تشهد منطقة الشرق الأوسط توترًا مستمرًا بين إيران وإسرائيل، وغالبًا ما تُقدَّم هذه المواجهة في الخطاب الإعلامي والسياسي بوصفها صراعًا استراتيجيًا أو جيوسياسيًا. غير أن أبعاد هذا الصراع وقراءته، قد تمتد إلى أعمق من ذلك، إذ يلعب البعد الديني، دورًا مهمًا في تشكيل خلفيات وتصورات الصراع بين الجانبين، سواء فيما يتعلق بالجانب الإيراني وتصوراته الإسلامية »الشيعية«، أو ما يتعلق بالرؤية اليهودية الإسرائيلية »التوراتية«. فالحرب بين الطرفين، لا يمكن اختزالها فقط في الجوانب العسكرية أو الحسابات الأمنية فقط، بل تتداخل معها أدبيات وسرديات دينية وتاريخية (إسلامية ويهودية) تمنح الصراع بُعدًا رمزيًا يتجاوز السياسة التقليدية، وبما يضفي عليها البعد الديني »المقَّدس«، ويشرعنها للرأي العام المحلي، وكذلك الخارجي، ولاسيّما ما يتعلق بالجانب الإسرائيلي، الذي يستند على رؤية توراتية – تلمودية خالصة.
في الجانب الإيراني، وبغض النظر عن التصورات والطموحات الجيوسياسية، التي ترتبط برؤية النظام السياسي الإيراني للعالم الإقليمي والخارجي، وطبيعة تمدده الإقليمي في المنطقة، تستند رؤية الصراع الإيراني - الإسرائيلي إلى التصَّور الايديولوجي الإسلامي، الذي تشَّكل بعد الثورة الإسلامية عام 1979 على يد السيد الخميني، إذ تم تقديم الصراع مع إسرائيل ضمن إطار ديني وأخلاقي أوسع، يتعلق بمواجهة (الظلم والاحتلال)، وهي امتداد للرؤية الإسلامية، وموقف الدول الإسلامية بشأن القضية الفلسطينية بشكل عام، قبل انطلاق مشروعي الشرق الاوسط (الكبير والجديد) في نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي برؤيتيه الأمريكية والإسرائيلية. ففي الخطاب الرسمي الإيراني، يُنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية دينية وإنسانية في آنٍ واحد، ويُستحضر في هذا السياق مفهوم نصرة المستضعفين، ومقاومة الاستكبار العالمي والاستعمار، وإقامة حكومة إسلامية عالمية، ومفهوم الصحوة الإسلامية، فضلاً عن تقديم طهران نفسها مدافعة "ليس فقط عن قضايا الشيعة بل والسنة" في الشرق الأوسط. وهي مفاهيم نجدها متَّجذرة في ادبيات الفكر والخطاب الشيعي المعاصر، ولاسيّما الفكر الشيعي المرتبط بولاية الفقيه. كذلك يُستخدم هذا الخطاب لتأكيد شرعية دعم حركات المقاومة في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان وفصائل المقاومة الفلسطينية، فضلًا عن الجماعات الشيعية المسلحة في العراق، بوصفه امتدادًا لواجب ديني وسياسي في مواجهة ما يسمونه مشروعًا استعماريًا في المنطقة. بموازاة ذلك، تمتلك إسرائيل أيضًا سردية دينية تتداخل مع رؤيتها للأمن القومي. فجزء من الخطاب السياسي والديني في إسرائيل يستند إلى فكرة »أرض الميعاد«، التي تمَّثل في الفكر الديني اليهودي أرضًا ذات دلالة مقدسة للشعب اليهودي. وعلى الرغم من أن الدولة الإسرائيلية الحديثة قامت على أسس قومية وسياسية، فإن التيارات الدينية داخل المجتمع الإسرائيلي تضفي بعدًا عقائديًا على الصراع، ولاسيّما فيما يتعلق بمكانة القدس والأراضي المقدسة. وفي هذا السياق، تُصوّر إيران في الخطاب الإسرائيلي، ولاسيّما لدى بعض التيارات الدينية والسياسية، كتهديد وجودي لا يقتصر على الجانب العسكري بل يمتد إلى البعد الحضاري والديني والوجود الإسرائيلي، على الرغم من أن بعض التيارات اليهودية الدينَّية لا تؤمن بهذه السرديات، ولا بـ »الدولة« الإسرائيلية القائمة؛ لكونها تخالف التوجهات الدينية اليهودية التي تؤمن بها هذه التيارات.
إنَّ تداخل الدين بالسياسة في هذا الصراع يخلق حالة من التعقيد، لأن الخطاب الديني بطبيعته يميل إلى إعطاء الصراع بعدًا قيميًا مطلقًا، إذ يُقدَّم الخصم بوصفه تهديدًا للهوية أو للعقيدة. وهذا ما يجعل إمكانية التسوية السياسية أكثر صعوبة؛ لأن النزاعات التي تُؤطَّر بإطار ديني، غالباً ما تتحول إلى صراعات هوية لا يمكن حلها بسهولة عبر التفاوض أو التنازلات التقليدية. ومع ذلك، من المهم التمييز بين استخدام الدين كمرجعية ثقافية أو رمزية، وبين حقيقة أن القرارات السياسية والعسكرية في الدول الحديثة تُتخذ في الغالب ضمن حسابات براغماتية تتعلق بالمصالح السياسية والاستراتيجية والأمن القومي للدولة. فإيران، على سبيل المثال، رغم خطابها الديني، تدير سياساتها الإقليمية وفق اعتبارات استراتيجية تتعلق بتوازن القوى وردع الخصوم. وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل التي تعتمد في سياساتها الأمنية على تقييمات عسكرية واستخبارية معقدة، حتى وإن كانت بعض الخطابات السياسية تستخدم لغة دينية أو تاريخية، ولاسيّما في الحرب الدائرة بينهما الآن.
من هنا يمكن القول، إنَّ البعد الديني في الصراع بين إسرائيل وإيران، يعمل في الغالب كإطار تعبوي يمنح الصراع شرعية أخلاقية لدى الجمهور الداخلي، أكثر من كونه العامل الوحيد المحرك للسياسات. فضلًا عن دلالاته التوظيفية وابعاده الاجتماعية، فالدين يوفر لغة رمزية قوية تساعد على تعبئة المجتمع وتبرير السياسات الخارجية، لكنه لا يلغي تأثير العوامل الأخرى مثل المصالح الاقتصادية، والتحالفات الدولية، وتوازنات القوة الإقليمية. وإنَّ أخطر ما في تحويل الصراعات السياسية إلى صراعات دينية، هو أنه يعمق الانقسامات ويغلق أبواب الحلول الواقعية. فحين يُقدَّم النزاع باعتباره معركة بين الحق والباطل أو بين الإيمان والكفر، يصبح التراجع أو التسوية نوعًا من التنازل الديني العقائدي، وليس مجرد قرار سياسي. وهذا من شأنه أن يخدش طبيعة وصدق العقيدة الدينية التي يتبناها الطرفين، إذا ما وضعت على طاولة المفاوضات؛ ولذلك فإن أي محاولة لفهم طبيعة ومستقبل التوتر بين إيران وإسرائيل، يجب أن تأخذ في الاعتبار هذا التداخل المعقد بين الدين والسياسة، دون الوقوع في تبسيط يختزل الصراع في بعد واحد.
بالمجمل، تبدو المواجهة بين إيران وإسرائيل، مثالًا واضحًا على كيفية توظيف الدين في الخطاب السياسي المعاصر. فالدين هنا ليس مجرد عقيدة روحية، بل يتحول إلى عنصر من عناصر القوة الرمزية في الصراع الدولي. وبينما تبقى المصالح الاستراتيجية، هي المحرك الأساسي للسياسات، يظل الخطاب الديني، عاملًا مؤثرًا في تشكيل صورة الصراع وإطاره الأخلاقي؛ الأمر الذي يجعل فهم هذا البعد ضروريًا لأي قراءة عميقة لمستقبل المنطقة لدى الجمهور الداخلي والمجتمع الدولي، فضلًا عن الرأي العام العالمي.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!