونات الشعب، مما أدى إلى تآكل مفهوم "المواطنة" لصالح "الخندقة الطائفية". لقد خرج العراق من هذه الأزمة مثقلاً بأسئلة وجودية حول جدوى النظام السياسي القائم وقدرته على البقاء في بيئة دولية لا تحترم إلا الأقوياء والمنسجمين داخلياً.
إنَ ما انتهت اليه حرب شباط 2026 من نتائج وتداعيات، يتجاوز حدود الجغرافيا لِيستقر في صلب التاريخ؛ فهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل صرخة مدوية ستعلن عن ولادة نظام إقليمي شرق اوسطي جديد ؛ ذلك ان ما خلفته هذه الحرب من تداعيات يتجاوز الى حد بعيد مقدار ما تسببت فيه من دمار مادي ليصل الى مستوى متقدم من التحول الجذري في أنساق القوة ومساراتها داخل المنطقة؛ فعلى الرغم من حالة 'السيولة الأمنية واستدامة الهشاشة التي تعيشها المنطقة اليوم، فان هذه الحرب ونتائجها قد طوت صفحة المراهنات الصفرية، ليحل محلها زمن المناورات المعقدة وتعدد الولاءات. ولم يعد النصر الحقيقي في تحطيم البنى التحتية للخصم، بل في القدرة على صياغة 'عقد إقليمي جديد' يتجاوز الانغلاق الأيديولوجي لصالح واقعية التنمية والاستقرار.
وبكل الأحوال والاحتمالات يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرآة الحقيقة: فإما الانخراط في هندسة أمنية ذاتية تنبع من صميم مصالح شعوبه، وإما البقاء ساحة مستباحة لصراعات 'القوى الذكية التي لا ترحم الضعفاء. وبين حلم السيادة ومرارة التبعية، يبقى الدرس الأبلغ أن الحصانة لا تستورد عبر المظلات الدولية، بل تبنى من تماسك الجبهات الداخلية؛ فالدول التي لا تملك زمام قرارها في وقت السلم، لن تجد لها مكاناً يليق بها على طاولة رسم خرائط ما بعد الحرب.
مراجع مختارة
1- الحرب في الشرق الأوسط : التداعيات الإقليمية والدولية والمالات المستقبلية ، مركز تريندز للبحوث والاستشارات ، على الرابط : https://trendsresearch.org/a ، التاريخ 14 مارس 2026.
2- عبدالله باعبود، أمن الخليج بين الصراع المحتدم وضريبة الجوار، موقع الجزيرة،على الرابط : https://www.aljazeera.net التاريخ : 24/3/2026
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!